العنوان المد الإيراني في غرب أفريقيا.. الجذور والآفاق
الكاتب محمد سعيد باه
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 64
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 28
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
تم إنشاء كراسٍ للدراسات الإيرانية في عدد من الجامعات كما هي الحال في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة "شيخ أنت جوب"
الخطة التي وضعها الدعاة للفكر الشيعي ارتكزت على ضعيفي المستويات من حملة الثقافة الإسلامية إلى جانب التعليم الأساسي الذي أحرزوا فيه نجاحاً كبيراً بسبب عامل التمويه الذي اتبعوه
انسحب نصف طلاب "جامعة المصطفى العالمية" في السنغال بعد أن اكتشفوا أنه تم التغرير لصالح الفكر الشيعي
بتصفح المصادر التاريخية التي عالجت ظاهرة الشيعة في العالم الإسلامي، نلاحظ أن حركة القوم بقيت محصورة في دائرة ضيقة، وعلى شكل جزر متناثرة في قلب العالم الإسلامي، وبعد قيام الدولة الصفوية (907 – 1148هـ/ 1507 – 1735م)، وتشيُّع بلاد فارس بالحديد والنار؛ ارتسم هلال شيعي من الشام إلى العمق الآسيوي، وبقي الوضع على هذا الشكل حوالي ستة قرون، إلى أن وقعت تحولات جذرية في العالم في مقدمتها الثورة الإيرانية، وحينها انطلق الزحف الشيعي العقدي المتدثر بمعطف مجابهة "الشيطان الأكبر" خارج المنطقة التقليدية التي ظل معتكفاً فيها.
وفي اتجاه غربي العالم الإسلامي، نلاحظ أنه رغم بقاء الجالية اللبنانية التي تضم مجموعة شيعية مهمة في المنطقة منذ حوالي قرن ونصف قرن الآن، لم يعرف غربي أفريقيا ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة التشيُّع بالمعنى الذي نتحدث به عن الموضوع هنا إلا في التسعينيات من القرن الماضي، وذلك منذ انحصار الموجة القديمة والمحدودة التي اجتازت الصحراء باتجاه الجنوب نهاية القرن الثالث الهجري عندما بايعت قبيلتا "مسوفة" و"لمتونة" المدعو عبدالله الشيعي عام 296هـ.
الموجة الحديثة
أما البذور الأولى لهذه الموجة السارية فتعود إلى وصول عدد من دعاة التشيُّع للمنطقة؛ أمثال الشيخ عبدالمنعم زين اللبناني الذي تم إيفاده إلى السنغال من قبل الزعيم الشيعي اللبناني موسى صدر، وكان ذلك إبان انتصار الثورة الإسلامية في إيران التي انتعشت به الحركة الشيعية في المنطقة الخليجية، قبل أن تتحرك في إطار مشروع تصدير الثورة إلى مختلف بلدان العالم الإسلامي، مع التركيز على بلدان معينة في أفريقيا مثل ساحل العاج، ونيجيريا، والسنغال غرباً، وتونس والجزائر شمالاً.
لاحظ الدعاة الشيعة الذين وفدوا للمنطقة في هذه المرحلة الإقبال الشديد على السفر إلى الدول العربية بدافع التعطش إلى العلم الديني في صفوف الشباب المسلم الذي كان يعاني من حصار ثقافي خانق، وبالتالي خططوا لاستغلال هذه الظاهرة اعتماداً على معرفتهم بأن معظم هؤلاء لم يكونوا يميزون بين إيران وبين الدول العربية والإسلامية، كما لم يكونوا يمتلكون أي خلفية عن الفكر الشيعي يومئذ.
ارتكزت الخطة التي وضعها الدعاة للفكر الشيعي في المنطقة على ثلاثة عناصر أساسية:
1- التركيز على ضعيفي المستويات من حملة الثقافة العربية الإسلامية في السنغال الذين تم استيعابهم ضمن برامج المراكز والمعاهد التي اهتموا بإنشائها، وقد أفضى الأمر إلى توظيف بعض هؤلاء في هذه المراكز للقيام بأعمال بسيطة، وقد مكن ذلك من تشييعهم فكرياً وتدجينهم ثقافياً لاحقاً.
2- إرسال بعض الشباب إلى لبنان، عن طريق مركزي ساحل العاج وسيراليون، ثم عن طريق المركز الاجتماعي الإسلامي في السنغال لاحقاً؛ للدراسة في الحوزات القائمة بالجنوب اللبناني، قبل إكمال رحلتهم إلى إيران في قُم ومشهد وغيرهما من المراكز الدينية لتأهيلهم قبل إعادتهم إلى المنطقة دعاة للفكر الشيعي.
فعاد هؤلاء وعُينوا في بعض المناطق النائية، بينما استقر البعض الآخر في المدن الكبيرة لممارسة "الدعاية العقدية"، مع إعطاء الأولوية في المرحلة الأولى للأحياء الشعبية البعيدة عن عين الرقيب، لكن المستوى العلمي الضعيف الذي كان عليه جمهور المتحولين ظل عائقاً لهم.
3- التركيز على التعليم الأساسي الذي أحرزوا فيه نجاحاً كبيراً بسبب عامل التمويه الذي اتبعوه، وفي هذا السياق تم الانتقال إلى مرحلة إيجاد مؤسسات تربوية من الطراز العصري، مع الاستفادة من العاطفة الدينية التي انبعثت في صفوف الجالية الشيعية اللبنانية على غرار معهد الزهراء الضخم الواقع في مدينة دكار الذي أدخل إليه كثير من السنغاليين السُّنة أولادهم دون أن يعلموا حقيقة التوجه العقدي للقائمين عليه والمناهج المتبعة فيه.
فضلاً عن هذه الجهود المركزة في المجال التعليمي وابتعاث الطلاب إلى الحوزات الشيعية في كل من لبنان وإيران، جرى الاهتمام بمجال التأليف مع العناية باللغة الفرنسية، حيث أخذت مؤلفات تظهر في السوق الثقافية تقدم الفكر الشيعي مع نقد حاد للخلفاء.
الموجة الثانية:
انطلقت هذه الموجة بدخول السفارات الإيرانية في التسعينيات على الخط، وفي هذه الفترة كان السفراء يشرفون بصورة مباشرة على عمليات اصطياد الشباب المسلم بتوظيف التعاطف السياسي؛ بسبب المواقف الحادة التي وقفتها الثورة تجاه الغرب، والتي كانت تتناغم مع التوجهات الشبابية عموماً، والمتعلمين منهم على الوجه الخاص الذين كانوا يتعاطفون مع أي خطاب يحمل شحنة من العداوة للسياسات الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً.
وللأسف الشديد، استطاع المسؤولون الإيرانيون، قبل أن تغلق السفارات الإيرانية في بعض البلدان مثل السنغال، من تحويل هؤلاء الشباب من التشيُّع السياسي أو الولاء العاطفي للثورة الإيرانية إلى التشيُّع العقدي الفعلي لأول مرة في كل من ساحل العاج وسيراليون وغينيا كوناكري والسنغال، قبل أن يستفحل الوضع في نيجيريا ومالي لاحقاً.
وفي هذه الخطة، تم التركيز على الجامعات المهمة مثل جامعة داكار التي كانت تشهد ميلاد حركة الطلبة المسلمين التي فجرت موجة عارمة من العودة نحو التدين، وكان قد تم بناء المسجد الجامع فيها في هذه الفترة بتمويل من محسن كويتي، وللأسف استطاعت الأيدي الشيعية اختطاف أحد أهم القيادات الطلابية المسلمة في تلك الفترة والذي كان قد وصل إلى إمامة المسجد الجامع وقيادة الحركة.
لكن سرعان ما انتبهت الحركة لما يمثله التوجه الشيعي على الوجود الإسلامي، وعلى العمل الإسلامي الإصلاحي في الجامعة من خطر، ووضعت خطة محكمة لمحاصرة الموجة الشيعية، وتم طرد الشباب الذين تشيَّعوا فعلاً من صفوفهم، بمن فيهم الإمام في ذلك الحين، وتبنت خط "أهل السنة والجماعة" بصورة رسمية لأول مرة.
الدور الإيراني الجديد:
من خلال لعبة القط والفأر التي تمارسها الدول الغربية وإيران، نلحظ أن الأجهزة التي أعدتها الجمهورية الإيرانية لإيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، أحسنت المناورة حين تحركت بذكاء وكسبت تغاضي الدول عن نشاطها العقدي بعد أن كانت محل مراقبة شديدة، وذلك بفضل بلورتها المسار الاقتصادي في علاقاتها مع دول المنطقة التي يتسم وضعها الاقتصادي بالرهافة الشديدة.
الوجود الشيعي بالمنطقة ولعبة الأرقام
من الصعب في الوقت الحاضر إعطاء نسبة محددة عن الوجود الشيعي على مستوى المنطقة فيما يتعلق بالمتشيعين لأسباب كثيرة، من أهمها عدم وجود دراسات دقيقة عنهم أو إحصاءات عامة تأخذ هذا البعد في الاعتبار، بالإضافة إلى أن بعض الذين يتشيعون يلجؤون إلى ممارسة مبدأ "التقية"، وبالتالي لا يمكن أن نعطي أي مصداقية للأرقام الضخمة التي طرحها "مجمع أهل البيت"، أحد الأجهزة التابعة لمرشد الثورة الإيرانية حين يقول: إن عدد المتشيعين بالمنطقة بلغ 7 ملايين نسمة.
فعلى سبيل المثال، يمكن القول، بناء على بعض المعلومات المتوافرة لدينا: إن عدد الذين تشيَّعوا من السنغاليين، حتى الآن في حدود المئات، علماً أن البعض يتراجعون عن التشيُّع، كما حدث مؤخراً حين انسحب حوالي نصف طلاب "جامعة المصطفى العالمية" في السنغال بعد أن اكتشفوا بأنه تم التغرير بهم، وأن هدف الجامعة هو تشييعهم وليس التعليم، لدرجة أن بعض الطلاب الذين كانوا قد ذهبوا إلى قُم أصروا على إعادتهم إلى بلدانهم حين واجهوا الحقيقة.
أما المواطن التي يهتمون بها، فبالإضافة إلى العواصم التي يتناثرون فيها، فإنهم الآن يركزون على المناطق الإسلامية، وهو ما يؤخذ عليهم بأنهم يصطادون في الماء العكر حين يتركون الوثنيين والنصارى ويركزون على المسلمين في مناطق تتميز بضعف العمل الدعوي فيها بالمقارنة مع غيرها.
وبالنسبة لنمط الشخصيات التي تتفاعل مع الدعوة الشيعية، فحتى الآن يمكن وصف هؤلاء بأنهم من عديمي الوزن من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، باستثناء بعض الرموز القليلة؛ أمثال محمد دار الحكمة في غينيا كناكري، ومحمد شريف الذي يُمسك اليوم بزمام القيادة للمتشيعين السنغاليين.
الأنشطة الإيرانية الداعمة لنشر الفكر الشيعي
حين ندرس مسار الخط البياني للزحف الشيعي بالمنطقة، نرى بوضوح أن هذا النشاط قد أخذ ينتقل إلى رؤية جديدة، وفي هذا الإطار ركز الإيرانيون في هذه المرحلة الجديدة على نشر التشيُّع في المنطقة على مجالات حيوية تتمثل في الآتي:
- المجال الثقافي؛ بإنشاء المراكز الثقافية الإيرانية التي يكاد دورها ينحصر في اصطياد الشباب المثقف مع استغلال المسائل التي تثير العاطفة مثل قضية فلسطين.
- إنشاء كراسٍ للدراسات الإيرانية في عدد من الجامعات؛ كما هي الحال في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة "شيخ أنت جوب"، من خلال التركيز على اللغة الفارسية وحضارتها لاتخاذهما مدخلاً لتمرير التشيُّع، يشرف على الكلية المستشار الثقافي في السفارة الإيرانية.
- كما ركزوا في الآونة الأخيرة على شراء حلقات في وسائل الإعلام المختلفة من إذاعة وتلفاز، فضلاً عن تقديم الدعم لبعض مقدمي البرامج ليستضيفوهم قبل الانتقال إلى إنشاء إذاعات خاصة.
- وفي الجانب الديني، يسعون إلى استثمار البعد الصوفي الذي يستغلونه لنسج علاقة مع القوى الدينية التقليدية إلى جانب محاولة ضرب الاتجاه الإصلاحي الذي يتهمونه لدى هذه القيادة بمعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم وآله، مستغلين في هذا الهفوات التي يقع فيها بعض الشباب المحسوب على هذا التيار فيما يتعلق بالاتجاه الصوفي.
- أما في الجانب السياسي الذي حاولوا أن يدخلوا إليه من باب الاقتصاد، وربط العلاقة مع بعض الشخصيات السياسية من الدرجة الثانية أو الثالثة، فلم يحققوا فيه نجاحاً كبيراً؛ وذلك لأسباب منها الضغط الغربي الذي يمارس على القرار السياسي بالمنطقة مثل السنغال التي رضخت للمرة الثانية، فاضطرت إلى قطع علاقاتها مع إيران بصورة حادة رغم استماتة الإيرانيين في الحفاظ على هذه العلاقة، وذلك بمناسبة ما يعرف بشحنة الأسلحة الإيرانية التي ضبطت في نيجيريا، وزعم في حينه بأنها كانت في طريقها إلى المتمردين في جنوبي السنغال عبر جمهورية جامبيا.
- وفي النطاق الاقتصادي، جرى التركيز على المجالات التالية:
1- الحضور المكثف لرجال الأعمال الإيرانيين في المنطقة من خلال المعارض العامة والخاصة، حيث سجلوا بعض النجاح.
2- توجيه الدعوة إلى بعض رجال الأعمال لزيارة إيران، وتبادل الوفود مع الغرف التجارية بين الجانبين.
3- الاهتمام بمجال الخدمات النفطية والزراعة، وقبل قطع العلاقات كانت مفاوضات تجري لجلب استثمارات ضخمة في مجال تكرير النفط على مستوى "مصفاة سار" في "أمباو"، لكنهم فشلوا في ذلك لحساب شركة "بن لادن" التي اشترت أسهما من الشركة تبلغ قيمتها 34%.
لكن أهم إنجاز إيراني يبقى متمثلاً في المصنع السنغالي الإيراني المشترك لتركيب الحافلات في مدينة تيس التي تبعد عن دكار 70 كم، وهي الشراكة التي مكنتهم من إنتاج عدد كبير من حافلات النقل الجماعي وسيارات الأجرة التي تعرف بالإيرانيات.