العنوان المحاكمة الشعبية للفاسدين والمزورين - بين التنفيس السياسي وفضح المخطئين من كبار القوم
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007
مشاهدات 70
نشر في العدد 1734
نشر في الصفحة 28
السبت 13-يناير-2007
- محاكمات شعبية لمزوري الانتخابات ومناهضي الحجاب ومنتهكي الأعراض ومسؤولي التعذيب.
- الوزراء يحرصون على إرسال مستشاريهم لحضور المحاكمات والرد على الاتهامات.
- «الزيات» ممثل الإدعاء : ثبت تأثيرها بدليل محاكمة شارون بعدنا في بلجيكا.
- المستشار الخضيري: لها أصل في الشريعة وهي أهم من المحاكمة القضائية لأنها حكم بـ «الإعدام المدني» وهدفها «التجريس».
- هيئة المحاكمة الشعبية تعد لسلسلة محاكمات تعتبرها مفاجآت من العيار الثقيل.
في مايو ۲۰۰٦م، نشرت صحف مصرية تصريحات لمحامين وقضاة يطالبون بمحاكمة وملاحقة مزوري بعض دوائر انتخابات برلمان ديسمبر ٢٠٠٥م، فيما عرف بـ القائمة السوداء للقضاة، إلا أن النائب العام المصري أحال المحامي جمال تاج الدين عضو مجلس نقابة المحامين وثلاثة صحفيين آخرين لمحكمة الجنايات على خلفية هذه التصريحات، فقررت نقابة المحامين ردا على محاكمة المحامين والصحفيين تشكيل لجنة لملاحقة كل من شارك في تزوير انتخابات برلمان 2005م وعقد محاكمة شعبية لهم.
ولأن فكرة المحاكمة الشعبية في مصر لرموز مصرية أو أخرى أجنبية (شارون ثم بوش وبلير)، قديمة وسبق تنفيذها عدة مرات بهدف إلقاء الضوء على قضايا يتم إجهاضها في التحقيقات الرسمية والتستر على كبار المسؤولين المتهمين فيها. فقد تزايدت المطالبات في الفترة الأخيرة بمحاكمات شعبية للعديد من المسؤولين عن تعذيب المعتقلين، أو الفاسدين، أو منتهكي الأعراض، أو المهينين للحجاب والمحجبات.
رمزية المحاكمات الشعبية
ففي ٢٤ مايو ٢٠٠٦م. قررت نقابة المحامين المصرية تنظيم محاكمة شعبية لمحاكمة من أطلقت عليهم المتهمين بهتك عرض مصر.. والذين نسب إليهم الاتهام بترتيب والقيام بالاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها صحفيات وناشطات أثناء تظاهرة للاعتراض على استفتاء تعديل المادة ٧٦ من الدستور والخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية في 25/5/2005 م، بعدما نسبت هذه الاعتداءات إلى كوادر في الحزب الوطني الحاكم وقيادات أمنية.
وجاءت الدعوة لهذه المحاكمة الشعبية التي تجريها لجنة الحريات بنقابة المحامين كرد أيضاً على صدور قرار من النائب العام بحفظ التحقيقات في هذه القضية والذي آثار استهجاناً من القوى السياسية في مصر.
وقد أخذت هذه المحاكمة الشعبية شكل المحاكمة الرسمية من خلال هيئة للمحاكمة وهيئة للدفاع عن المتهمين، وكذلك المجني عليهن من الصحفيات والناشطات اللاتي تعرضن للاعتداءات، ورأس المحاكمة الدكتور صلاح صادق أستاذ القانون الدستوري والصحفي محمد عبد القدوس رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيينود هاني عنان القيادي في حركة كفاية.
وقال منتصر الزيات، رئيس لجنة الحريات الذي تولى تمثيل الادعاء مع الصحفي عبد الحليم قنديل: على الرغم من أن المحاكمة شعبية لا تؤدي إلى تنفيذ العقوبة المادية على المتهمين في حالة إدانتهم، إلا أننا سوف نقيم دعاوى قضائية أمام محاكم القضاء الإداري تطالب فيها بعزل المتورطين من وظائفهم، ومنعهم من ممارسة أي أنشطة سياسية بعد أن تسببوا في تلويث سمعة مصر داخلياً وخارجياً، وتسببوا في آلام نفسية وجسدية للمعتدى عليهن.
مواجهة ظاهرة التعذيب في السجون
وفي ١٣ يونيو ٢٠٠٦م. وتحت شعار معاً من أجل محاكمة شعبية لزبانية التعذيب في سجون جوانتانامو، وأبو غريب المصرية عقدت أولى جلسات الاستماع لمعتقلي الرأي من الصحفيين ممن جرى احتجازهم قسراً على خلفية التضامن مع القضاة وأثناء تأدية واجبهم المهني في تغطية محاكمة المستشارين محمود مكي وهشام البسطويسي.
ووجه المستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض رسالة إلى جلسة الاستماع الأولى، أكد خلالها أن اقتراحه بعقد هذه الجلسات لمساندة المعتقلين المجني عليهم وممن تعرضوا للانتهاكات أثناء اعتقالهم، خاصة ممن واجهوا معاملة بالغة القسوة مثل التحرشات الجنسية التي تعزلهم عن المجتمع قائلاً: نريد أن يتخلصوا من وطأة التجربة ونتيح فرصة تعامل هؤلاء المعتقلين مجدداً مع المجتمع بإيجابية مما يخلصهم من الشعور بالعار والانكسار.
فضح الفساد الحكومي
وفي ١٣ سبتمبر ٢٠٠٦م، وفي ظلتضارب التصريحات الحكومية حول معدل النمو الاقتصادي في مصر، قرر عدد من المثقفين وأعضاء مجلس الشعب تنظيم محاكمة شعبية لحكومة الدكتور أحمد نظيف. رئيس مجلس الوزراء، على الأداء السيئ لحكومته، وما ألحقته من أضرار بالغة بالمواطنين من جراء سياستها الفاشلة التي تسببت في زيادة الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات التعليمية والصحية، واتساع رقعة انتهاكات الأجهزة الأمنية بحق المواطنين.
وصرح د جمال زهران، زعيم كتلة المستقلين في مجلس الشعب، بأن المحاكمات الشعبية للحكومة التي ستتوالى لن تستثني وزارة من الوزارات لاسيما تلك التي أخفقت بشكل كبير في تقديم أداء جيد يرضى عنه المواطنون.
أيضاً سبق للمنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير المعروفة باسم كفاية جورج إسحاق المطالبة بمحاكمة شعبية للمتورطين في قضايا انتهاك حقوق المطالبين بالإصلاح مشيراً إلى أن الحركة بصدد جمع شهادات المفرج عنهم من المعتقلين لتوثيقها وتجميعها في وثيقة من ٤٠٠ صفحة تحوي قضايا الفساد التي ارتكبها الحزب الوطني الحاكم ومسؤولوه خلال السنوات الماضية تمهيدا لإعلانها في مؤتمر صحفي عالمي وتقديمها للقضاء.
إساءة وزير الثقافة للحجاب
وكانت آخر هذه المحاكمات المهمة في ديسمبر ٢٠٠٦م هي محاكمة وزير الثقافة المصري فاروق حسني بشأن تصريحاته حول الحجاب رغم قيام مجلس الشعب المصري بإغلاق هذا الملف. حيث ناقشت المحكمة تصريحات الوزير حول الحجاب، وحدود حرية الرأي والفكر بين المنظور الشخصي والسياسي لشخصية بمستوى وزير الثقافة.
وبالتزامن جرت محاكمة أخرى لوزير النقل المصري محمد منصور بتهمة الإهمال في وسائل النقل التي أدت إلى حادث غرق السفينة المصرية خلال رحلة من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري العام الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من ۱۳۰۰ قتيل. وتم توجيه اتهامات أخرى بالإهمال المتعمد لمسؤولي هيئة سكك حديد مصر، وهو الإهمال الذي أدى إلى وقوع الكثير من الحوادث التي أودت بحياة العديد من الضحايا.
الجرائم الدولية في فلسطين والعراق
أما أشهر المحاكمات المصرية القديمةلشخصيات دولية فكانت تلك التي جرت في يناير ٢٠٠٦م في نقابة المحامين المصريين بواسطة حشد من القانونيينوالسياسيين من مصر والدول العربية ومشاركة اتحاد المحامين العرب والعديد من الهيئات والمنظمات الدولية والعربية المحاكمة الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ورئيس الوزراء الصهيوني السابق شارون.
حيث أصدرت هيئة المحكمة قرارها بإدانة المجرمين الثلاثة على ما اقترفوه من جرائم بعدما تمت محاكمتهم شعبياً. وأدلى العديد من المواطنين العرب بشهادات ضد الثلاثة عن الجرائم التي ارتكبها هؤلاء المجرمون بالعراق وفلسطين وكان هذا بمثابة ملف تم تقديمه لهيئة المحكمة التي استمرت مداولاتها على مدى يومين.
«تجريس» مزوري الانتخابات
على الرغم من أن المستشار محمود الخضيري، رئيس نادي قضاة الإسكندرية سبق أن دعا خلال ندوة تحت عنوان استقلال القضاة وحرية الصحافة، نظمتها نقابة الصحفيين المصرية بالقاهرة 31/5/2006 م، إلى تدشين محاكمات شعبية علانية للمتورطين في تزوير الانتخابات التشريعية، وكذلك للمتهمين باعتقال وتعذيب المتضامنين مع قضاة الإصلاح.. إلا أن هذه المحاكمة تأخرت ستة أشهر.
ويبدو أن آخر وأهم هذه المحاكمات الشعبية هي تلك التي بدأت يوم ٢٥ ديسمبر ٢٠٠٦م بمحاكمة شعبية لمزوري الانتخابات والمسؤولين عن التعذيب في السجون وأقسام الشرطة، ومعرقلي تنفيذ قرارات الإفراج عن المعتقلين.
إذ أكد المحامي منتصر الزيات لـ«المجتمع»: أنه تقرر الأخذ باقتراح جديد قدمه المستشار محمود الخضيري بتوسيع نطاق المحاكمة الشعبية التي بدأتها اللجنة يوم ١٤ من ديسمبر ٢٠٠٦م لوزيري الثقافة والنقل والتي ضمت قضية مزوري الانتخابات في جلسة ٢٥ ديسمبر.
فيما قال المستشار الخضيري «المجتمع»: إن رسالته لنقابة المحامين حثت على محاكمة المزورين باعتبار أنهم أناس أشد خطرا على المجتمع من المجرمين، موضحاً أن مرجعيتنا الوحيدة بعد أن أغلقت في وجوهنا جميع الأبواب هي تدشين محاكمة شعبية علنية لتخرج بقرارات وأحكام ضد من أساؤوا إلى مصر وإلينا نحن قضاة وصحفيين، وضد من ارتكبوا جرائم ضد المعتقلين المتضامنين مع القضاة..
وشدد الخضيري على أن فكرة المحاكمة الشعبية هي الحل لتقاعس الأجهزة الرسمية عن اتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يتحصن بموقعه الحكومي ضد المحاكمة الرسمية.. مشيراً إلى أن أحكامها تؤدي لـ«احتقار وازدراء ومقاطعة كل المسيئين».
مسؤولون يحضرون المحاكمات:
ويؤكد المحامي الزيات أنه على الرغم من أن بعض هذه المحاكمات الشعبية صعبة لأنها تقوم غالباً ضد مسؤولين، أو وزراءلهم حصانة، فهي أثبتت فاعلية وتأثيراً مهماً، وأحدثت ضغوطاً على المخطئين.
بدليل أن أول محاكمة شعبية أقامتها نقابةالمحامين المصريين لمحاكمة شارون عام٢٠٠١ م عن مذابح صابرا وشاتيلا.
وشارك هو في إدارتها- لقيت اهتماماًدولياً، وأحدثت تأثيراً كبيراً، وخاطبت الرأي العام العالمي، وما دعا محامين دوليين لتلقف الفكرة وتحريك بلاغات قضائية ضد شارون في دولهم كما حدث في بلجيكا ودول أخرى.
وأضاف أنه في محاكمة وزيري الثقافة والنقل الأخيرة حضر ثلاثة مستشارين عن الأول للرد على التهم الموجهة إليه، كما اتصل به زعيم الأغلبية بالبرلمان د. عبد الأحد جمال الدين ليخطره بحضوره المحاكمات، وكذلك تردد قبل المحاكمة أن وزير الثقافة أبدى رغبة في الحضور للدفاع عن نفسه، وكل هذا يؤكد الأثر الكبير لهذه المحاكمات، وأنها ليست بلا جدوى كما يقال.
وكشف الزيات، أن هيئة المحاكمة الشعبية تعد لسلسلة محاكمات شعبية أخرى، ووعد بـ«مفاجآت»، مقبلة في مجال المحاكمات الشعبية رفض الكشف عنها بعدما أثبتت أهميتها.
المحاكمات الشعبية أصلها إسلامي!
يؤكد المستشار الخضيري صاحباقتراح محاكمة مزوري الانتخابات لـ«المجتمع»: أن أصل هذه المحاكمات الشعبية. التي تستهدف التأثير والتجريس وفضح المخطئين من كبار القوم المتمتعين بالحصانة - يرجع إلى الشريعة الإسلامية. ويؤكد الخضيري أن حكم المحكمة الشعبية أقوى من ناحية التأثير من المحاكمة القضائية لأنه يحول الإنسان لشخص منبوذ محتقر من المجتمع وخارج عن تقاليده ويقوم بـ«تجريسه» على غرار ما كان يجري في عهود سابقة بدهان وجه الشخص المجرس باللون الأسود ما يظهره بمظهر سيئ أمام زملائه، وأبنائه وأهله، وعشيرته، فيصير منبوذاً ويقاطعهالجميع، ويتمنى أن يحاكم فعلياً لأن الناس ستشير إليه وتقول مزور، أو مرتش، وما شابه.
فحكم المحكمة الشعبية هنا. كما يقول المستشار الخضيري أشبه ب«الإعدام» المدني والمحكوم عليه من أصحاب النفوذ أو السلطة يشعر بتأثير أكبر لهذه المحاكمة عليه، مما لو حوكم فعلياً أمام القضاء، وبالتالي فهي ذات تأثير عظيم وفاعليةكبيرة!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل