; الإرهابيون الشرفاء يحاكمون المسلمين! | مجلة المجتمع

العنوان الإرهابيون الشرفاء يحاكمون المسلمين!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

مشاهدات 77

نشر في العدد 1322

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 20-أكتوبر-1998

ابتُلي الناس في هذا العصر بالكثير من الرزايا والعديد من النكبات، منها تبدل المعايير وتغير المقاييس، فقد يصبح الشريف متهمًا، لأنه نظيف، وقد يمسي الطاهر مدانًا، لأنه عفيف فتكون الطهارة والعفة حيثيات الإدانة وأدلة الإجرام، التي قد يعاقب عليها الإنسان بالمطاردة، أو السجن أو القتل، وقد ينقلب المجرم شريفًا نقيًا، والقاتل ورعًا أمينًا تقيًا، إذا قال سمع الناس لقوله، وإذا قضى خضع البشر لحكمه.

وهذه البلايا، والرزايا قد عمت الدول الفقيرة والغنية والعظيمة والحقيرة على حد سواء فأنور إبراهيم في ماليزيا، أصبح في يوم وليلة مجرمًا ومتهمًا بالشذوذ، وبخمسين تهمة لم يسعها إلا مجلد مطبوع يوزع يمينًا وشمالًا، ثم لأنه مجرم سحب من بيته سحبًا وأودع السجن وضرب على أم رأسه وأهين وعومل – كما يقول هو – معاملة الكلب، بعد أن كان في أعلى المناصب، ونائبًا لرئيس الدولة والحزب الحاكم، ووزيرًا للمالية ورائدًا للإصلاح، لأنه اعترض على الفساد، وعلى نهب المال العام وعلى الوقوف في وجه سفح أموال الأمة وأكل عرق الفقراء والمعوزين، فكان نصيبه ما أصابه من محن وانتظاره للمجهول الذي لا يعلم مداه إلا الله، كما نال الشرفاء الذين أيدوه المصير نفسه جزاء على حبهم المجنون للشرف والإخلاص والفضيلة، وكان أنور إبراهيم ورفاقه لم يستوعبوا الدروس والعبر من عالمنا العربي المصون، ومن سلطاتنا السنية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

هذا، وإذا جئنا إلى الدول العظمى، والقوى الكبرى التي تملأ الدنيا صراخًا وتباكيًا، على حقوق الإنسان، وعلى الحريات، والسلوكيات الحضارية التي يجب أن يقتدي الناس بها، ويأخذوا عنها، مع أنهم لصوص كبار، وإرهابيون عظام، وقتلة كرام تتبدى لنا كل يوم فضائحهم، وتبرز للعيان جرائمهم حيث أظهرت الوثائق المكتشفة في جنوب إفريقيا هذه الأيام، ما لا يصدقه العقل أو يرويه الخيال، لتؤكد هذه الوثائق التي كشف عنها الأسقف «ديزموند توتو» قيام الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا. وإسرائيل وجنوب أفريقيا، في عهد العنصرية البائد بالإرهاب الدولي ضد الأشخاص الذين أهدافهم الدولية، التي تعارض مصالحهم، جاء هذا الاكتشاف لتلك الوثائق بواسطة لجنة البحث عن الحقائق، التي شكلها رئيس جنوب إفريقيا نلسون مانديلا، وكلفها بالبحث عن الجرائم التي ارتكبت في بلاده أو التي ساهمت فيها بلاده، عندما كانت تحت مظلة التفرقة العنصرية.

 وقد أثبتت الوثائق التي توصل إليها الأسقف «ديزموند توتو» تورط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والمخابرات البريطانية، والموساد الإسرائيلي، واستخبارات حكومة البيض العنصرية في جنوب إفريقيا في اغتيال «داج همرشولد» وخمسة عشر شخصًا من معاونيه بتفجير طائرته ليلة ١٧ من سبتمبر ١٩٦١م، عند لحظة ملامسة عجلاتها المفخخة أرض المطار في زامبيا، التي كانت تسمى في ذلك الوقت باسم روديسيا الشمالية، فقد تلاقت مصالح الدول الأربع على ضرورة التخلص من سكرتير عام الأمم المتحدة داج همرشولد، لأنه كان حجر عثرة، يحول دون الوصول إلى أهدافها فقد رغبت أمريكا في فرض نفوذها على الأمم المتحدة، فاصطدمت بوجوده في موقعه الوظيفي الدولي الذي يحاول فيه إثبات العدالة، فتعذر على واشنطن تحويل المنظمة الدولية إلى إدارة أمريكية أما دوافع بريطانيا فكانت ترمي إلى السيطرة على إقليم كاتنجا المنشق على الكنغو، لاستغلال نحاسه، والمتاجرة في ماسه، وقد تعثر ذلك كله، بسبب قيام داج همرشولد بمساعي المصالحة بين الإقليم المنشق، والدولة الأم لذلك الإقليم.

هذا وقد وقف أمين عام الأمم المتحدة . داج همرشولد - ضد عنصرية اليهود، وسيطرتها على فلسطين وقهر أهلها، وضد عنصرية البيض في جنوب إفريقيا، وسيطرتها البغيضة بالحديد والنار على أهلها، فالتقت الرغبات الأربع المجنونة بليل، وكونت عصابة رباعية الأطراف وقررت اغتيال داج همرشولد ونفذت القرار بإتقان شديد جعلت من حادث اغتياله متاهة تدور في حلقة مفرغة ينتهي طرفاها عند المجهول، ليقيد «قضاء وقدرًا»، ولكن بعد مرور سبعة وثلاثين عامًا على حادث الاغتيال، فضحت الوثائق التي قدمها الأسقف «دیموند توتو» للرئيس «نلسون مانديلا» الدول الأربع في التخطيط والتنفيذ للجريمة الكاملة، والتي حجبت عن العدالة الدولية لهذه السنوات الطويلة.

وبعد كشف هذه الوثائق سارعت وزارة الخارجية البريطانية والأطراف المعنية بتنفيذ الجريمة بالتكذيب والتنصل من الجريمة كالعادة عند تورط هذه الدول، ولكن الأسقف «ديزموند» أيد تلك الوثائق بأخرى توصل إليها، وهي رسائل متبادلة بين جهات الجريمة عن خطوات التدبير القذرة، ثم أعلن الأسقف مرة أخرى أن لديه مزيدًا من الوثائق تحت يده تبين دور كل جهاز في التخطيط للاغتيال بالتواريخ والأسماء. والمناصب والتوقيعات، والأختام للجهات الرسمية التي أصدرتها، وأعلن الأسقف استعداده لتقديم هذه الوثائق للحكومة السويدية التي ينتمي إليها. داج همر شولد ولأفراد عائلته، هذا ولهذه الدول تاريخ عريق في اغتيال الخصوم، وكان أبرز دليل على ذلك صدور كتاب «صائد الجواسيس» الذي يتحدث مؤلفه، وهو أحد أعضاء المخابرات البريطانية السابقين عن العديد من التصفيات الجسدية اللعينة للخصوم السياسيين بواسطة المخابرات البريطانية، وقد حاولت رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر أن تمنع صدور الكتاب فعجزت فحاولت منع انتشاره، فعجزت، وتمت الفصيحة.

وأما عن إسرائيل، فلها تاريخ مفجع وعريق في قتل الخصوم والمسؤولين في الأمم المتحدة، فقد قامت المخابرات الإسرائيلية في أيلول عام ١٩٤٨م باغتيال وسيط الأمم المتحدة السويدي الجنسية «الكونت بیر نادوت»، بسبب طرحه خطة سلام قضت بتدويل القدس، رغم معارضة إسرائيل.

وأما عن أمريكا، فهي رغم ولوغها في كثير من التصفيات الفردية، فهي كذلك تهوى تصفيات الشعوب من أول الهنود الحمر إلى هيروشيما ونجازاكي إلى الكونغو، إلى السودان، وجنوبه إلى الضرب بالصواريخ والبوارج هنا وهناك إلى المحاصرات للشعوب.

وبعد أيها القارئ الكريم أتدري من يحاكم المسلمين بالإرهاب اليوم، ومن يصف المسلمين به بغير جريرة اللهم إلا ردود أفعال أفراد قلائل تضخم وتجوف ويوصم بها الإسلام والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، هؤلاء هم الإرهابيون والقتلة الشرفاء والأنقياء والأتقياء، فهل بعد هذه الوثائق الدامغة يصدق المسلمون الدجل الإعلامي والكذب السياسي، ويظلون في تخبطهم يعمهون نسأل الله السلامة.

الرابط المختصر :