; آفاق في الثورات العربية الجديدة.. رؤية نهضة مصر «أم الدنيا » بناء رؤية أمنية جديدة لمصر محددات الرؤية الأمنية (3) | مجلة المجتمع

العنوان آفاق في الثورات العربية الجديدة.. رؤية نهضة مصر «أم الدنيا » بناء رؤية أمنية جديدة لمصر محددات الرؤية الأمنية (3)

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2011

مشاهدات 68

نشر في العدد 1966

نشر في الصفحة 8

السبت 20-أغسطس-2011

ناقشنا في العدد الماضي محددات الرؤية الأمنية وتحدثنا عن ثلاثة محددات تتمثل فيما يلي:

أولا : تحليل واقع المجتمع المصري وربط العلاقات والعناصر الرئيسة فيه.

ثانياً : ضبط اتجاهات الحراك الحالي في المجتمع المصري.

ثالثا : احتواء نتائج الإستراتيجية الأمنية الداخلية للعقود الماضية.

وإذ نتابع تأسيس محددات هذه الرؤية، فإليك - عزيزي القارئ - استكمالاً لها :

رابعا : بين السلطة المدنية والأمنية:

من محددات الرؤية الأمنية هو تحليل مسار السلطة المدنية والسلطة الأمنية منذ ثورة يوليو ١٩٥٢م وإلى الآن، حيث تراجعت السلطة المدنية الصالح السلطة الأمنية «الجيش والقوى الأمنية»، إن فك التشابك بين ما هو اختصاص مدني وأمني، يحتاج إلى تحليل عميق ورؤية عملية، إذ تجذر في صلب الحياة المدنية وحشية الروح الأمنية وعلى رأسها التمكن الأمني لقيادات الجيش التقليدية، بل إن جزءا من مكونات الاقتصاد المصري منذ الثورة إلى اليوم قد أصبح حقا مكتسبا ومشروعا للقيادات الأمنية بما يعزز عدم التوازن في السلطة بين الكيان المدني للدولة والكيان الأمني. 

ومن ثم فإن إعادة السلطة للجسم المدني للدولة هو أحد المحددات الرئيسة للرؤية الأمنية، عن طريق التعرف وتحليل المعلومات التي تحدد مؤشرات التمكن الأمني في الحياة المدنية لإعادة ترتيبها وتسكين الحالة الأمنية لوضعها الطبيعي في المجتمع، بحيث لا تتغول على السلطة المدنية مع الاحتفاظ بالمكانة التاريخية والوطنية، وحتى المادية للجيش والقوى الأمنية بما يعزز مكانتها وكرامتها ورفاهية عيشها دون خوضها في الحياة السياسية المليئة بالصراعات والمصالح وحتى لا يتسلل الفساد إليها.

خامسا : السلامة الوطنية:

إن من أهم محددات الرؤية الأمنية هي مدى متانة السلامة الوطنية، وهي حالة الوفاق الاجتماعي بين مكونات المجتمع الديني والسياسي والاجتماعي»، حيث برزت مجموعة تحديات ومهددات للمجتمع المصري في العقود الأخيرة، تهدد سلامته الوطنية، فعلى المستوى الديني هناك أزمة تفاهم بين أطراف متطرفة بين المسلمين وأخرى من المسيحيين انعكست على حالة التفاهم الوطني، وهو تخوف له ما يبرره عند جميع الأطراف، وأحداث كنيسة القديسين خير شاهد على ذلك. ومن جانب آخر، فإن الحياة السياسية يشوبها قلق واتهامات ومحاولات إقصاء بين أطراف في التيار الديني والتيار الليبرالي والتيارات والأحزاب السياسية فيما بينها، بما يذكي الخلاف والخصام ويفتت وحدة المجتمع، ولعل الجدل الدائر اليوم بعد الاستفتاء الأخير حول الإعلان الدستوري ونتائجه، ومحاولة مجاميع ليبرالية وسياسية الخروج بما يسمى «إعلان المبادئ فوق الدستورية» يهدد وحدة الثورة والمجتمع المصري بإضعاف الحالة والحياة السياسية.

إذا أضفنا إلى أن الطبيعة الاجتماعية في المجتمع المصري تم تسييسها بشكل واضح في العقود الأخيرة، وإذ نمت طبقة مالية غنية صغيرة على حساب الطبقات المتوسطة والمحدودة الدخل بما أوجد صراعا اجتماعيا آثاره مستمرة إلى اليوم ومن ثم فإن الرؤية الأمنية للمجتمع المصري في نهضته الجديدة لا بد وأن تقوم على أساس متانة السلامة الوطنية. فهي محدد رئيس للرؤية الأمنية يجب بذل الجهود فيها ، ووضع الاتجاهات اللازمة لاحتوائها لخلق سلامة وطنية آمنة.

سادسا : الموارد والأمن الغذائي:

تشكل الموارد لأي بلد مصدراً مهماً لصناعة الأمن الغذائي والمعيشي للسكان فيه، وفي مصر اليوم ما يقدر بـ ٨٥ مليون نسمة، وعملية استيفاء الاحتياجات الرئيسة والأساسية للغذاء، واستقرار الحالة المعيشية، تمثل درجة عالية من التعقيد في ظل نقص الموارد اللازمة والسياسات الخاطئة في تنمية تلك الموارد أو استغلالها. فالسياسات الزراعية منذ قانون الإصلاح الزراعي إلى اليوم قد أهلكت مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للإنتاج الزراعي.

لقد أدت الأزمة العالمية في نقصان الإمدادات الغذائية في منتصف ٢٠٠٦م إلى أزمة في كثير من الدول المستوردة للمواد الغذائية الأساسية، وتعتبر مصر من أكثر الدول العالمية اعتمادا على الاستيراد لسد الاحتياجات الأساسية للمواد الغذائية، حيث تستورد مصر ما يقارب ٨٠% من احتياجاتها المحلية، وهي من أكبر الدول المستوردة للقمح، وكان حجم الاكتفاء الذاتي في عام ۲۰۰۹م من القمح فقط كاد أن يسد ٥٠% من الاحتياجات الداخلية، أما الزيوت، فالإنتاج المحلي فقط غطى ١٠ من حجم الاستهلاك، وأما السكر، في حين يستهلك المواطن المصري ٣٠ كيلوجراما ويرفع الاستهلاك إلى ۲۰۷ ملايين طن سنويا ؛ فإن حجم الإنتاج المحلي للسكر يكاد يغطي ۱٫۷ مليون طن فقط، واللحوم يتم استيراد ٣٠ ألف طن سنويا منها

ويصل الاستهلاك السنوي مليون طن. لذا، فإن أزمة الغذاء في مصر ستظل هاجسا رئيسا لأي نظام سياسي قادم ويشكل الأمن الغذائي محددا مهما في الرؤية الأمنية، إذ إن استقرار أي مجتمع وأي نظام سياسي مرتبط بأمنه الغذائي وأن انقطاع إمدادات الأمن الغذائي سيعطيها خطراً حيويا على الأمن المجتمعي بشكل عام، وهذا ما يعزز أهمية وضع معادلة الأمن مقابل الغذاء، فالمال لا يكفي وحده لتوفير الأمن الغذائي مادام جسر الإمدادات الغذائية متواصلا من الخارج، ولم يتم الارتقاء بالتنمية الذاتية الزراعية، كما أن تنويع مصادر الدخل سيؤمن الأموال اللازمة للاستثمار وللتنمية الزراعية بما يوفر أمناً غذائياً.

ويتوافر في مصر العناصر الرئيسة لبدء إيجاد إستراتيجية أمن غذائي للمستقبل، حيث تتوافر الأراضي الشاسعة والمياه الكافية والقوى البشرية، وتبقى التكنولوجيا والمال اللازم، فإن التشريعات والفرص المناسبة، والتحسينات القانونية، ستوفر تلك العناصر إذا ما تم وضعها في إطار إستراتيجية واضحة المعالم، لذا فإن الرؤية الأمنية المستقبلية من أحد أهم محدداتها هو تمكن الموارد والإنسان والتشريعات من توفير اكتفاء ذاتي للغذاء الذي يشكل عمودا رئيسا لاستقرار المجتمع المصري.

سابعا : مهددات الأمن القومي:

تشكل التهديدات الخارجية في إطارها الحدودي والإقليمي والدولي تحديا لحالة الاستقرار الأمني الداخلي بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ إن موقع مصر الإستراتيجي الجغرافي وحجمها البشري ومواردها المائية والطبيعية تضعها في بؤرة الاهتمام الدولي والإقليمي.

فمصر منذ تاريخها القديم تعرضت المحاولات السيطرة والهيمنة والاحتلال ولسنا بصدد تتبع التاريخ في هذا الجانب لكن منذ القرن التاسع عشر وضعت حكومة محمد علي باشا خطة طوارئ للتدخل العسكري ضد أي دولة يمكن أن تشكل خطرا، وتلى ذلك عهود من الاستعمار والمهددات، ومنذ عهد ليس ببعيد شكلت إسرائيل» مهددا للأمن القومي المصري واشتبكت في حروب كان آخرها حرب رمضان المباركة عام ۱۹۷۳م، لكن اتفاقية كامب ديفيد ، أدت إلى إعادة سيناء للوطن المصري، لكنها كانت اختراقا أمنيا باهظ التكاليف.

ومن جهة أخرى، فإن من أهم المهددات هو ما تنذر به بعض التقارير الإستراتيجية من احتمال نشوب حرب المياه الأولى العالمية بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا وبعض حلفائها من جهة أخرى. إذ إنه منذ عام ۱۹۷۹م أعلنت إثيوبيا عن نواياها لإقامة سد لري 90 ألف هيكتار في حوض النيل الأزرق، وكان في حينه الرد الصارم للرئيس السادات حازما ومهدداً، حيث وضعت خطة طوارئ مهددة لتدمير هذا السد، وشكلت لهذا الغرض فرقة السيل» المصرية، والتي تعتبر أفضل القوى الضاربة في القوات الخاصة، وإذا لم نستثن التهديد النووي «الإسرائيلي»، فإن البرنامج النووي الإيراني وسلاحه الصاروخي والإستراتيجي في ظل استقطاب المحاور قد يشكل مهددا على الأمن القومي المصري والعربي.

إن محاولة إيجاد التوازن التسليحي بين مصر وقوى الإقليم والقوى التي تشكل تهديدا للأمن القومي العربي، معادلة مهمة يجب دراستها بعناية. ومن الواضح تاريخيا وقوميا أن مصر تشكل للأمة العربية ملاذاً وسنداً في كل الحروب القومية العربية، أو التضامن واتفاقيات الدفاع المشترك. وهذا يعني أن جملة من الالتزامات الأمنية والتسليحية ينبغي على مصر أن تضعها في إستراتيجيتها الأمنية. كما إن الالتزامات الإقليمية والدولية في إقرار السلم العالمي، تشكل مصر دورا مهما وحيويا فيه، وهو أيضا انعكاس طبيعي سيجد أثره على الأمن القومي المصري. إن دراسة تلك المدخلات الحيوية والمهمة في معادلة الأمن القومي المصري سيحرر مخرجات ذات التزامات وطنية وسياسية وعسكرية ومالية، وهو ما يجب أن ترسمه الرؤية الأمنية لمصر، وستكون محدداً رئيساً لا يمكن تجاوزه.

ثامنا : استقرار الهوية وثباتها :

شكلت مناعة المجتمع المصري واستقرار هويته الإسلامية والعربية من الاختراق الفكري والعولمي أساسا لوحدته وصموده أمام عواصف المتغيرات الأيديولوجية والعولمية في تاريخه لقد شكلت هذه الهوية الإسلامية والعربية ملاذا آمنا ضد عواصف الفتن الاجتماعية والسياسية والإعلامية ومنذ عقود حدثت تغيرات أيديولوجية وقيمية، فيما سمي بالموجة المدنية الثالثة، وخلقت لها قيما فيها ما هو جيد وصحي، وآخر فاسد وسقيم، ونتيجة لهذا الضغط ومحاولات التغيير العولمية فإنه نتج صراع بين تطرفين، أحدهما يستقطب المجتمع إلى الرؤية الغربية للحياة، وآخر للتطرف والغلو الديني والاجتماعي، وتبقى مصر بهويتها دائما وسطية ومستقرة على هويتها الإسلامية العربية، تحترم الأعراف والأديان والمذاهب وتستوعبها. إن الرؤية الأمنية تقتضي تحليل مسارات المجتمع وتياراته المذهبية والزامها بما هو مستقر في تاريخ وواقع المجتمع المصري من هويته الخاصة به وهو محدد مهم لاستقرار أمن المجتمع المصري على ذاته وهويته ..

الرابط المختصر :