العنوان المجتمع الثقافي (1665)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1665
نشر في الصفحة 50
السبت 20-أغسطس-2005
إعداد مبارك عبد الله
عندما كنت رجلًا!
فرج محمد
منذ عام، أو أعوام منذ عقد، أو عقود منذ قرن، أو قرون ربما قرن، وربما عشرة وربما «أربعة عشر» لا أدري على وجه التحديد؛ كل ما أذكره أنني في ذلك الزمان السحيق الذي لم أعد أذكر عدد سنيه كنت رجلًا!
وعندما أقول: إنني كنت رجلا، فإنني أعني الكلمة بكل ما حملته وتحمله من ظلال ومعان، مجردة من كل ما لحق بي في أيامي الأخيرة من خزي وعار، وذل وهوان وجبن وضعف، أشياء ليس لها عندي وصف.
كنت في ذلك الزمن البعيد رجلًا، وأي رجل، جسورًا، وأية جسارة، أسدًا، وأي أسد، كنت في ذلك الزمن البعيد القريب، تخافني الأسد في غاباتها، ما إن يراني واحد منها حتى يفر مذعورًا ويصيح انجوا بأنفسكم، يا أيها الأسد ادخلوا جحوركم، وإلا دهستكم أقدام هذا الرجل الضاري، هذا الرجل الذي لا نعرف له كنهًا، فلا هو آدمي عادي فنعرف كيف نحتال له أو عليه، ولا هو حيوان من حيوانات الغابة فنفترسه بأنيابنا الحادة، ولا حتى هو أسد مثلنا فنهشه، أو نقبل يده.
نقبل يده.
سمعت هذه العبارة بأذني هاتين، بحواسي جميعها، كثيرًا ما سمعت العبارة نقبل يده.
ولم يبق معي يلازمني في حياتي التي أحياها الآن، إن جاز التعبير فأنا لا أدري إن كنت فعلًا حيًا أم ميتًا، إن كنت أحس أم فقدت نعمة الإحساس مثل أشياء كثيرة ضاعت مني في الزحام، أشياء لا أدري على وجه التحديد إن كانت ضاعت مني عفوًا أم هي سلبت مني، أم أنني ألقيت بها مع أشياء أخرى بئر النسيان، تلك البئر التي عادة ما نلقي فيها تلك الأشياء التي تثقل كواهلنا عندما نكون رجالًا، هي ذات البئر التي ألقيت فيها رجولتي وماذا صرت؟ لا أدري!
وتعود تطن في أذني تلك العبارة التي لن أنساها من فرط ما ألفتها وفعلتها وعشقتها:
نقبل يده.
نعم، فلقد صرت أقبل كل يد، كثيرة هي الأيدي التي قبلتها أيد نظيفة، أيد قذرة، أيد منتنة، أيد معروفة، أيد خشنة، أيد ناعمة، كلها أيد، قبلتها وسأظل أقبلها، ولن أسأم تقبيلها ما حييت، فأنا لم أعد ذلك الرجل الذي كانت تخافه الأسد وتفر هاربة منه لتنجو بحياتها.
لم أعد أنا هو، أو ربما لم يعد هو أنا، الأمر سيان، المهم أنني لم أعد أسمع هذه العبارة من الأسد التي تخافني: «نقبل يده» بل صرت أنا الذي أقولها وأحسها وأفعلها.
أسد الأمس خنقتها الذئاب
حتى أسد الأمس لم تعد أسدًا ربما اختفت ربما ضاعت في الزحام، ربما ماتت ربما خنقتها الذئاب أو ربما أسد الأمس نفسها طرحت جلدها ولبست بدلًا منها جلود الذئاب، أو الثعالب، أو حتى الكلاب، فالأمور كلها سيان، عندما أفقد أنا رجولتي تغم وأن تفقد الأسد أسديتها، عندما أفقد أنا رجولتي لا بد أن أتوقف، وأتساءل: لماذا فقدت أنا رجولتي؟
وتظل العبارة تتردد في أذني تصيبهما بالصمم نقبل يده وتكرر وتكرر، صرت أكره العبارة صرت أمقتها، لن أقبل يدًا بعد اليوم، لن أقبل يدًا بعد اليوم، لن أقبل يدًا بعد اليوم.
وما أن أنتهي من ترديد العبارة مع نفسي في أعماق أعماقي مخافة أن يسمعني أحد أهذي بها حتى أجد يدًا، ليست باليد، ربما هي خف جمل، ربما هي قدم فيل، ربما حافر حصان يتسابق بسرعة خمسين ميلًا، ربما هي قذيفة من مدفع، لا أدري، كل ما أتذكره بعد أن أفيق أنني صفعت مثلما لم يصفع أحد، ضربت مثلما لم يضرب أحد أهنت مثلما لم يهن أحد، لماذا؟ تسألني؟ لا أدري هل تدري؟ أعتقد أنني أدري، فأنا لم أعد رجلا.
عندما كنت رجلًا كنت أرى الأسد تولي هاربة تختفي في جحورها مثلي اليوم، مثل فأر تطارده قطة هزيلة، أبحث عن أقرب جحر أخبئ نفسي فيه، أغوص في الرمال، في الوحل، أخبى ذلي، أدفن عاري، أدفن نفسي أختفي حتى لا يكاد يبين مني أي شيء فالملامح اختفت الصفات ضاعت ضاع مني كل شيء، ضعت أنا، فقدت نفسي، وسوف أنشر إعلانًا في كل وسائل الإعلام أرصد فيه مكافأة، ولكني لا أملك شيئًا حتى أرصده كمكافأة، أرصد فيه نفسي كمكافأة، ولكني لا أملك نفسي، فهي ملكهم، إذن ماذا أرصد كمكافأة؟ لن أرصد شيئًا، سوف أوقف نشر الإعلان، أي إعلان؟ إعلان البحث عن ذاتي؟ وما هي ذاتي؟ أنا مخلوق هلامي، أنساق معهم عفواً أنساق وراءهم مثل الكلاب، أنا ابن قسورة صارت تجرني حبالهم مثل الكلاب ولكني أحيانًا أسير أمامهم! مثل الخراف أنا الأسد الهصور أساق مثل الخراف، أنا، أنا، أنا؟ من أنا؟
أنا لا أدري كل ما أذكره أنني منذ عام، أو أعوام منذ عقد أو عقود منذ قرن أو قرون ربما قرن، وربما عشرة، وربما أربعة عشر، لا أدري على وجه التحديد؛ كل ما أذكره أنني في ذلك الزمان السحيق الذي لم أعد أذكر عدد سنيه كنت رجلًا!
النقد والتعليق
يقول السينارست والناقد عماد مطاوع: يعد الفن وعاء جيدًا يمكن تضمينه العديد والعديد من الأفكار والآراء، وأيضًا المواقف.
وفي قصة عندما كنت رجلاً، للقاص فرج سيد محمد «۳۳ عامًا- مصر»، نجدنا أمام موقف يتخذه البطل من نفسه والعالم، فنحن أمام قصة سيكولوجية يقوم فيها البطل بجلد ذاته متذكرًا ما حدث له، وما كان في السابق.
يبدأ العمل برثاء البطل لنفسه مستخدمًا جملة دائرية، منذ عام أو أعوام، منذ عقد أو عقود، بغية توحد الجزء -البطل مع الكل- المجتمع، ثم يقوم القاص بعرض فانتازي الوضع البطل وكيف كانت تهابه الأسود، حتى إنها كانت تقول «يا أيها الأسد ادخلوا جحوركم وإلا دهستكم أقدام هذا الرجل».
في تناص مع النص القرآني المقدس، ثم التحول الذي حدث في حياة هذا الرجل لم يذكر القاص مبررًا منطقيًا لهذا التحول- والانحدار اللذين لفاه حتى صار يقبل كل يد يلقاها، وصار مبتذلًا مفرطًا في كرامته، ثم يقرر اتخاذ موقف ويقرر عدم التفريط ثانية ويردد بثقة «لن أقبل يدًا بعد اليوم، لن أقبل يداً بعد اليوم»، ثم تخور عزيمته ثانية ويعود إلى المداهنة وإلى إذلال نفسه.
استلاب الفرد
إن قصة عندما كنت رجلًا ترصد الاستلاب الذي يتعرض له الفرد، وكيف يفرط في كرامته ويتنازل، ثم تتوالى التنازلات حتى يصبح وجوده نفسه بلا مبرر، ويجد نفسه قد أصبح شيئًا باهتًا لا حياة فيه، ومهما كانت الأسباب التي تدعو إلى التنازل فإن الإنسان يفقد نفسه عند أول إرهاصة لذلك، فنجد أن البطل يشعر أنه فقد رجولته، وعندما يشعر الرجل أنه أصبح مجرداً من رجولته تميد الأرض من تحت قدميه.
إن الرجولة هنا فضفاضة، تتسع للعديد من الأشياء، فهي تعني الكرامة والعزة النخوة القدرة على الفعل، وعندما يجرد الإنسان من شعوره بكل هذه الأشياء نجده قد أصبح مسخًا يبعث على التقزز.
ولقد نجح القاص في رسم صورة بطل قصته، وراعى الأبعاد النفسية له، وهذه القصة السيكولوجية تؤكد قدرة كاتبها على الغوص داخل النفس البشرية واستنطاقها، كما تؤكد امتلاكه لناصية القص، لكن عليه أن يراعي التكثيف، وأن يتخلى عن ذلك الأسلوب المسرحي الذي ظهر بجلاء في مقاطع عديدة من القصة، لا سيما في نهايتها، وأيضًا على القاص تجنب اللجوء للجمل الزاعقة لغويًا، والتي عادة ما تفسد الجو القصصي.
سيد القمني و«مركسة» الإسلام
• زعم أن القرآن «نص تاريخي» يجب وضعه موضع المساءلة الإصلاحية النقدية!
- ..وحرف ما جاء في كتب ابن كثير
• الإسلام عند القمني مجرد «إفراز» أفرزته «القواعد الماضوية الجاهلية»!
منصور أبو شافعي
هذه نبذة مختصرة عن أفكار سيد القمني يعرضها الكاتب ليتعرف من لم يسمع به من قبل على حقيقته، ولينكشف الذين يدافعون عنه ويأسفون لتوبته على حقيقتهم.
سيد القمني باحث ماركسي في التراث، استطاع على مدى الخمسة عشر عامًا الماضية وبأربعة عشر كتابا أن يضع مشروعه الفكري في قلب الخطاب العلماني الذي سوقه باعتباره، فتحًا وكشفًا كبيرًا، واقتحامًا جريئًا وهذا لإنارة منطقة حرص من سبقوه على أن تظل معتمة.
وهو لا يتورع عن القول: إن القرآن «الإلهي» يجسد نصا تاريخيًا، لا بد من وضعه موضع مساءلة إصلاحية نقدية.
مشروع مادي
وللأهمية القصوى نبدأ بإثبات تعريف القمني لنفسه بقوله: «أنا مادي» ومن المهم كذلك إثبات حقيقة أن الفارق الجوهري الفلسفي بين الموقف المثالي والموقف «المادي» في «ألف- باء» ماركسية، يتلخص في أن:
الأول: يقول به أولية الله على المادة في الوجود، وبالتالي فهو يؤمن بوجود إله خالق للكون وللطبيعة وللإنسان، وبأن العلاقة بين الله «الخالق» والإنسان «المخلوق» يمكن أن تكون في شكل رسالة «وحي» ورسول «نبي- بشري».
وأما الثاني: فيقول ب«أولية المادة على الله في الوجود»؛ وبالتالي فهو حسب المادية الديالكتيكية لا يؤمن بوجود موضوعي حقيقي لله، ومن ثم -وهذا طبيعي- لا يذهب إلى إمكانية وجود علاقة «سواء في شكل دين أو وحي» بين إله «غير موجود عنده أصلًا» وبين إنسان هو الخالق الفعلي لله- وحسب المادية التاريخية في المادي لا بد أن يبحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للإنسان عن وجود وتطور فكرة الله والدين.
تفسير ماركسي
ولاعتقاد القمني «الماركسي- المادي» أن الإسلام مجرد «إفراز» أفرزته القواعد الماضوية «الجاهلية»- عمد إلى تفكيك المثلث الإسلامي، وإعادة ترتيبه ليكون الإسلام «الرسالة» مجرد إفراز أرضي وليس وحيا سماويًا تحت ضغط هذه الغاية اعتمد ما أسماه به المعطى الجاهز له من أهل التاريخ عن الصراع الهاشمي الأموي قبل البعثة الإسلامية.
أيديولوجيا «تأسيس الإسلام»
وبدون دخول في تفاصيل كثيرة، أو تعليق على عشرات الأخطاء الطلابية، التي امتلأت بها معالجة القمني لمراحل وتطور هذا الصراع: فالذي يجب رصده أن الحزب الهاشمي، في بدايات تأسيسه لم يكن فاعلاً بشكل جذري، لأنه -في أهدافه «سواء في زمن قيادة هاشم أو في زمن قيادة شقيقه المطلب»- كان ملتزمًا بخط قصي «الجد» ويكاد يدور في دائرته، لذلك كان الصراع يحل سلميًا حرصًا على المصالح التجارية، وما سبق أن حققه عمه «المطلب» الذي رحل تاركًا له استكمال المهمة الجليلة، فقد نقل الصراع مع أبناء عمومته «الحزب الأموي» من المناوشات المحدودة إلى المواجهة الشاملة، وبتعبير القمني «من التكتيك إلى الأيديولوجيا».
ولأن عبد المطلب -كما يقول القمني- تربى في يثرب، حيث كان كل التاريخ الديني يتواتر هناك في مقدسات اليهود، وحيث كانت حكايات اليهود عن مغامرات أنبيائهم القدامى، وعن دولتهم الغابرة التي أنشأها النبي داود. فقد أتى من يثرب إلى مكة بالمشروع الإسرائيلي «اليهودي» بمثلثه «العرقي- الديني- السياسي» ليهتدي به في «مهمته الجليلة» بـ«وضع أيديولوجيا متكاملة لتحقيق أهداف حزبه الهاشمي».
ومن هنا انطلق عبد المطلب يضع أسس فهم جديد للاعتقاد، وانطلق يؤسس دينًا جديدًا يجمع القلوب عند إله واحد.
وقد أتت مخططات عبد المطلب ثمارها واتبعه كثيرون كونوا حركة الحنفاء حتى شكلوا تيارًا قويًا، خاصة قبل ظهور الإسلام بفترة وجيزة، وكان عبد المطلب هو أستاذ الحنيفية الأول و«الرجل الأول» في هذا التيار.
ولأن المشروع الإسرائيلي هو المرجع، ودولته «التي أنشأها النبي والملك داود» هي النموذج، ولأن عبد المطلب التزم في «استكماله للمهمة» وفي «وضعه للأيديولوجيا» الهاشمية بخطوط التجربة الإسرائيلية. فقد انتهى إلى «أنه لا حل سوى أن يكون منشئ الدولة «العربية» المرتقبة نبيًا مثل داود».
بالوصول إلى حل «النبي الملك» أو «الملك النبي» كحل سبق تجريبه، وحقق توحيد أسباط اليهود في دولتهم الغابرة، وليبقى أمر التنفيذ -كما في أمر التخطيط- محصورًا في البيت الهاشمي، فقد ذهب د. القمني إلى أن عبد المطلب زعيم قريش وقائد الحزب الهاشمي سلم عقله ويديه لـ الحبر اليهودي ليشاهد ويشهد أن في إحدى يديه ملكاً وفي الأخرى نبوة وليرشده «بعد قراءة الكف» بحتمية زواجه من بني زهرة، لأن فيهم الملك والنبوة، وسارع عبد المطلب بالزواج -هو وابنه عبد الله- من بني زهرة في ليلة واحدة.
بالتحول «الانقلابي» و«الثوري» للصراع الهاشمي الأموي من صراع ساذج على إطعام قريش الثريد، كما في الخبر التراثي- إلى صراع حضاري غير مسبوق في التاريخ، وبوضعه ل«الأيديولوجيا» الهاشمية استطاع عبد المطلب «ذاك العبقري الفذ» أن يغير -بجذرية- ليس فقط الواقع العربي الجاهلي، وإنما أيضًا كل المستقبل الإنساني بدوره «التأسيسي» للدين «الحنيفية- الإسلام» وللدولة «العربية- الإسلامية» ولنبوة محمد.
ما بعد أخطاء المنهج
في توثيقه لدور عبد المطلب «التأسيسي» للدين «التوحيدي» قطع القمني بأن ما ذهب إليه هو نفس ما يؤكده ابن كثير بما رواه عن عبد الله بن عباس عن «ديانة أبي طالب بن عبد المطلب: هو على ملة الأشياخ، هو على ملة عبد المطلب»، وبالرجوع إلى مرجع القمني «البداية والنهاية»، «جـ/ ۱۷۰» وجدنا ابن كثير في فصل، وفاة أبي طالب وفي تعليقه على آية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ ﴾ (القصص: 56)، يروي عن عبد الله بن عباس «أنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله أن يقول: لا إله إلا الله، فأبي أبو طالب أن يقولها وقال: هو على ملة الأشياخ، هو على ملة عبد المطلب».
ما فعله القمني من تحريف لما رواه ابن كثير كرر فعله مع ما نقله عن «السيرة الحلبية» «جـ ۱/ ۷۳» في توثيقه لما أسماه ب«علم عبد المطلب اليقيني بنبوة حفيده محمد» وسعيه لتحقيق هذا «اليقين» على أرض الواقع بالزواج من بني زهرة، وأيضاً هذا التحريف هو ما فعله مع ما نقله عن كتاب «طوالع البعثة المحمدية» «للعقاد» في توثيقه لشرط «توحيد الأرباب» في أنه كمقدمة لازمة لـ«توحيد القبائل» في دولة، ولشرط «أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبيا مثل داود».
وكل هذه الوقائع وهي قليل جدًا من كثير جدًا تؤكد تدخل القمني في نصوص مراجعه «ليجبرها» «بالتحريف والتحوير» على تمكينه «كماركسي- مادي» من تخييل عبد المطلب ليس فقط كقائد لـ«الحزب الهاشمي» في صراعه «الأسطوري» مع «الحزب الأموي». إنما -أيضًا والأهم- لتخييله «كمؤسس» للدين «الحنيفية- الإسلام» وللدولة «العربية- الإسلام». وكل هذا لحصر دور حفيده محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في دائرة «التنفيذ».
هنا نود لفت نظر القارئ إلى سكوت القمني عن تناول -أو حتى الإشارة إلى- المساحة الزمنية الفاصلة بين انتهاء التخطيط المثلث «الدين- الرسول- الدولة» في حياة «الجد» عبد المطلب وبين بداية التنفيذ بإعلان «الحفيد» محمد نبوته، فالمعروف أن عبد المطلب مات ومحمد في الثامنة من عمره ومحمد أعلن نبوته في سن الأربعين، أي أن المساحة الزمنية الفاصلة بين التخطيط والتنفيذ تزيد على الثلاثين سنة، وطوال هذه الفترة يستنفر في عقولنا السؤال الطبيعي عن مدى فاعلية أداء «الحزب الهاشمي» أثناءها؟ وهل تلقف راية «الحزب» أحد أبناء عبد المطلب لاستكمال الكيان التنظيمي والأيديولوجي؟
وأستطيع القول: إن هذا هو ما حاول القمني طرحه ليس كغرض وإنما كحقيقة موثقة، فالثابت في دراسات القمني أنه كما اعتمد الجد «عبد المطلب» على التجربة الإسرائيلية «العرقية- الدينية- السياسية» تأسيسه للدين وللدولة وفي ترويجه لنبوة حفيده. فالحفيد «محمد» في تخفف من العبء الأخلاقي.
فأولًا: ولتحقيق الأمان المالي تزوج «الأرملة الثرية» خديجة بنت خويلد بعد خداع والدها وتغييبه عن الوعي «بالخمر» لانتزاع موافقته التي تنكر لها بمجرد استيقاظه ووصل الأمر بالأب إلى حد التظاهر ضد هذا الزواج في شوارع مكة. ولتأكيد هذا الخداع أشار القمني وبكل ثقة إلى نقله لهذه المعلومة عن ابن كثير.
وبالرجوع إلى مرجع القمني وجدناها بنصها في كتاب «البداية والنهاية» «جـ/ ۲ ص ۲۲۹»، حيث ينقل ابن كثير عن المؤملي قوله: «المجمع عليه أن عم خديجة عمرو بن أسد «وليس والدها» هو الذي زوجها محمدًا -وهذا في رأي ابن كثير- هو الذي رجحه السهيلي وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت: وكان خویلد مات قبل «حرب» الفجار، أي قبل زواج محمد من خديجة بخمس سنوات.
وثانيًا: والمهم عند القمني- أنه بعد تحقيق الأمان المالي بدأ الحفيد «محمد» يتابع خطوات جده لتحقيق النبوة بالوحي- وهي خطوات قادته إلى سرقة أشعار أمية بن أبي الصلت، وادعاء أنها وحي الله إليه، وبقصد وليوهم د. القمني القارئ بأن ما قاله عن المصدر الشعري «الجاهلي» للقرآن ليس رأيًا تفرد به فقد أكد أن ما قاله كان نقلًا عن عالم مشهود له بالموضوعية والدقة هو د. جواد علي، وبالرجوع إلى موسوعة د. جواد «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» «ج٦ من ص ٤٩٠ حتى ص ٤٩٨» اكتشفنا أن د. القمني قام بتحريف أقوال د. جواد ليجبره على أن يقول بما ختم به القمني دراساته.
لعبت هاشم بالملك فلا
ملك جاء ولا وحي نزل
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل