; ١٩٦ كتابًا تهاجم الإسلام والرسول ﷺ والصحابة - الأزهر.. والعلمانية معركة جديدة | مجلة المجتمع

العنوان ١٩٦ كتابًا تهاجم الإسلام والرسول ﷺ والصحابة - الأزهر.. والعلمانية معركة جديدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

مشاهدات 89

نشر في العدد 1267

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-سبتمبر-1997

فجاة أصبح الأزهر الشريف -أكبر مؤسسة دعوية في العالم الإسلامي- متهمًا بأنه تحول إلى «محكمة تفتيش تنصب المشانق للمفكرين المبدعين، وأنه يغتال حرية الفكر، ويقنن الإرهاب بعد أن سيطرت عليه جبهة التكفير الإخوانية، والشيوخ الرجعيين الذين تضخمت ثرواتهم بالحرام، الأمر الذي سيؤدي إلى دخول مصر رائدة التنوير إلى نفق مظلم يسوده الجهل والتخلف»!!

أما سبب الإتهام الذي أعلنه بعض المفكرين العلمانيين وألحقوه ببيانات وأقوال غير مسبوقة تهين الأزهر وعلماءه، فهو مطالبة مجمع البحوث الإسلامية بمصادرة ١٩٦ كتابًا تضمنت إساءات عديدة لله والرسول والصحابة، كما احتوت على صور وألفاظ جنسية تخدش الحياء العام، منها كتب لمفكرين يساريين وعلمانيين، أبرزهم: الدكتور سيد القمني- الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس، وخليفة الدكتور نصر أبو زيد، والأستاذ خليل عبد الكريم -عضو الأمانة العامة لحزب التجمع، والدكتور أحمد صبحي منصور- الأستاذ السابق بجامعة الأزهر.

ورغم أن مطالبة مجمع البحوث الإسلامية بمصادرة الكتب استندت إلى تقارير علمية محايدة أعدها علماء جهابذة من الأزهر والجامعات المصرية كشفوا فيها سوءات تلك الكتب، إلا أن التيار العلماني واليساري في مصر أقام الدنيا ولم يقعدها، خاصة بعد أن تقدم الأزهر بطلب إلى المحكمة يطلب مصادرة تلك الكتب ومساءلة مؤلفيها لطعنهم في ذات الله ورسوله، وبدلًا من أن يعترف العلمانيون بتجاوزاتهم فقد شنوا هجومًا شديدًا على الأزهر، وأعلنوا أن جبهة علماء الأزهر هي التي تحركه، خاصة بعد أن عين شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي وكيلها الأول الشيخ سيد عسكر مستشارًا له، وهو ما نفته الجبهة مؤكدة أن علاقتها مع شيخ الأزهر ليست طيبة. 

لكن ماذا يقول الأزهر عن كتب العلمانيين؟ وما ردودهم عليه؟ وكيف ينظر العلمانيون والأزهريون لبعضهما البعض؟ 

المجتمع حاورت الطرفين وكشفت حقيقة الخلافات؟

أولى الكتب التي طالب مجمع البحوث الإسلامية بمصادرتها كتابان للأستاذ خليل عبد الكريم -عضو الأمانة العامة لحزب التجمع اليساري- وهما «مجتمع يثرب»، و «شدو الربابة في أحوال الصحابة»، ويتضمنان عرضًا وتقييمًا لحياة مجتمع المدينة المنورة، وصحابة رسول الله الكرام.

كتاب «مجتمع يثرب» يقع في ٩٩ صفحة تزخر بالافتراءات والإساءات المهينة والبالغة لرسول الله ولأطهر وأنقى مجتمع بشري عرفه العالم على مدار التاريخ، فالكتاب يجرد مجتمع المدينة من كل القيم الأخلاقية، وجعله مجتمعًا تسيطر عليه الشهوة الدافعة للزني، ويحط من شأن الصحابة رجالًا ونساء.

ففي صفحتي ۱۱ و ۱۲ ذكر المؤلف أن «نسوان هذا المجتمع كن يحتلمن ويصرحن بذلك، وكانت الواحدة منهن تملأ الدنيا صراخًا لأنها اكتشفت أن زوجها عنين»!

وفي صفحة ٦٧ يتهم خليل عبد الكريم الصحابة بالبصبصة للنساء الحاجَّات وهن في مشاهد الحج، ويصل المؤلف إلى قمة إساءته للرسول ولمجتمع المدينة عند تحليله لعلاج الرسول مشكلة المغيبات أي التي تغيب عنها زوجها في الغزو، يقول في صفحتي ۸۲ و ۸۳: «لقد سلك محمد في علاج مشكلة المغيبات طريقًا آخر، وهو نهي الأزواج عن مفاجأة زوجاتهم ليلًا، ويسمى الطروق ليلًا، حيث قال: «لا تطرقوا النساء ليلًا حتى تمتشط الشعثة، وتستعد المغيبة، وقيل إن بعض الصحابة خالف هذه الأوامر الصريحة وطرق أهله ليلًا، ففوجئ بزوجته في أحضان رجل، وكان من المحتم اللازم أن يتوقع ذلك، أليس هو ابن مجتمع يثرب وربيبه؟»!!

ويستطرد المؤلف مبالغًا في إساءته لرسول الله قائلًا: «ومن الواضح أن محمدًا بنهيه صحبه عن دخول بيوتهم ليلًا هو أن يجنبهم المرور بتجربة قاسية تحطم معنوياتهم وتمنعهم من الانخراط مرة أخرى في غزواته وبعوثه، ونعني بها تجربة مشاهدة الزوجة تحت رجل آخر»، ويضيف المؤلف قائلًا: «إن محمدًا الحصيف كان يعرف أن الليل هو الوقت المفضل لتلاقي الأخدان، خاصة في ذلك الزمان، إذ لم تكن إنارة الشوارع والطرقات قد عرفت، الأمر الذي يمكن الدخول والخروج بأمان، لهذا نهى محمد أتباعه عن الدخول على الزوجات في ظلمة الليل حتى لا يفاجؤوا بما لا يسرهم، بل يفزعهم ويدفعهم إلى الإحجام عن الخروج للجهاد».

ورأى مجمع البحوث الإسلامية في تقرير له عن الكتاب أن كتاب «مجتمع يثرب» يجب إعدامه ومساءلة كاتبه بسبب تشويهه للرسول ولأطهر مجتمع عرفته البشرية.

إهانة الصحابة

ويواصل خليل عبد الكريم في كتابه الثاني «شدو الربابة في أحوال الصحابة» الذي يقع في 233 صفحة إساءاته لصحابة رسول الله، ففي صفحة ١٨ يتهم الصحابة بــ «أنهم لم يتخلصوا من عاداتهم الجاهلية، وأن الإسلام ومحمدًا فشلا في التسامي بهم إلى مكارم الأخلاق، مما جعل محمدًا يتبرأ منهم».

وفي صفحة ۲۰ ينكر المؤلف أن الإسلام ديانة، فيشير إلى أن «الإسلام تجربة فجرها محمد وساهم الصحابة معه في تجسيدها لإقامة الدولة القرشية». 

وتصل إساءة خليل للصحابة إلى قمتها في صفحة ١٥٩ حيث اتهم سيدنا خالد بن الوليد بالزنى مع امرأة مالك بن نويرة، وأكد أن الخليفة الأول أبا بكر الصديق لم يقم عليه حد الزنى، رغم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصر على إقامة حد الزنى على خالد، ولما مات أبو بكر وتولى عمر يشير المؤلف أن عمرًا أقام عليه الحد بأن رجمه رجمًا معنويًّا بعزله عن قيادة الجيش.

ويفتري خليل عبد الكريم على الصحابة أجمعين في صفحة ٤١، حيث يقول: «إن الصحابي كان يستمر في ضرب غلامه حتى بعد استعاذته بالله، ثم يتركه عند استعاذته بمحمد»، ويحتوي الكتاب على مغالطات دينية وتاريخية كبيرة تسيء إلى المسلمين جميعًا، أوردها مجمع البحوث في تقريره بالتفصيل وانتهى فيه إلى عدم تداول الكتاب.

إنكار السنة

ومن أهم وأخطر الكتب التي طالب الأزهر بمصادرتها كتاب أصدرته جمعية «النداء الجديد» وهي منظمة علمانية يرأسها الدكتور سعيد النجار -نائب رئيس حزب الوفد- بعنوان: «الحسبة بين القرآن والتراث» للدكتور أحمد صبحي منصور، الذي تم فصله سابقًا من جامعة الأزهر، ينكر المؤلف السنة كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي، ويتهجم على الأحاديث النبوية ويصفها بمخالفة القرآن والعقل البشري، مؤكدًا أن الفقهاء هم الذين اخترعوا تلك الأحاديث لتكون مستندًا لهم في تشريعاتهم البشرية التي سنوها وفقًا لظروفهم وأهوائهم.

ففي صفحة ٦ يؤكد أن حديث «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» يخالف القرآن والعقل»! 

وفي صفحة ٩ ينكر وجود عقوبة للمرتد ويقول: «لا يوجد في الإسلام ولا في سيرة النبي عقوبة للمرتد ولهذا فقد تكفل فقهاء الدولة العباسية باختراع حديثين لمعاقبة المرتد وسارعت الدولة بتطبيق تلك العقوبة»، وكلام أحمد صبحي منصور متهافت ولا صحة له، كما قال تقرير للمجمع، حيث أكد أن أحاديث معاقبة المرتد ليست من اختراع الفقهاء، وإنما رواها الشيخان، ومنها حديث ابن عباس عند البخاري، والذي يقول «من بدل دينه فاقتلوه»، ومنها ما رواه البخاري بسنده في صحيحه: «أن رسول الله أرسل أبا موسى الأشعري إلى اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، وقال: انزل، فإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا، قال: كان يهوديًّا فأسلم، ثم تهود، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يحدث قضاء الله ورسوله، قالها ثلاث مرات فأمر به فقتل». 

كما شكك في حديث «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، وذكر أنه من اختراع فقهاء الحنابلة، وشن د. أحمد صبحي منصور هجومًا حادًّا على فقهاء السلف، وخاصة الإمام ابن تيمية فوصفه بالتطرف، والإفتاء بقتل الناس جميعًا دون أسباب وحجج قوية، واختتم المجمع تقريره بالمطالبة بمصادرة كتاب الحسبة الخطير، لما تضمنه من مخالفات غاية في الخطورة ولدعوته السافرة إلى إثارة الفتن والإساءة إلى رسول الله وجحده للسنة النبوية، وتهكمه على الأحكام الشرعية المستفادة من السنة»، والملاحظ أن نقد الأزهر اللاذع لفكر الدكتور أحمد صبحي منصور ليس جديدًا، حيث أكدت تقارير شيوخ الأزهر سابقًا أن صبحي أنكر حديث الوحي ونزول القرآن، وتسبب إنكاره هذا في فصله من جامعة الأزهر وأيد القضاء قرار الفصل.

خمسة اتهامات خطيرة

أما أشهر الكتب التي طالب المجمع بمصادرتها فهو كتاب «رب الزمان» للمفكر اليساري الدكتور سيد القمني -الأستاذ بكلية الآداب بجامعة عين شمس- وقد قدم المجمع طلبًا لمحكمة شمال القاهرة لمصادرة الكتاب، وتحدد يوم ١٥ سبتمبر الحالي موعدًا للبت في منع تداول الكتاب من عدمه، والملاحظ أن المجمع قدم للمحكمة تقريرًا وافيًا حول الكتاب اشتمل على عشر صفحات، ووجه خلالها اتهامات للدكتور القمني كالتالي:

-الكتاب يتحدث عن آلهة سماوية وآلهة أرضية ذكورًا وإناثًا، ويتناول تعدد الآلهة بصورة تخالف ما ورد في تعاليم الإسلام.

-يتحدث الكتاب باستهتار واستهزاء مشحون بالتجريح والإساءة للنبي يوسف عليه السلام. 

-الكتاب ندد بالخليفة الراشد عثمان بن عفان ونسب إليه ما لا يليق به كصحابي جليل. 

-تناول الكتاب علماء المسلمين القدامي والمعاصرين بالسخرية والتهكم خاصة الشيخ محمد الغزالي، والدكتور عبد الصبور شاهين، والأخير سبه بألفاظ لاذعة ووصفه بأنه «رجل بيوت لهف الأموال».

-احتوى الكتاب على عبارات تتهكم من تراث المسلمين والأمة الإسلامية وكذا اجتهادات علماء المسلمين.

ويذكر أن مؤلف «رب الزمان» قد نال اهتمام كثير من الصحف والإذاعات المصرية والعربية والعالمية، حيث صعد التيار العلماني هجومه على الأزهر خوفًا من تكرار حدوث ما حدث مع الدكتور نصر أبو زيد مع القمني وخاصة أن القمني أحد تلامذة أبو زيد.

اتهامات للأزهر

وقد أصدرت عدة منظمات لحقوق الإنسان في القاهرة أبرزها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ومركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان بيانات شديدة اللهجة أعربت فيها عن إدانتها لمطالبة الأزهر بمصادرة كتاب القمني، مشيرة إلى أن الأزهر يضع قيودًا تعسفية على حرية الرأي والفكر والاعتقاد، ويفرض نوعًا من الوصاية الدينية غير المقبولة على ضمير المفكرين والكتاب المبدعين. 

وذكرت المنظمة المصرية أن مصادرة الكتاب يصطدم مع دستور مصر، وكذا التزامات مصر الدولية، خاصة بموجب تصديقها على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي أكدت مواده على حريات الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد. 

وأكد مركز المساعدة القانونية أن قانون الأزهر رقم ۱۰۳لعام ١٩٦١م ولائحته التنفيذية لا يتضمن أي نصوص تعطي لمجمع البحوث من قريب أو بعيد الحق في منع أو رفض أو إجازة كتاب، ودعا المركز والمنظمة كافة مؤسسات المجتمع المدني للتصدي لوصاية الأزهر الدينية على المفكرين والمبدعين، وفوض عددًا من محاميهم للدفاع عن القمني، ورفع دعوى لصالحه في حالة صدور قرار محكمة شمال القاهرة بمصادرة كتابه.

حجج وآراء العلمانيين

ولكن ماذا يقول أصحاب الكتب المصادرة؟ وما تقييمهم لموقف الأزهر؟

المجتمع طرحت هذا السؤال على مؤلفي الكتب المسيئة للإسلام، رفض خليل عبد الكريم التعليق على تقارير الأزهر، وقال: إن القضاء والتاريخ هما الفيصل، ومن يقرأ  كتبي سيعلم أنني مجتهد، ولم آتِ بشيء من عندي، بل كل ما كتبته جاء من كتب تراثية موثقة، وعندما طلبت المجتمع من خليل توضيح كلامه وتفسيره، خاصة أن نقد الأزهر لكتبه كان قويًّا للغاية، قال: أنا لن أدلي بشهادتي الآن، ولكن أمام القضاء. 

أما الدكتور أحمد صبحي منصور فقد قال لـ المجتمع: «إن شيوخ الأزهر الذين راجعوا كتبه غير متخصصين ومتخلفي الفكر»، وأشار إلى أن المصادرة التي يقوم بها المجمع تناقض الإسلام لأن القرآن الكريم يعطي الحق المطلق لحرية العقيدة والفكر، ويؤدي الحساب عليها إلى يوم القيامة أمام الله، والقرآن الكريم هو الذي أورد اتهام الكفار لله ولرسوله والقرآن والإسلام ورد عليها ولم يصادرها، وقد أصبحت هذه الإتهامات مع الرد عليها ضمن النصوص القرآنية، ولو صادرها رب العزة ما عرفناها .

وقال: إنني عالم مسلم مجتهد، وشيوخ المجمع ليسوا علماء مجتهدين، بل يقومون بتصفية حساباتهم الفكرية بسوء استخدامهم للسلطة على خلاف ما يسمح به القانون على الرغم أن القانون لا يجيز لهم المصادرة، بل هي حق لمجلس الوزراء والقضاء فقط، وتساءل أحمد صبحي منصور: كيف تتفق المصادرة مع عصر الإنترنت والسماوات المفتوحة؟ ألا يدل ذلك على تخلف بعض الشيوخ؟ ومضى قائلًا: لقد انتقدت بعض علماء السلف وهذا حقي فأنا مجتهد، كما أنهم مجتهدون وهم رجال ونحن رجال ومن واجبنا نقدهم. 

وأوضح الدكتور أحمد أن غالبية الأحاديث النبوية «مضروبة» فمن بين سبعين ألف حديث لا نستطيع أن نصدق إلا ألفًا أو ألفي حديث، بل إن هذا الألف فيه كلام وكلام.

وبدأ الدكتور سيد القمني حديثه مع المجتمع بهجوم حاد على الأزهر وعلمائه مشيرًا إلى أنهم لا يقرؤون إلا عناوين الكتب، وبعض أسطر صفحتها ولا يفهمون معانيها مطلقًا، بل يحرفونها كما يشاءون، وأضاف أن علماء المجمع ضعفاء علميًّا ولا يعرفون آداب الحوار، وليس لهم ولا لأزهرهم الحق في مصادرة أي فكر مبدع، أو مناقشتنا فيما لا يعرفون، وأوضح القمني أن قوله بالكتاب إن جد الرسول عبد المطلب كان يسعى للزعامة وإقامة دولة، وأن هذا ما دفع أولاده إلى مساندة الإسلام ليحققوا من خلاله حلم الدولة صحيح، وفسر ذلك قائلًا: هذا وضع طبيعي لكي تبدو الرسالة النبوية طبيعية ومتوافقة مع الظروف والأوضاع العامة لمن نزلت فيهم، وأشار إلى أن ما كتبه عن عثمان من افتراءات وإساءات نقلها عن الصحابة، وقال: لا ينبغي أن نفرط ونسرف في تقديس الصحابة، فهم رجال ونحن رجال، وهم يخطئون كما نخطئ، والإسراف في تقديسهم أحد أسباب الكارثة التي نعيش فيها، حتى صرنا نضع أمامنا محرمات من صنع أنفسنا تمنعنا من حرية التفكير، وقدسنا أشخاصًا غير مقدسين.

وأتصور -والكلام للقمني- أننا اليوم قادرون على أن نقرأ ونفهم ديننا أفضل مما كان يفهمه الصحابة، وحول سؤال عن حديثه عن الآلهة والأساطير القديمة بصورة مستفزة، كأنه لا يأبه بنصوص القرآن تجاهها قال القمني: إنني أطالب بعدم الانتهازية في التعامل مع نصوص القرآن، وعدم استخدامها لتبرير مواقف سياسية أو غيرها لخدمة فئة معينة، والقراءة الصحيحة لنصوص القرآن والتي ترفع الانتهازية عن مقدساتنا وتحترمه فهي ما تقدمه مجموعة كُتّاب التنوير مثل المستشار سعيد العشماوي، والدكتور نصر أبو زيد، والشيخ خليل عبد الكريم، وأنا. 

ويختتم خليفة «نصر أبو زيد» وهو «الدكتور سيد القمني» قائلًا: سنواجه المشايخ بكل قوتنا، ولن أتراجع عما كتبت وسأدافع عن أفكاري، ولن أقبل أن يسألني أحد في عقيدتي الدينية لأن من يفعل ذلك يحتاج إلى توكيل من الله، والإسلام لا يعرف التوكيلات وأنا مواطن في دولة مدنية ولست فردًا في دولة الخلافة الإسلامية، والمشايخ لا يدعون إلى مصادرة كتبي بل إلى قتلي واغتيالي، ولكن أفكاري ستبقى مخلدة!!

العلمانيون غير مبدعين

ويواجه علماء الأزهر مزاعم ودعاوى العلمانيين بقوة، فالشيخ عبد المعز الجزار -رئيس لجنة التأليف والنشر والترجمة المعنية بمراجعة الكتب- لا يرى أن هؤلاء المفكرين العلمانيين الذين يسمون أنفسهم زورًا وبهتانًا مبدعين لا يفرقون بين حرية الفكر وحرية الكفر، فمؤلفاتهم تنطق بالكفر الصريح، وإلا كيف تفسر إهانتهم لرسول الله وصحابته، وعلى سبيل المثال فإن سيد القمني يقول: إن سيدنا عثمان كان شخصًا غير صالح وغير سوي ليكون خليفة، وأنه يجتهد كما اجتهد عثمان، والسؤال: هل القمني هذا يحفظ سورة من كتاب الله؟ وهل يؤدي الصلوات؟ بالتأكيد لا .

العلمانيون يهدفون للشهرة والثراء

أما الشيخ سامي الشعراوي -أمين مجمع البحوث الإسلامية- فيشير إلى أن الأزهر ليس من حقه ولا من اختصاصاته مصادرة الكتب، بل يكتب تقارير علمية محايدة يعدها فقهاء وعلماء متخصصون من كافة الجامعات المصرية عن تلك الكتب، وإذا رأوا فيها ما يطعن في الإسلام ونبيه، أو يهدم ركنًا من أركان الدين يوضحونه ويردون عليه بالأدلة الدامغة، وفي حالة لو تشككنا في صحة المراجعة نشكل لجنة ثانية، ولو اختلف التقييم نشكل لجنة ثالثة محايدة حتى يكون الحكم شرعيًّا وسليمًا.

ويواصل الشيخ سامي حديثه بحدة: الأزهر لا يصادر رأيًا حرًّا شريفًا ولم ينصب محاكم التفتيش لأحد، ولكن ما يقوله هؤلاء الكتاب العلمانيون والملاحدة ليس إبداعًا، لا.. والله إنه لقبح، وكم ترتكب باسم الإبداع آثام وشرور، والحقيقة أن الأزهر وعلماءه هم حماة الحرية والرأي والفضيلة ويحمون الإبداع من تلويث هؤلاء العلمانيين له كما يحمون الدولة من إرهابهم الإلحادي، فهؤلاء يدفعون الناس دفعًا إلى الإرهاب لأن لكل فعل رد فعل، ويضيف الشيخ سامي: للأسف هؤلاء استغلوا الحرية المتوافرة في بلادنا، وهاجموا الدين بعد أن تأكدوا أن أسرع وسيلة للثراء هي الاستهزاء بالدين ورموزه.

براءة الجبهة

ويسخر الشيخ سيد عسكر- الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية لشؤون الثقافة الإسلامية، ووكيل جبهة علماء الأزهر- من اتهام العلمانيين للجبهة بأنها وراء مطالبة الأزهر بمصادرة كتبهم وكذا اتهامهم له شخصيًّا أنه أبرز مستشاري شيخ الأزهر الذين يدفعونه للموافقة على طلبات المصادرة، ويقول لــ المجتمع: الجبهة مظلومة، وأنا مسلوب الاختصاصات، ولا يستشيرني شيخ الأزهر، والحقيقة أن هناك تطرفًا علمانيًّا خطيرًا يهدم أسس الدين، ويريد أن يصرف الدولة عن تجاوزاته باستعدائها على الجبهة وعلمائها. 

ويعترض الشيخ سيد عسكر على مقولة العلمانيين بأن القانون لا يجيز للأزهر الرقابة على الفكر ويقول: الأزهر هيئة إسلامية عالمية متخصصة في الإسلام، ودين الله يلزمها بإبداء رأيها فيما هو مطروح على الساحة من كتب ومؤلفات أو مسلسلات، فضلًا عن أن قانون تطوير الأزهر رقم ١٠٣ لعام ١٩٦١م قد كفل للأزهر هذا الحق، والأزهر يقدم رأيه والدولة هي التي تصادر، ويصف الشيخ سيد عسكر مقولة العلمانيين بأن شيوخ الأزهر غير قادرين على فهم أفكارهم بأنها خديعة وأكذوبة كبرى ويقول: هل يجد العلماء الثقات صعوبة في فهم مؤلف «مجتمع يثرب» مثلًا؟ إن خليل عبد الكريم يقول في كتابه «لقد كانت معاشقة النساء لدى رجال هذا المجتمع اليثربي من القوة، بحيث دفعتهم إلى تحطيم الحواجز التي أقامتها النصوص المقدسة صراحة وبلا مواربة»، هل هناك صعوبة في فهم هذا الفحش؟، إن دعاوى العلمانيين مزيفة ومضللة، فنحن علماء الأزهر بالدرجة الأولى أهل الاختصاص، ولدينا في المجمع علماء من كل الفنون والآداب، وهم متخصصون وحاصلون على درجات علمية تناظر أو تكبر عما حصل عليه هؤلاء المسمون مبدعين زورًا وبهتانًا.

ويضيف الشيخ سيد عسكر: ليس بين الأزهريين وبين أحد خصومة، فالأزهر هيئة علمية محايدة كل الذي يعنيها أن تقول رأي الإسلام فيما يعرض عليها من مؤلفات، وفي الغالب فإن الدولة هي التي تعرض علينا، ونحن لا نفتش في ضمائر الناس ومن يرد أن ينكر وجود الله أو يستهزئ برسوله وأصحابه فليفعل وحسابه عند ربه ولا شأن لنا به ونحن لا نواجهه إلا إذا باهى بكفره أمام الناس، وهؤلاء العلمانيون لا يباهون بفجرهم وفسادهم فقط، بل ينشرونه ليطلع عليه الناس، ويقتنعوا بهم، ويضنون علينا كعلماء متخصصين أن ندلي برأي الإسلام فيما يقولون.. فهل هذا معقول؟

ويختتم الشيخ سيد عسكر قائلًا: إن علماء الإسلام لن ترهبهم دعاوى العلمانيين الزائفة ولن يخونوا الله وأمانة العلم التي ائتمنوا عليها من أجل كلمات فارغة ترددها جوقة علمانية فاجرة لا يهمها إلا المكسب المادي الرخيص والشهرة الكاذبة، ودور الأزهر وعلمائه سيستمر كما استمر في الماضي دفاعًا عن الإسلام ضد افتراءات أعدائه فتلك هي رسالته التي وهبه الله إياها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

174

الثلاثاء 26-مايو-1970

تفسير زئبقي للقرآن

نشر في العدد 17

118

الثلاثاء 07-يوليو-1970

مِرْآة الرأي العالمي

نشر في العدد 97

114

الثلاثاء 25-أبريل-1972

من أخبار العالم الإسلامي