; المجتمع الثقافي (1227) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1227)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

مشاهدات 96

نشر في العدد 1227

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 26-نوفمبر-1996

ومضة

     لم يكن هدف رسول الله -صلي الله عليه وسلم-  هو أن يفرض الإسلام على أهل مكة، حتى يزعم من لا يكن له أي قدر من الاحترام أو التقدير أنه فشل في تحقيق هذا الهدف، ذلك أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يدعو كما أمره ربه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لتكوين مجتمع من الأحرار لا يلتزمون بما يلتزمون به إلا بعد أن يقتنعوا، ومن ثم يؤمنون دون أن يتعرضوا لأي لون من ألوان القهر أو القسر أو الإرهاب الفكري الذي يمارسه أولئك الذين لم يكتفوا بالنيل من أفراد المسلمين حتى راحوا يسخرون من مفردات الشريعة الإسلامية، وأخيرًا وصل بهم الحد إلى المساس بشخص رسول الله -صلي الله عليه وسلم-.

     لو أنهم وقفوا عند حد مهاجمة الحركات الإسلامية أو انتقاد بعض فترات التاريخ التي حكمت فيها أنظمة مستبدة بالرغم من تمسحها بالإسلام، أو أنهم وجهوا اللوم لفقهاء السلاطين الذين سكتوا عن تلك الممارسات الظالمة كما يفعل من يحظى بحبهم من المعاصرين- لهان الأمر، وكان في حدود المعقول، ولشاركهم في بعض ذلك أو كله كثيرون من علماء ومتخصصي الحركات الإسلامية المعاصرة.

      ولكن حتى يكشف الله سرائرهم ويفضح نواياهم ويعريهم أمام الخاصة والعامة تورطوا في الهجوم على الإسلام وعلى الشريعة الغراء، وعلى ذات النبي -صلي الله عليه وسلم-، وبالمقابل دعموا وناصروا كل الأفكار المنحرفة والأفعال الشاذة، فالسحاق واللواط في نظرهم ممارسات موجودة من أقدم العصور، وما الجديد فيها إلا الشجاعة في الإعلان عنها.

     وأخيرًا هل نستطيع تفسير كراهيتهم للشريعة واستعدائهم على حملتها وعلى تطبيقها؛ لأنها تحد من ممارساتهم الشاذة، وتفرض قيودًا على أعمالهم المستنكرة؟ لا أستبعد ذلك، والله أعلم.

قصة قصيرة:  العودة إلى المجهول

بقلم: محمد علي البدوي

    ترى كيف أنت يا كابل الآن؟ كيف يبدو وجهك بعد ستة عشر عامًا من الحرب؟ لا بد وأن الكثير من معالمك قد تغير، لا بد وأن مزرعتي الصغيرة التي كنت أزرعها حول المنزل قد احترقت، وأن منزلنا هو الآخر قد فارق الحياة، أه يا كابل كم أنا في شوق جارف إليك الآن؟

      كانت الخواطر تتزاحم في رأسه، والأفكار تنداح في مخيلته، يرجع برأسه إلى الوراء، ثم يلقيه على مقعد الطائرة فيسترجع شريط الذكريات، ويبدأ حديثه الهامس مع نفسه، ويعانق بناظريه وجوه الركاب ليقرأ آيات الفرح والسرور، العودة إلى الوطن من أجمل لحظات الإنسان بنظرة واحدة إلى الوطن ينسى الإنسان الحنين الذي كابده، ينسى الغربة بآلآمها، يحلق في سماء وطنه فتعرج روحه في سماء من الحب الخالد والعشق المباح ستة عشر عامًا يا كابل من الجهاد البطولي، ستة عشر عامًا من الدماء الزكية التي أروت شجرة الكرامة، وخطت ملحمة الصمود، كلنا على خط المواجهة نعم لقد كنت بعيدًا عن مسرح القتال، ولكني كنت هنا أسل قلمي في وجوه الأعداء، أكتب عن قضيتك العادلة، أبين وجهة نظرك الصائبة إنني ما زلت أذكر آخر مقالة لي كان عنوانها «الله أكبر فتحت كابل» ويقطع صوت قائد الطائرة حبل أفكاره ويعلن على الملأ:

     على السادة الركاب ربط أحزمة الطائرة استعدادًا للهبوط في مطار كابل، من شرفة الطائرة كان يرقب أفواج المهاجرين العائدين إلى المدينة، كان يوزع نظره في عالم المدينة، المآذن لم تزل شامخة صامدة، وأعلام النصر ترفرف عاليًا تعانق السماء، وعلى سلم الطائرة وقف طويلًا يحتسي هواء المدينة بشدة، كانت المعارك التي قادتها المليشيات حول المطار أن تذهب ببريق النصر، ولكنها لم تلبث أن كانت انتفاضة جسد جريح بدأ يستسلم للموت، أما هو فلم تنسه مشاعر السعادة وجو الفرح العارم أن يسجد سجدة شكر لله -تعالى- وقبلة طاهرة يلثمها تراب الوطن الطاهر، في طريق العودة إلى المنزل أخذ يسجل بناظريه ما خلفته الحرب الملعونة من دمار وما أعقبته الشيوعية الحمراء من فساد، لقد تحول كل شيء إلى أطلال، إلى بقايا أمس منصرم واحد يهمس في نفسه.

      لم تعد معركتنا الآن مع الشيوعية، لقد بدأنا معركة حقيقية مع أنفسنا ترى هل ستسحق هذه المرة شهواتنا؟ هل سنحكم بالإعدام على مصالحنا كانت مشاعر الخوف من المجهول تشيعه وهو في طريقه إلى مبنى المجلة، وأمام مبنى مجلته وقف طويلًا وكأنه يؤدي طقوس عزاء، وغالبته ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، وسرت في روحه دفقة من الأمل، سنبدأ من جديد يا صحيفة الأخوة الإسلامية، ستكونين من جديد منارًا للإسلام، وشعاعًا ينير أنحاء البلاد، وشمسًا ساطعة تكشف ليل الخونة، وتحرق أوكار العملاء، ستبدأ من جديد يا صحيفة الجميع.

       كانت الأيام الأولى التي تلت فتح كابل أيامًا لا تنسى أماطت خلالها المدينة عن وجهها لثام الشيوعية الحمراء، لتبدو بوجه صاف مشرق كشمس الظهيرة، حتى المآذن كانت ظمأى لصوت الحق، بدت وهي الأخرى تعانق السماء، وتردد الأذان بحرية، كما بدأ هو الآخر من مكتبه بمجلة الأخوة الإسلامية، يرسل شواطًا من مداده على رؤوس الخونة والعملاء، ويعد جسورًا من التواصل مع الجمهور، وبدأ يحقق الانتشار السريع لمجلته الوليدة.

       لقد كان شعلة من نشاط، وشلالًا هادرًا من الحيوية لا يتوقف، يخوض معركة الإعمار، ويجمع كلمة المجاهدين، ويرسم خطة البناء من خلال كتاباته الرصينة، وبدت الصحيفة تصل كل منزل، وتلامس كل يد بفضل الوضوح في الرؤية والموضوعية في الطرح، والصدق في التناول، ثم بفضل سعرها الزهيد كل شيء كان على ما يرام، عجلة الحياة تدور ودولاب البناء لا يتوقف، ولكن دوام الحال من المحال، فرائحة خلاف بدأت تفوح أخيرًا، والجميع يتحدث عن شقاق بين أحزاب الجهاد كما عملت أيد خفية على توسيع رقعة الخلاف، وبدت سحب الحرب تجوب سماء العاصمة. 

      كان يعمل جاهدًا على تقريب وجهات النظر والحد من الخلاف القائم، ولكن دون جدوى، فهوة الخلاف تتسع، وصوته يضيع وسط دوي الرصاص وعزف القنابل، وسرعان ما تحول الخلاف إلى حديث بالصواريخ والقاذفات وعادت الحرب السوداء تلقي بظلالها على العاصمة، أشباح الموت تخيم على البلاد، وأفواج المهاجرين بدأت رحلة العودة إلى المجهول، والمستقبل بدا قائمًا أمام الجميع.

     أما هو فإنه لم يزل يقبع في مكتبه بالصحيفة ينادي بتحكيم الشرع والعقل، وأن تسود لغة الحوار والتفاهم، ينادي بتقديم مصلحة البلاد، مازال يصرخ في كتاباته إلى متى تظل أنهار الدماء تجري بغير حساب؟ إلى متى تستمر رحلة المهاجرين إلى المجهول؟ إلى متى نحكم شهواتنا، ونقدم مصالحنا الشخصية؟ ألم يحن الوقت بعد حتى نتجاوز انتصاراتنا الفردية؟ ولكن سرعان ما صمت هذا الصوت إلى الأبد؛ إذ طالت قذيفة غاشمة مبنى المجلة بعد أن أتم كتابة مقالته الأخيرة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (الأنفال: 46).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 937

78

الثلاثاء 17-أكتوبر-1989

فتح كابل