العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1376)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1376
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 16-نوفمبر-1999
رجل الإعلام المسلم بين النظرية والتطبيق
مراجعة نقدية
محمود الكسواني
على الرغم من كثرة الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي تناولت موضوع الإعلام، على صعيد حركة التجديد الإسلامي، إلا أن معظم تلك الجهود لم يتمكن بعد من تزويدنا بنظرية علمية إسلامية شاملة، نستطيع من خلالها تقييم التنائج التي توصلت إليها تلك الأبحاث والدراسات.
هذا الإدعاء ليس مرده إلى تقصير الباحثين والدراسين في وضع تلك النظرية المرجوة، فنحن مهما أوتينا من مقدرة على قراءة هذا الكم الهائل من المراجع والكتب والدوريات والندوات الإسلامية، ذات العلاقة بشؤون الإعلام، ومهما فسحت لنا الأعمار من ساعاتها وأوقاتها، لن نستطيع أن ندرك ركب البحوث والدراسات التي تزخر بها مكتبات العالم الإسلامي.
ولكن مرد ما ندعيه، مبني على أساس أن طبيعة هذا النشاط المسمى بالإعلان، وباعتباره سلوكًا بشريًّا، لا يخضع لقوانين محددة، وقواعد منتظمة، فكلما فتحنا من عالم الإعلام بابًا، واجهنا بابًا آخر وكأنه كهف من كهوف قصص ألف ليلة وليلة.
والإعلام ليس علمًا تجريبيًّا كعلوم المادة الفيزيائية، إنما هو نشاط بشري، وإن شئت قلت- على سبيل المجاز- علم سلوكي، ودراسته لا تتم بشكل سليم دون قراءة استنتاجية لتجارب الإعلاميين أنفسهم، كالمراسل الصحفي، والمصور الصحفي، والكاتب الصحفي... إلخ.
وإن كان موضوع الإعلام عامة لاقي عناية فائقة لدى أفراد وجماعات المعسكرين الغربي والشرقي، مع تفاوت فيما بينهما من حيث التقنيات والمهارات، إلا أن دراسة الإعلام ما تزال تلاقي إهمالًا في البحث والتنقيب والمتابعة داخل نطاق حركة التجديد الإسلامي، فنحن لا نكاد نقع في هذا المجال إلا على فتات من مقالات أو قبسات متواضعة من بين سطور الكتيبات، وهي في معظمها دراسات تأملية وفرضية، لا ترتكز على نماذج تطبيقية أو ممارسات حقيقية يمكن من خلالها الولوج إلى لب المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها، لا وفق فرضية الباحث، بل بناء على ما يوصى به الإعلام الحقيقي الذي عانى من تلك العوائق الصعاب داخل ميدان العمل، وليس في أروقة المكتبات وشتات الحوارات ومعترك الندوات: «ذلك أن الصبغة النظرية البحتة لهذا الموضوع هي ما يميز نتاج الباحثين والمشتغلين فيه، ونتيجة لهذا «التنظير المتخصص» فإن الممارسة الإعلامية لابد أن تتأثر- بشكل أو بآخر- بهذا التوجيه النظري... «إن» مثل هذه النظريات هي «محاولات» لتأطير الممارسة الإعلامية في مجتمع معين قد تنجع وقد تفشل إذا ما وضعت في المحك أو التجربة.
ومن حق المتخصصين والباحثين في الإعلام أن يقوموا مسار هذه النظريات إن هي فشلت في التطبيق وذلك من خلال الكشف عن أسباب وعوامل الفشل»([1]).
إذن، ليست الإشكالية التي ينبغى طرحها، هي ما إذا كان من الممكن تأطير قواعد ونظم محددة لما يسمى بالإعلام، بل ما ينبغى أن يكتسبه ويتعلمه الإعلامي الذي يمارس الإعلام حقيقة.
إن التجارب وحدها التي تحدد معالم الطريق، والمحصلة النهائية لأي ثمرة إنسانية، لا تحمل أي فائدة إلا إذا فتنت بنار الممارسة ومعاناة التجربة، وميدان النشاط الإعلامي بكل منحنياته وعوائقه هو الذي يمكن أن يعول عليه في هذا المضمار، يمكن من خلاله فقط أن نعيد للمنهج العلمي التجريبي الإسلامي تألقه.
الدراسات الإسلامية المتعلقة بموضوع الإعلام سواء انبثقت عن ممارسات فعلية ونماذج تطبيقية أو من خلال أبحاث أكاديمية نظرية، ينبغي أن تكون لها مرجعية شرعية، ثابتة ومرنة مستمدة من حضارتنا الإسلامية، ومروية بالمعارف ومعطيات العلم التجريبي البحت، الذي يحكم وسائل الإعلام وأدواته.
هذه المرجعية التي ننشدها أشبه ما تكون بالشجرة، لا تنبت إلا ثمارًا تحمل صفات وخصائص تلك البذرة الأولى، وسواء أطلق عليها البعض مصطلح «الأصالة والمعاصرة» أو «الاتباع والإبداع»، فإننا نكون جانبنا الصواب، وبعثرنا الجهود، إن لم تكن أصول إعلامنا إسلامية الغرس، وعلمية الري.
النشاط الإعلامي الذي نطمح أن نرقى إلى مستواه، يمثل نشاطًا موسعًا، يهدف إلى توطيد العلاقة بين فهمنا للوحي «القرآن والسنة»، وما تستقبله عقولنا من سنن الله في الخلق «العلوم والمعارف»، ولا نقصد بهذا التوطيد بتاتًا إجراء مصالحة بين العقل والنقل، بل نقصد به تمزيق قناع الخصومة بين الشرع والعقل، ذلك القناع الذي افترضته، ثم نسجته مدارس علم الكلام، في أثناء صراعها الفكري القديم والمتجدد، لأن عقيدة التوحيد، تملى علينا أن الله سبحانه، خالق الطبيعة وواضع قوانين حركتها، ومسير سننها ونواميسها، ومطور أطوارها، هو سبحانه منزل الكتاب.
فالعلاقة بين العلم ومعطياته، والشرع وكلماته، علاقة انسجام منذ الأزل، وستبقى كذلك إلى الأبد، وما هذه الآراء التي مازالت تملى علينا، من تعارض بين السنن الكونية والوحي، سوى صنعة الهوى وتخيلاته، فمعطيات كتاب الله لمشاهد «الطبيعة»، فلا أمس ولا اليوم ولا غدًا، ستجد لسنة الله تبديلًا، أو تجد لسنته تحويلًا.
فالعلم، بمفهومه الواسع «معارف، معلومات عن الأشياء وتسمياتها، وظواهرها، وتطبيقاتها وتغيراتها...إلخ»، يجب أن يلازم الإعلامي المسلم ملازمه الروح للجسد، أثناء ممارسته لعمله، فهو طائر لا يكل ولا يمل، يحمل على أحد جناحيه أصالة المنهج، والتي بدونها يخرج من فضاء الإسلام، وعلى جناحه الآخر معطيات العلم، والتي بدونها يهوي في منتصف المسافة، أو يكون طيرانه مشوهًاوتحليقه مشدودًا نحو الهاوية، فالجمود والتقليد الذي لا يقبل المستجدات التقنية والعلمية القائمة على البرهان، عائق في فضاء الإعلام المسلم.
علنيا أن ندين إذن معظم الدراسات الفرضية والنظريات الأكاديمية غير المؤسسة على تجارب حقيقية ونماذج تطبيقية في الوقت الذي ندين فيه الجمود الفقهي في مجال الإعلام، لا من باب الهوى لا سمح الله، ولكننا نهدم ما لم يقم على برهان شرعي، ونؤسس ما يوافق البرهان الشرعي، ونحاول من خلال معطيات أي دراسة، بناء مؤسستنا الإعلامية داخل مؤسساتنا المختلفة: «التربوية والدعوية والإغاثية والوقفية... إلخ» على أساس القاعدة الشرعية الذهبية: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، مستظلين بسنة الله- صلى الله عليه وسلم: بـ «إن الله يحب إذا عمل أحدكم أحدكم عملًا أن يتقنه».
والإتقان لا يتأتى بدون الاستفادة من المعطيات التفنية التي حملتها الاكتشافات الحديثة والدراسات المعاصرة، وتطور وسائل الاتصالات السمعية والبصرية.
فإن ما فرضته التقنيات المعاصرة وثورة المعلومات، من تقدم علمي داخل أسس العمل الإعلامي «ملك للبشرية جمعاء لا تملك أمة احتكاره لنفسها، والإسلام يفرق بين الثقافة والمعرفة، فالثقافة مفهوم خاص، ولكل أمة من الأمم ثقافتها الخاصة بها. أما المعرفة وتراكم المعلومات البشرية فهي عامة يشترك في إدراكها والاستسلام لحقيقتها والاستفادة من معطياتها جميع البشر».
فالغوغائية التي قد تكون أثرًا من آثار التنظير، تهدر الطاقات، وتأكل الجهود كما تأكل النار الحطب، بل إن التضحيات المنطوية تحت رايات التقليد والجمود وتقديس ما ليس بمقدس، قد تذهب هباء منثورًا على الرغم من إخلاص المستظلين بظلالها، إذ إن العمل الصالح لا يقبل إلا بتحقق شرطيه: الإخلاص والصحة، وبهما معًا نقطع الطريق على أولئك الذي يلقون بتبعات عملهم الغوغائي من فشل وتخبط على كاهل القدر، ونحن أحوج ما نكون فيه إلى أن نغالب قدرًا بقدر، كما تشير بذلك أعمال ومنجزات ومفاهيم كبار الصحابة رضوان الله عليهم. «فأمانة حمل الدعوة وحسن تبليغها وامتلاك الحجة، والتحلي بالحكمة، والإخلاص في النية، والصواب في العمل، من الصناعات الثقيلة فعلًا.. ولعل مسألة الإعلام تعتبر جماع ذلك كله».([2])
يجب أن يسعى طموحنا إلى أكثر من دراسة النظريات والفروض وتأطير العمل الإعلامي ضمن قواعد محددة، ومعالم ثابتة، بل هو دعو ة مبنية على الممارسة الميدانية، لدراسة الإعلام الإسلامي دراسة واقعية، غير مكبلة بمقدمات نظرية وقواعد معدة سلفًا من بطون المراجع والدوريات والأبحاث النظرية، سواء كانت تلك الأبحاث محلية أو مستوردة بل نخضعها لميزان التجارب والتطبيقات، بعد أن نفتنها بمقاصد الشرع الذي يمثل نور الأصالة، وعلى ذلك الأساس نقبلها أو نردها.
السعي لإعادة تأهيل العقلية الإسلامية التجريبية، لا يقتصر على صعيد وسيلة محددة من وسائل الإعلام، بل على صعيد وسائل الإعلام كلها، ويتجاوز ذلك إلى تحديد العلاقة بين الإعلام بصفته علمًا من العلوم السلوكية، وبين التأثير المباشر وغير المباشر الذي تطبعه المواد الإعلامية داخل النفس البشرية، ومراقبة تلك الهزات والإيقاعات التي تعزفها المقالة أو الصورة أو اللقطة على أوتار القلب وتصورات الفكر، فالإعلام بالإضافة إلى كونه علمًا سلوكيًّا، هو فن أيضًا، تتفاوت فيه المواهب والاحتراف من شخص لآخر.
إن مرونة العمل الإعلامي وسهولة تبديل قواعده أو تعديلها أو حتى إلغائها، وخاصة حين يغطي الإعلام عملًا إغاثيًّا أو مشروعًا تنمويًّا وقفيًّا هي سر انتشار المادة الإعلامية وتقبل الجمهور لها.
إنها محاولة فهم للتفاعل بين رجل الإعلام والنشاط الذي يمارسه، وتنمية القدرة عنده على الاستفادة من التجربة.
وأخيرًا فإن تجربة فردية لشخص واحد، ليست المحك، ولا يجوز أن تكون كذلك، لأن النتائج التي يعول عليها، هي النتائج المستخلصة من مجموع تجارب الإعلاميين داخل مجتمع يسعى أفراده لنشر الخير والإصلاح والحث على الفضيلة.
واحة الشعر
سورة الإسراء والحق الضائع
شعر: حفيظ بن عجب الدوسري([3])
وقرآتها، وعلمت أني.. أبعث الحسرات في آياتها. يا سورة «الإسراء». يا ذكرى رسول الله.. صلى الله.. في نفحاتها... يا سورة «الإسراء» «أسرى الله... فيك بسيد الثقلين... نحو القبلة الأولى... على متن البراق... وهناك أم الأبنياء... جمعيهم، والمرسلين. يا سورة الإسراء... كان على البراق... يا سورة «الإسراء»... يا نور الهداية، واليقين... من المباركة الحبيبة... كان معراج الرسول.. إلى السماء، وذاك إثبات اليقين. وقرأتها، ورأيت حال المسجد الأقصى.. وقد قام الدم الموجود فيه من اليهود الغادرين... الغاصبين... وأعدت أولها، ولكني فشلت...، وقد ذهلت،... لأنني استيقظت أسمع... أنهم يبنون «هيكلهم» على... أنقاض مسجدنا الحزين... يا ضيعة الحق الذي تحميه... أيدي الخائنين... |
إني أحب محمدًا
شعر: محمد أبو دية
إذا أشرقت شمس وهبت نسائم |
| وغنت على الأغصان تلك الحمائم وعرب كرام كبروا وأعاجم ويا إخوتي صلوا عليه وسلموا |
([1]) د. البشر، محمد بن سعود- المسؤولية الاجتماعية في الإعلام- النظرية والتطبيق- انظر ص 9- 11، الطبعة الأولى 1996م، دار عالم الكتب- الرياض.
([2]) أ. د. عبد العليم محيي الدين- إشكالية العمل الإعلامي بين الثوابت والمعطيات العصرية- انظر للقدمة بقلم عمر عبيد حسنة- كتاب الأمة- رقم 64- سنة 1998م.
([3]) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
جوته والإسلام
حاول جوته أن يصل الغرب بالشرق، وأن يتعرف تأثير الفكر الإسلامي في وجدان الجمهور الغربي
ابتهال محمد البار
كم أضاء القرآن من قلوب مظلمة.. وكم هدى من أناس كانوا يتخبطون كالحيارى في الطريق بلا مرشد أودليل، ولا يزال القرآن يؤثر في النفوس فيأسر الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب على مر الأزمان والدهور، فيجعل المرء يخبت صاغرًا لله الذي أبدع هذه الكلمات المعجزة، وألقى بها على قلب مصطفاه- صلى الله عليه وسلم- لتسعد بها البشرية وتنال بها كل خير ومقصود، ومن هذه القلوب التي أراد لها الله أن تقف على جلال القرآن وكماله شاعر الألمان الأكبر جوته الذي اتصل بالعالم الشرقي والإسلامي اتصالًا روحيًّا قويًّا.
مولده ونشأته: ولد يوهان فولفانج جوته عام 1749م، في فرانكفورت، وكان والده جامعيًّا مثقفًا محبًّا للعلم والفنون، متمسكًا بالقيم والأخلاق، أما والدته فيقال إنه أخذ عنها رحابة الخيال الإبداعي. وقد لفت انتباه أهله ورفاقه ومعلميه في طفولته بذكائه وقدرته المبكرة في الشعر والنثر وسائر الفنون، وحين بلغ الخامسة والعشرين من عمره كتب روايته الشهيرة «الأم فرتر» ونالت شهرة عالمية جعلته في صدارة الإعلام. ثم تتابعت مؤلفاته، فكتب «فاوست» ومسرحية «ستيلا»، وسيرته «من حياتي: شعر وحقيقة»، كما نظم قصيدة مديح سماها «نشيد محمد»، تضمنت ثناء ومديحًا عظيمين لم يسبق لأي شاعر ألماني في أي عصر من العصور أن قدمها للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد عبرت عن مدى الولاء الذي يكنه الشاعر لشخصية النبي صلى الله علي وسلم، كما قام بعدد من الرحلات إلى إيطاليا وسويسرا ورحلات متفرقة في ألمانيا.
وفي الثلث الأول من القرن التاسع عشر، شهدت حياته تحولات كبيرة على المستوى الاجتماعي وحركات أدبية وفنية وفكرية ناشطة على المستوى الإبداعي، فقد عرف الكلاسيكية والرومانسية، وتابع الحركة الواقعية واستفاد منها جميعًا، حتى يمكن القول: إنه وسم العصر بحضوره، إذ لا يمكن حصره بكونه شاعرًا وكاتبًا فحسب، لأنه كان شديد الولع بجميع جوانب المعرفة، واسع الأفق، درس عددًا من اللغات القديمة والحديثة، منها العبرية التي بدأ بتعملها وهو في الثانية عشرة من عمره، والعربية التي حاول أن يتعملها. بالإضافة إلى بعض اللغات الأوربية، كما تابع ثقافات بلدان العالم مؤمنًا بأن الأدب العالمي نهر كبير تصب فيه روافد من كل صوب.
لذا لم ينحصر اهتمامه بالغرب، بل طالع مختارات مترجمة من الأدب العربي والفارسي، وقرأ الترجمتين الألمانية واللاتنية للقرآن الكريم، وألف بين الشرق والغرب في ديوانه «الديوان الشرقي والغربي»، كما قام بترجمة بعض المعلقات، وكتب عنها يقول: «وعند العرب الذي يسكنون في بقعة أقرب إلى الشرق، نجد كنوزًا رائعة في المعلقات، وهي قصائد.. نظمت في العصر السابق على مجيئ محمد، وكتبت بحروف من ذهب، وعلقت على أبواب بيت الله في مكة، وتعطي فكرة عن شعب بدوي محارب، يمتهن الرعي، تمزقه من الداخل المنازعات بين القبائل... وتعبر عن الشعور بالشرق والرغبة العارمة في الثأر، مع حزب في العشق، وكرم وإخلاص».
اهتمامه بالثقافة العربية
أما عن سبب اهتمامه بالثقافة العربية، فقد كان لفيلسوف التاريخ هردر، أثر كبير في ذلك، فهو الذي وجهة لدراسة القرآن الكريم، كما وجه أنظاره صوب الشعر العربي- وقد كتب هردر عن العرب قائلًا: «ألا ما أروع أشعار العرب، إنها حقًا مرآة لطريقتهم في التفكير وفي الحياة. إنه يتنفسون الحرية والإباء. وتملأ صدورهم روح المغامرة والشرف والطموح، والفروسية والشجاعة التي طالما استفزها الأخذ بالثأر من الأعداء، وفاء منهم للأصدقاء، وحفاظًا على عهد الحلفاء...». ويواصل إشادته بالعرب، ويسبغ عليهم أنفس الإطراء فيقول: «ولا يوجد شعب شجع الشعر، وارتقى به إلى تلك المنزلة التي ارتقى إليها العرب في عصورهم الزاهية.».
ومن المواقف الغريبة التي صنعتها إرادة الله لتكون سببًا في إقباله على الشرق، أن تاجرًا كان يعاني من مشكلات مادية اتصل به راجيًا منه التوسط لدى مكتبة دوقية فايمار لكي تشتري منه مجموعة كبيرة من المخطوطات الشرقية، ولم ينتظر جوته طويلًا، إذ سرعان ما طلب منه إحضارها. وتبين عند فحصها أنها تحتوي على عدد من المصاحف، مع شروح وتفاسير، بالإضافة إلى مخطوطات نفيسة اشتملت على ألوان من الأدب العربي والفارسي والتركي، وبحوث ودراسات وشروح في النحو وما شابه ذلك.
ولما كان جوته يتولى الإشراف على مكتبة الدوقية، فقد كان اقتناء مثل هذه الكتب يتوقف إلى حد كبير على قراره. وبالفعل، أوصى باقتنائها، وكانت حصيلة هذه المواقف، أن توجه صوب الشرق، وقام بدراسات واسعة، فطالع كتبًا في السيرة النبوية، واطلع على ديوان الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، وتأثر به كثيرًا، واستلهم منه بعض القصائد، وقرأ مختارات أدبية مترجمة، وكتبًا في النحو، وتشهد مذكراته اليومية على مساعيه المتكررة لتعلم قواعد اللغة العربية. بعد هذه المطالعات الواسعة، كون رأيه في الأمة العربية، إذ يقول: «هؤلاء الشعراء تحضرهم كل الأشياء، ويربطون بسهولة بين أشد الأشياء بعدًا وتباينًا، ولهذا، فإنهم يقتربون ما نسميه بالذكاء أو الروح أو الدعابة.. ومع ذلك، فإن هذه المزايا ليست مقصورة على الشعراء وحدهم، فالأمة كلها تتميز بالفطنة والدعابة، كما يستنتج من الحكايات والنوادر التي لا حصر لها».
موقفه من الإسلام
هذا عن إعجابه واهتمامه بالأمة الشرقية، أما عن اهتمامه بالإسلام، فلعل السبب في إعجابه الشديد به هو تطابق بعض أفكاره الرئيسة مع معتقداته الشخصية، مما أيقظ في نفسه التعاطف العميق معه. فقد دون عددًا من الآيات تكشف عن جوانب من العقيدة الإسلامية، كان مهتمًا بها كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112)، فلم يكن من قبيل المصادفة أن دون ترجمة لهذه الآية التي تؤكد أن التقوى والإيمان الحق لا يظهر من خلال الاعتقاد فحسب، بل لابد أن يثبت وجوده عن طريق أعمال البر والإحسان وللآخرين.
ومن المواضيع التي استرعت انتباهه موضوع تبليغ الرسالة الإلهية عن طريق عديد من الرسل إلى مختلف الأمم، إذ لم يكن مستعدًأ لأن يعترف بالمسيح- عليه السلام- وحده دون بقية الرسل، وكان كثير الجدل والنقاش مع أصدقائه حول هذا الموضوع. ومن ذلك أيضًا ما رآه في هذا الدين من فكرة التسليم، إذ يقول: «إن التفويض والتسليم هما القاعدتان الحقيقيتان لكل دين، وكذا الخضوع لإرادة علاي تسيطر على مجرى الأمور، ولا نستطيع إدراكها...»، كما عجبه ما رآه في هذا الدين من جانب إيجابي يميل إلى توكيد الفعل وتوكيد الحياة عن طريق الفعل ورفض الانهزامية والسلبية.
ولهذا نراه في كتاب «الخلد» من «الديوان الشرقي» لا يعنيه من بين الذين دخلوا الجنة من المسلمين غير الشهداء الذي قتلوا في سبيل الله، ويفصل القول في وصف جنة الشهداء وصفًا دقيقًا كالوصف الذي ورد في سورتي «الرحمن» و«الواقعة» على وجه التخصيص.
وقد كان اهتمامه بالإسلام في بادئ الأمر جزءًا من تطلع الشباب المثقف لاتخاذ مواقف تتسم بسعة الأفق، وعدم التحيز، وانطلاقًا من هذه المواقف، أخذ يعارض وجهة النظر النصرانية المتشددة التي لم يكن لديها الاستعداد للاعتراف إلا بدين واحد. أما عن دراسته العميقة للقرآن، فقد كانت نابعة من ظمئه الشديد لتعرف الدين الصحيح، إذ تشهد سيرة حياته على أنه منذ صباه كان يفتش عن ديانة تناسبه، ولا ريب في أن أحد الأسباب الأساسية لإكبار جوته للقرآن، كان يكمن في إحساسه بقيمته اللغوية المتميزة.
ويعبر عن رأيه في أسلوب القرآن بقوله: «إن أسلوب القرآن.. محكم، سام، مثير للدهشة، وفي مواضع عديدة يبلغ قمة السمو حقًّا».
ومن العجيب أنه يصف القرآن بهذا الإطراء وهو لم يقرأه إلا بالألمانية واللاتينية، فماذا كان سيقول لو قرأه بالعربية؟
نماذج من أشعاره
وأخيرًا نسوق نماذج من أعماله التي استلهم فيها بعض المعاني الإسلامية:
يقول في قصيدة «هجرة» التي أشار من خلالها إلى رغبته في أن يهاجر كما هاجر محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ففي المقطع الأول من القصيدة، يهاجر الشاعر إلى الشرق الصافي وتعني هذه الهجرة الروحية إلى أماكن بعيدة مرحلة جديدة في حياة الشاعر:
«إلى هناك حيث الطهر والحق والصفاء أود أن أقود الأجناس البشرية وأنفذ بها في أعماق الأصل السحيق حين كانت تتلقى من لدن الرب وحي السماء بلغة الأرض» |
وفي كتاب «الحكم» من ديوانه يربط بين موضوع التسليم بمشئية الله والتسامح فيقول:
«من حماقة الإنسان في دنياه أن يتعصب كل منا لما يراه وإذا كان الإسلام معناه أن لله التسليم فعلى الإسلام، نحيا ونموت نحن أجمعين» |
ويقول:
«إذا امتحنك القدر، فهو يعلم جيدًا لماذا إنه يريد منك القناعة. فأطع دونما اعتراض» |
وبعد هذه المحاولات الجهيدة لوصل الشرق بالغرب، حاول جوته أن يتعرف تأثير الفكرالإسلامي في وجدان الجمهور الغربي، فاغتنم كل فرصة أتاحتها له رحلاته للتحدث مع بعض الأصدقاء والعلماء عن المؤلفات الشرقية، وإلقاء نصوص شعرية مترجمة عن العربية والفارسية، كما قرأ على عدد كبير من السيدات المثقفات ترجمة لبعض سور القرآن، وكان منهن أرملة الشاعر «شلر».
ونختم هذا المقال بقصيدة «طابت ليلتكم» التي يودع فيها الشاعر الألماني قومه ومعاصريه، ويعلن فيها عن اعتزاله للحياة الأرضية، وتعبر الأبيات عن الصورة التي يود أن تتذكره بها الأجيال المقبلة:
«نامي الآن، أيتها القصائد العزيزة على صدر شعبي ولينشر جبريل بفضله سحابة مسك فوق الجسد المكدود حتى يمضي الشاعر، وهو معافى فيشق الصخر ويجوب سعيدًا مع أبطال كل العصور جنات الخلد الواسعة». |
ترجمة كتب إسلامية إلى اللغة الإسبانية
قام مكتب الثقافة والدعوة الإسلامية في الأرجنتين بترجمة بعض الكتب الإسلامية إلى اللغة الإسبانية وطباعتها وتوزيعها على الجمعيات والمراكز الإسلامية في الأرجنتين والدول المجاورة الناطقة بهذه اللغة.
وقال المهندس محمد يوسف هاجر- مدير المكتب-: إنه حرصًا من القائمين على مكتب الثقافة على أن يتعرف غير المسلمين على الإسلام فقد قام بتوزيع عدد من هذه الكتب والمطويات على المراكز الثقافية والمكتبات الحكومية الأرجنتينية المهمة.
والجدير بالذكر أن الكتب التي قام المكتب بترجمتها إلى اللغة الأسبانية هي: صحيح مسلم «الجزء الأول والثاني»، الخلفاء الراشدون، صور من حياة الصحابة، المذكرة الفقهية، الجنازة في الإسلام، أريد أن أتوب، الأدعية والأذكار، كما أنه أصدر مطويات حملت عناوين: الله سبحانه وتعالى، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حقوق الإنسان في الإسلام، العدل والمساواة في الإسلام، النظام الأخلاقي في الإسلام، العبادة في الإسلام- المسيح- عليه السلام- في القرآن، تعريف بالإسلام، القرآن الكريم، القرآن والإنجيل.
كما وضع المكتب منذ أكثر من سنة مضت موقعًا على شبكة الإنترنت باللغة الإسبانية وما يحتويه هذا الموقع باللغة العربية ووسيلة الإتصال به هي:
WWW.islamerica.org.ar
المهندس محمد يوسف هاجر
مدير المكتب
المراجع
(1) بدوي، عبد الرحمن، 1980، جوته الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
(2) كاتارينا مومزن، جوته والعالم العربي، 1994م، ترجمة: عدنان عباس، سلسلة عالم المعرفة.
(3) الموسوعة العربية العالمية 8/ 580.
في ظل محاولات التدخل الأجنبي بزعم حماية الأقليات
دعوة جديدة لإحياء اللغة القبطية
* مثقفون أقباط: اللغة القبطية غير مقدسة ولا علاقة لها بالديانة النصراني.. وتلك الدعوة مصيرها الفشل.
* الدعوة بدأها المستشرقون وانتقلت إلى الكنيسة ثم إلى غلاة الطائفيين.
القاهرة: قطب العربي
تجددت في القاهرة مؤخرًا الدعوة إلى إحياء اللغة القبطية، وهي دعوة تحمل في ظاهرها الحفاظ على التراث القديم، ولكنها تعبر في الحقيقة عن نوازع طائفية بغيضة ولعل أبرز دليل على ذلك أن دعاة إحيائها اليوم هم من وجوه التعصب والطائفية كما كان أسلافهم في عهد الاحتلال الإنجليزي أو جماعة الأمة القبطية في أوائل الخمسينيات.
جاءت الدعوة الجديدة لإحياء القبطية عبر صحيفة «وطني» الأسبوعية وهي الصحيفة النصرانية الرئيسية المتداولة في الأسواق المصرية، وجاءت الدعوة بمناسبة موافقة جامعة القاهرة على افتتاح قسم للغة الأرمينية بكلية الآداب ومن ثم جاءت المطالبة بإنشاء قسم مماثل للغة القبطية رغم عدم التشابه بين الحالتين، إذ إن اللغة الأرمينية تعبر عن هوية قومية لأصحابها وهو ما لا يصدق على اللغة القبطية.
ورغم أن الدعوة جاءت مغلفة في إطار أكاديمي مما يجعلها مقبولة من البعض بحجة تعرف التراث القبطي والحفاظ عليه، إلا أن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد إذ إن صحيفة «وطني» التي جددت الدعوة تخصص ركنًا ثابتًا على صفحاتها لتعليم اللغة القبطية لعموم المواطنين الأقباط بعد أن كان ذلك يتم على صفحات «مجلة الكرازة» التي تصدرها البطيركية، ويرأس تحريرها الأنبا شنودة والتي توزع داخل الكنائس فقط.
لقد بذلت محاولات عدة من قبل لإحياء اللغة القبطية لكن التجاوب معها كان ضعيفًا جدًّا ولم تخرج اللغة القبطية عن أسوار الكنائس إلا نادرًا حين كان بعض الأسر النصرانية المتزمتة في صعيد مصر تتحدث بهذه اللغة داخل منازلها من باب إثبات الذات والتحدي للحضارة واللغة السائدة «العربية» ويرجع سبب فضل الدعوات لإحياء اللغة القبطية إلى كونها لغة قديمة ومعقدة وفي الوقت نفسه ليست مقدسة عند الأقباط وليست جزءًا من الإيمان النصراني وإذا كان الكثير من التراث النصراني قد دون باللغة القبطية فلكونها اللغة السائدة في ذلك الوقت بدليل أن الكثير من المخطوطات النصرانية، دونت أيضًا باللغة العربية أو اليونانية.
حسب المصادر النصرانية كانت اللغة القبطية اللغة المصرية القديمة التي كان يتكلم بها سكان وادي النيل منذ ستة آلاف سنة قبل الميلاد «أي قبل ظهور النصرانية» وإلى القرن الثالث عشر الميلادي وهي تمثل اللهجة الدارجة للهيروغليفية «المصرية القديمة» المنقوشة على جدران المعابد والمسلات وقد شهدت هذه اللغة تعديلات جوهرية عبر الزمن وعبر تعدد الأنظمة ودخول أجناس أجنبة مختلفة حيث تم إدخال مفردات وتعبيرات أغلبها يونانية وكتبت بدءًا من القرن الثاني الميلادي بحروف يونانية وظل التطور يلاحقها حتى وصلت إلى القبطية الحالية ويوجد منها الآن ثلاث قراءات هي: الهيروغليفية والديموتيقية.
وإذا كانت اللغة القبطية قد تغيرت وكتبت بالحروف اليونانية بدءًا من القرن الثاني الميلادي لأن السلطة الحاكمة في ذلك الوقت فرضتها بالقوة على أهالي البلاد فإن شيئًا من ذلك لم يحدث بعد الفتح الإسلامي لمصر، حيث لم يتدخل الولاة والسلاطين المسلمون لفرض اللغة العربية بالقوة وطمس اللغة القبطية بدليل أنها ظلت متداولة حتى القرن الثالث عشر الميلادي أي بعد أكثر من ستمائة سنة من دخول الإسلام وفي بعض الروايات استمرت في بعض مناطق الصعيد إلى القرن السابع عشر الميلادي وكل الذي حدث أن الأقباط أقبلوا على تعلم اللغة العربية طواعية حتى يحافظوا على وظائفهم ومواقعهم المهمة في دواوين الحكومية، وحتى تأقلموا مع الوضع الجديد، وربما لو حدث العكس أي لو فرضت اللغة العربية بالقوة لتمسك الأقباط بلغتهم وقاوموا التعريب بشراسة وحولوا الأمر إلى حرب دينية لكنهم أقبلوا على تعلم العربية وكتب الكثير من رجال الدين النصارى مؤلفاتهم اللاهوتية باللغة العربية.
الدور الأجنبي
بدأت الدعوة لإحياء القبطية في العصر الحديث على أيدي المستشرقين الأجانب الذين وفدوا إلى مصر مع بدايات القرن التاسع عشر ثم انتقلت الدعوة إلى الكنيسة في عهد البابا كيرلس الرابع الملقب بأبي الإصلاح 1854- 1861م حيث أمر بتدريس اللغة القبطية إلى جانب اللغات الأخرى في مدارس الأقباط وأمر بصرف راتب شهري للكهنة الذين يجيدون القبطية ويقومون بتعليمها لأفراد الشعب القبطي وأحضر مطبعة خاصة لطبع الكتب باللغة القبطية، كما أصدر أقلاديوس يوحنا لبيب أول قاموس للغة القبطية 1894م وتواصلت الدعوات لإحياء القبطية حتى ظهرت جماعة الأمة القبطية أوائل الخمسينيات من القرن العشرين برئاسة الدكتور إبراهيم هلال المحامي، والتي كانت تدعو إلى إبراز الهوية القومية الخاصة للأقباط، وبالتالي إحياء لغتهم القبطية ثم انتقلت الدعوة أواخر السبعينيات مرة أخرى إلى الكنيسة حيث خصصت مجلتها «الكرازة» صفحات لتعليم اللغة القبطية والتي انتقلت في التسعينيات إلى صحيفة «وطني».
وحين برزت الدعوة الجديدة لإحياء القبطية تنوعت ردود أفعال الأقباط وإن كان يغلب عليها الرفض لأسباب دينية وتاريخية ووطنية وحتى فنية، فالمستشار الدكتور إدوار غالي الدهبي- رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق وعضو مجلس الشعب الحالي- يقول: إن هذه الدعوة نوع من العنصرية البغيضة وأن مآلها إلى الفشل حتمًا لأن الأقباط في مصر قد اصطبغوا جميعًا بصبغة الحضارة الإسلامية العربية واللغة أيًّا كانت ليست من عناصر الديانة، ولذلك نجد أن الأقباط قد غيروا للغتهم ولكنهم تمسكوا بديانتهم، فالديانة النصرانية لا تتطلب التحدث بلغة معينة، أما الدعوة إلى إعادة وإحياء لغة قد انقرضت بمرور الزمن فهذا نوع من السفسطة التي لا أساس لها، ولن يستجيب لها الأقباط في مصر لأنها غير مؤثرة في ديانتهم.
ويضيف المستشار الدهبي أن اللغة القبطية أخذت فرصتها واندثرت واللغات تتطور بمرور الزمن، ولا يمكن إعادة عجلة الزمان إلى الوراء فهذا يحدث فرقة كبيرة بين أبناء الوطن الواحد لأن من عناصر الوطنية أننا جميعًا نتكلم لغة واحدة.
أما المفكر القبطي د. سمير مرقص- الأمين العام المساعد لمجلس كنائس الشرق الأوسط- فيؤكد أنه غير متحمس للغة القبطية ويقول: إن الأجيال الجديدة لا تعرف القبطية، كما أن الصلوات تؤدي الآن باللغة العربية ويتم ترجمتها لأقباط المهجر باللغات السائدة في أقطارهم سواء كانت إنجليزية أو فرنسية أو ألمانية.. إلخ، أما القول بضرورة المساواة مع اللغة الأرمينية فهو قول مغلوط لأن اللغة الأرمينية جزء لا يتجزأ من الانتماء القومي للأرمن بينما اللغة القبطية ليست كذلك.
ويقول سمير مرقص: إن اللغة القبطية تدرس بالفعل منذ وقت طويل في الكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية وفي كلية الآثار، ومن أراد أن يتعلمها فليلتحق بأي من هذه الأماكن ولكن إذا وافقت الحكومة على افتتاح قسم للغة القبطية بهدف دراسة التراث القبطي بشكل أكاديمي فهذا يعطي المسألة بعدًا قوميًّا ويقطع الطريق على دعاة الفتنة، أما الدعوة إلى إحيائها بشكل عام في الحياة اليومية فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلًا، وهاذ ما يؤكده أيضًا الكاتب الصحفي سامح فوزي- الصحفي بجريدة «وطني» صاحبة الدعوة الجديدة- والذي يرى أيضًا أن هناك ثلاثة اتجاهات بخصوص هذه المسألة ينبغي عدم الخلط بينها.
الهوية القبطية!
الاتجاه الأول: يرى أن تدريس اللغة القبطية وتوسيع نطاق العالمين بها يعد مدخلًا لتعميق الهوية القبطية، ويقود هذا التيار نفر قليل من الأقباط وهو موقف مرفوض جملة وتفصيلًا، لأن الأقباط في مصر اختاروا خيار التعريب منذ قرون طويلة، علاوة على أن زمن العولمة يزيل الحدود والفواصل الثقافية وليس من المقبول وضع حدود جديدة.
الاتجاه الثاني: يرى أن تدريس اللغة القبطية أسوة باللغات القديمة الأخرى شيء مفيد، ولاسيما أن اللغة القبطية هي أحدث تطور لحق باللغة المصرية القديمة وهذا الاتجاه لا يرى- كما يبدو- تدريس القبطية بعثًا لحضارة قبطية بقدر ما يرى في ذلك تأكيدًا على التواصل الحضاري.
الاتجاه الثالث: يرى أن إحدى مشكلات الأقباط في مصر تتمثل في عدم السماح بتدريس اللغة القبطية بشكل رسمي إلا في أضيق نطاق وعدم إعطاء أي حوافز لمن يقوم بتدريسها، ويدعو هذا الاتجاه إلى رد الاعتبار إلى القبطي وفي تقديري- والكلام للكاتب القبطي- أن المناخ المضطرب الذي تشهده مصر منذ سنوات يتسبب من آن لآخر في إثارة المشكلة وتعميق الشعور بها.
دعوة طائفية
أما الباحث الاجتماعي القبطي هاني لبيب فيرى أن الدعوة إلى إحياء اللغة القبطية هي دعوة طائفية مبتذلة في ظل النعرات الطائفية وفي ظل إصدار قوانين أمريكية لحماية الأقليات، فالمطالبة في هذا التوقيت بالذات من شأنها أن تفجر صراعات دينية وطائفية.
ويؤكد الباحث القبطي أنه يرفض تمامًا فكرة إحياء القبطية على المستوى العام، لكنه يحبذ إنشاء قسم لدراستها بشكل أكاديمي حتى يمكن فهم ودراسة التاريخ القبطي والذي مثل حقبة نضال ضد الاستعمار الأجنبي، وضد محاولات السيطرة على الكنيسة الوطنية وفي هذه النقطة بالذات يؤكد الباحث أن إهمال الحقبة القبطية من مناهج التاريخ المصرية ليس مسألة اضطهاد للأقباط ولكن ذلك يرجع لكون هذه المرحلة كانت تمثل حقبة جهاد ضد الاستعمار الروماني، وهذا ما يتنافى مع الاتجاه الحالي باستبعاد كل ما من شأنه أن يوقظ فكرة الجهاد في نفوس المصريين سواء كان ذلك في التاريخ الإسلامي أو النصراني.
وعن وجهة النظر الدينية في الموضوع تحدث القس إبراهيم عبد السيد- كاهن كنيسة مارجرجس بالمعادي «قبيل وفاته»- مؤكدًا أن اللغة القبطية «هي لغة الأجداد ولكنها لغة غير مقدسة، فقد ورد في الإنجيل في سفر أعمال الرسل أن من بين اللغات الوارد ذكرها اللغة العربية، أما القبطية فلم يرد لها ذكر، وقد ظلت اللغة القبطية سائدة حتى القرن الثالث عشر الميلادي ثم تناقص من يجيدونها أو يتعاملون بها حتى اندثرت وأصبحت محصورة فقط في الكنائس كلغة صلاة، بل إن هناك دعوة مضادة تدعو إلى التعريب الكامل للصلاة حتى يتحقق قول الإنجيل: إن من يصلي يجب أن يفهمه الناس، كما ورد في رسائل بولس الرسول، وقد بدأت الدعوة لهذه الفكرة على صفحات جريدة «مصر» اليومية المسائية منذ عام 1956م، وقد هاجمني الكثيرون وقتها ولكن بعد مرور أربعين سنة على هذه الدعوة نجد أن الصلوات تؤدي الآن باللغة العربية فيما عدا بعض الأجزاء التي تؤدي بالقبطية».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل