; المجتمع الثقافي: المجتمع (1755) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: المجتمع (1755)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 09-يونيو-2007

مشاهدات 75

نشر في العدد 1755

نشر في الصفحة 42

السبت 09-يونيو-2007

إعداد: مبارك عبد الله

أنماط العنف في الثقافة الغربية

محمد حلمي عبد الوهاب

نقصد بأنماط العنف جملة المعتقدات التي تفصح عن المواقف السائدة في الثقافة الغربية، أي بوصفها قالبًا عقليًا ثقافيًا أو إطارًا تعبيريًا لأنماط المعتقدات والمواقف والسلوك المتعلقة بالعنف، والذي هو عبارة عن خطاب أو فعل مؤذٍ أو مدمر يقوم به فرد أو جماعة ضد أخرى. 

وتشتمل أنماط العنف في الثقافة الغربية على كل من نظرية العنف الفطري وأسطورة البطل، وديناميكية استغلال القاتل / الضحية، والتقابل الثنائي ما بين العقل / الجسد... إلخ.

وتعبر أنماط العنف عن العلاقة بين الإنسان والجماعة بطريقة معينة، لأن جوهرها يتمثل في الاعتقاد القائل بأن الأفراد عنيفون بفطرتهم، ومن ثم تتطلب السيطرة عليهم وجود بني جماعية خارجية يصبح النظام الثقافي بفضلها قادرًا على تشريع العنف وعقلنته واستخدامه ضد «العنيفين» كأداة سيطرة اجتماعية، وهكذا يصبح النظام الثقافي بمثابة بنية «استخدام للعنف من أجل العنف» تعزز ذاتها وتديمها. 

يفضي هذا المنهج الشكي في فطرية العنف إلى نتيجة حتمية مفادها: أنه إذا ما تغيرت الافتراضات التعريفية للعنف فسوف تتغير أيضًا الافتراضات التعريفية لوسائل الردع والسيطرة. 

وتبعًا لذلك فإن أنماط العنف الثقافية عبارة عن «مجموعة رمزية من أشكال السيطرة الاجتماعية المرئية وغير المرئية تجاه العنف يتم الإفصاح عن آثارها والفرضيات التي تحركها في نمط من المعتقدات والمواقف والتصرفات الثقافية».

 ومن الملاحظ – في إطار الثقافة الغربية – وجود فجوة في الخطاب الثقافي تتعلق بماهية العنف، ومع أن وسائل الإعلام والأخبار تدين العنف فإنها في الوقت ذاته تمثله بشكل كبير من حيث هو أداة وضرورة من ضرورات حل الصراعات، وفض النزاعات الشخصية والدولية على حد سواء، وهو ما يعني أن المعتقدات السائدة - والحالة هذه – تحجب عن قصد أو عن غير قصد بعض المواقف والتصرفات، وتعقلنها / تشرعنها، وتجرى إعادة ترميز العنف والسلوك الاجتماعي عبر إعادة تفسير التجربة التي تظهر شكلًا مستمرًا لـ «ميكانزيم» الثقافة الغربية، وهو تحويل الصدمة من جيل إلى آخر، وتجسيدها في جملة المواقف والاعتقادات الثقافية المؤمنة بالعنف الفطري. 

إن الثقافة الغربية المفعمة بخوف خاطئ من عنف الآخر قد تحول دون ثلاثة أهداف مهمة للمستقبل، وهي:

-  أننا قادرون على أن نصبح مسؤولين عن سلوكنا وتغييره.

- أن استخدام العنف في حسم الصراع يمكن عده خيارًا، وليس حتمية للتعبير عن الغيظ والغضب.

- أنه يمكن تنحية التكنولوجيا من قالب الغزو والتدمير الذرائعي وتطويرها من حيث هي وسيلة خلق وارتباط جماعي، بهذه الطريقة يمكننا أن نتصور الإنسان ضمن علاقات تبادل تخضع الأنماط الثقافية للعنف للتغيير والتطور. 

وأخيرًا، يستلزم التحول من العنف إلى الاحترام إعادة تقويم شاملة للعلاقات الإنسانية ضمن الثقافة: فالعنف في الأساس عبارة عن استجابة سلوكية مكتسبة ومروضة من خلال الموروث والمحاكاة الرمزية، والتجربة.

مزبلة التاريخ

فداء الدين السيد عيسى

كان يتبادر إلى ذهني الكثير من المعاني المتقاتلة المتشاجرة عن مصطلح «مزبلة التاريخ» كلما قرأته أو سمعت عنه في قضايا اجتماعية وسياسية مختلفة، كنت أشعر به دون القدرة على وصفه أو تحليله او مجرد تفسيره.

ما هي مزبلة التاريخ؟ ولماذا تطلق هذه الكلمة؟ وأين تقع؟ وهل لها مساحة جيوغرافية محددة؟ ومن المسؤول عنها؟ وكيف بدأت؟ ومتى بدأت؟ من سكانها؟ ما طبيعتها؟ وما العلاقة بينها وبين شقائق النعمان؟!

فكلما اتسع أفق الإنسان اتسعت معه التفاسير المختلفة عن الوجدان والوجود ليصيرا سفرًا لا نهاية له، ومعها تتسع المصطلحات، ويصبح لكل إنسان عالم شبه كامل من الأفكار التي يبنيها بقدرته التي أوتيها والمجتمع والثقافة من حولها. 

عشت زمانًا وأنا أتابع بعض المسرحيات الساخرة، وقدرتها الرائعة على إيصال المعلومة بطريقة مبكية مضحكة في نفس الوقت، وهو أمر لا يقدر عليه الكثيرون، وفي كل مرة أتابع فيها هذه الأعمال المسرحية الساخرة يصادقني المصطلح المتكرر «مزبلة التاريخ» بصور شتى ووجوه مختلفة ولقطات فنية عجيبة، وفي كل مرة أتعرف عليها بطريقة خاصة وطعم له لذة فريدة.

حاولت أن أعصر كل أفكاري لأضع لـ «مزبلة التاريخ» اصطلاحًا علميًا واضحًا، وفي الحقيقة لم تستعص علي لكثرة النماذج والأمثلة في عصرنا، حتى صاروا نماذج سطرت أسماؤهم بوابل من الغضب. 

إنني أحاول جاهدًا أن أبتعد عن كلمة «مزبلة» لما ارتبط بها من صور قذرة وفضولية سيئة، لكنها أجبرتني على تقبلها لأنني لم أجد كلمة معبرة واضحة تستحقها النماذج المتكررة على مدى التاريخ، فلنصبر جميعًا على سوء اللفظ لنصل إلى حسن المعنى. 

«مزبلة التاريخ» مصطلح علمي شعبي يطلق على سلة مهملات من نوع آخر، يلقى بها كل شخص وعمل وحادثة ومؤسسة جعلت من الهزيمة ثقافة، ومن الخرافة فكرًا، ومن الظلم دستورًا، ومن السيف والزنازين ملجأً، ومن الاستبداد وسيلة، ومن العنف قانونًا، ومن النفاق سبيلًا.. باختصار هي فضلات تاريخية.

رشفة أدبية

عبد الله القحطاني

حل رجل حضري، ضيفًا على أحد زعماء القبائل في البادية، فبالغ القوم في إكرامه والحفاوة به. 

وحين آوى إلى فراشه، لم يستطع النوم، لعدم تعوده على نوع الفراش ومشاهد البيئة البدوية المحيطة به والتي لم يألفها! 

وفي الصباح قام باكرًا، والناس نيام، فكتب أبياتًا من الشعر على قطعة كبيرة من الخشب وانسل خارجًا من مضارب القبيلة مبتعدًا عنها.

حين أفاق أصحاب البيت، لم يجدوا الضيف ووجدوا الأبيات.. فقرأها بعضهم، فاستبد بهم الغضب، وأخذتهم الحمية، وهموا بركوب خيلهم، للحاق بالرجل، والانتقام منه بسبب أبياته التي كتبها، وحين سألهم صاحب البيت، زعيم القبيلة، عن سر غضبهم وحميتهم، قرأ له أحدهم الأبيات، وهي:

من رام أن يلقى تباريح الكرب               من نفسه فليأت أجلاف العرب

ير الجمال والجلال والخشب               والشعر والأوبار.. كيفما انقلب

أسرق خلق الله.. عن أم واب                 وأخشن الناس وأخزى من نهب

تألم الشيخ لسماع الأبيات، وجحود الرجل، الذي حظي بإكرام بالغ، فرد على الجميل بهذا السلوك القبيح، لكن الشيخ كتم ألمه في نفسه، وقرر أن يبادر إلى معالجة الموقف بحكمة كيلا يلحق رجاله الضيف ويؤذوه.. فقال للرجال: هل أنتم متأكدون من أنكم قرأتم الأبيات بشكل صحيح؟ فقالوا له: نعم يا شيخ، وأعادوا له قراءتها، كما قرأوها أول مرة.

فتبسم الشيخ - وكان شاعرًا - وقال لهم بهدوء وثقة: لا لا.. أنتم أخطأتم في قراءة الأبيات، فهي لا تقرأ هكذا!

فسأله أحدهم: وكيف تقرأ يا شيخ؟ فقال الشيخ: تقرأ هكذا!

من رام أن يلقي تباريح الكرب             عن نفسه، فليأت أخلاف العرب

ير الجمال، والجلال، والأدب               والشعر والأوتار.. كيفما انقلب

أشرف خلق الله.. عن أم وأب              واحسن الناس وأجزى من وهب

وبذلك جمع الشيخ الحكمة، مع كرم اليد، وكرم النفس.. وأكرم ضيفه بداية، وحفظه من الانتقام على سوء فعله، في النهاية.

طفل حزين

شعر: سيف الفارس 

نظرت إلى صورة طفل حزين، قد وسد رأسه بذراعه، وجلس أمام داره المهجورة، فأثار في نفسي شجونًا عبرت عنها بهذه الأبيات:

أشعلت نار الحزن في أعماقي             وشددت بالصمت الرهيب وثاقي

وأثرت عينًا لا تترجم حزنها               إلا بنهر دموعها الدفاق

طفل يلف همومه بذراعه                ليضم رأسًا ملَّ من إطراق

طفل ودار قد تهالك سقفها              والباب أشرع دونما إغلاق

طفل يذوق من المآسي والعنت         ومن الليالي السود مر مذاق

طفل يعبر عن مصائب أمتي              في أرض قدس أو بأرض عراق

ولسان حال الطفل يصرخ حرقة         ممزوجة من لوعة الأشواق

أين الأب الحاني وأين أحبتي               أمي وأختي صحبتي ورفاقي؟

قتلوا فأظلمت الحياة بناظري            وبكيت فقدًا ليس فيه تلاقي

صرخات طفل جلجلت من حولنا       وجرت مدامعه على الأحداق

لكن قومي لم يجيبوا ويحهم               ما بالهم صاروا بغير خلاق!

يا ليتهم لبوا نداء مشرد                      أو متعب أو مقعد ومعاق

يا رب طال زمان ليل مظلم                 فامنن إله الكون بالإشراق

النهضة الإسلامية

من خلال سير أعلامها

بقلم: د. حلمي محمد القاعود: أستاذ النقد والأدب – مصر

الدكتور «محمد رجب البيومي» من الأدباء العلماء الذين أثروا – وما زالوا – حياتنا الأدبية والفكرية بالعديد من الآثار المهمة في مختلف الفنون الأدبية والمجالات العلمية، فهناك عشرات الكتب في الأدب والبلاغة والنقد والتفسير والسيرة والتاريخ والدفاع عن الإسلام، فضلا عن دواوين شعرية ومسرحيات شعرية ونثرية، وقصص تاريخية وقصص للأطفال، بالإضافة إلى مقالاته وبحوثه التي لم يتوقف نشرها منذ بدأ الكتابة حتى اليوم، حيث يتولى رئاسة تحرير أقدم المجلات الإسلامية في العصر الحديث – أعني مجلة الأزهر.

ومن عناوين بعض كتبه.. البيان القرآني البيان النبوي - الأدب الأندلسي بين التأثير والتأثر - نظرات أدبية «4 أجزاء» – حديث القلم – التفسير القرآني – الأزهر بين السياسة وحرية الفكر – مع الأبطال – في ميزان الإسلام - في ظلال السيرة – من شرفات التاريخ.

التاريخ الحي

ويعد كتابه «النهضة الإسلامية من خلال سير أعلامها المعاصرين» الذي صدر في خمسة مجلدات «تقع في خمسمائة وألفي صفحة من القطع الكبير»، من أهم مؤلفاته التي حققت هدفين مهمين: 

أولهما: إنصاف عدد كبير من أعلام النهضة الإسلامية، قاموا بأدوار عظيمة في خدمة الإسلام والأمة، وتجاهلتهم أجهزة الإعلام والثقافة، أو لم توفهم حقهم، كما ينبغي أو يليق. 

الآخر: أنه لم يكتف برصد ما يتعلق بالجانب التاريخي الجاف، ولكنه تجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته بالتاريخ الحي، الذي يكشف عن دور العلم صاحب الترجمة، في مجال النهضة الإسلامية المعاصرة، ومدى ما قدمه من جهد - وبذله من عطاء - وكان ذلك منهجه الذي اتبعه في سباق التعامل مع أكثر من مائة شخصية عربية إسلامية تبدأ من سيبيريا في أقصى الغرب الآسيوي، حتى إنجلترا التي كانت تمثل القوة العظمى ذات يوم، وضمت رجالًا ينتسبون إلى الإسلام، وقاموا بالدفاع عنه دفاعًا مجيدًا. 

إننا نستطيع أن نعيش في هذا الكتاب، مع عبد الرشيد إبراهيم داعية آسيا، ومحمد الخضر حسين وعبد الحميد بن باديس الإمام الجزائري المجاهد، ومحمد إقبال شاعر الإسلام وداعية الحق، وأبي الأعلى المودودي صوت الإسلام الصادق، ومحمد عاكف شاعر الإسلام في تركيا، وأحمد عبد الغفور العطار البحاثة، والسيدة لبيبة أحمد صاحبة مجلة النهضة الإسلامية، ومحمد عمر التونسي، إلى الدكتور نجيب الكيلاني الروائي المكتمل.

لقد اختار البيومي أن يتحدث عن النهضة الإسلامية من خلال أبطالها من أئمة المسلمين في التخصصات المتنوعة، حيث يكشف عن أعمالهم، ويفسر دوافعهم الذاتية، ويقدر جهادهم الدائب فيما اعترضهم من الصعاب، مما يمكنه من الحكم العادل الذي يطمئن القارئ الحصيف.

أن الأمة الإسلامية وإن تعرضت لهزات المطامع الداخلية والخارجية على أمدها الطويل، فقد ظلت – كما يقول البيومي – محافظة على مكامن قوتها الداخلية إلى مدى بعيد، لقد انتصرت أوروبا عسكريًا – بتقدمها الصناعي، وحسبت أنها تنتصر حضاريًا وإنسانيًا، فتجذب إليها المغلوبين، ثم قدمت إلى الشرق وفي نيتها أن تعيد الحروب الصليبية في لون جديد، فبدلًا من أن تكون الحرب سافرة في ساحات المعارك الدامية، فإنها تكون حربًا نفسية وثقافية: 

نفسية: حين تتجه إلى التشكيك في القيم الإسلامية، ومحاولة إرجاع الضعف والتخلف والتقهقر إلى مكوناتها.

وثقافية: حين تفرض ألوانًا من المعارف والفنون تنسب لأوروبا المسيحية بوصفها باعثة التقدم وطريق النهوض. 

طبقة من الأغرار

واستطاعت أوروبا المنتصرة أن تستميل إليها طبقة من الأغرار الذين بهرهم البريق الزائف، ودفعت بهم إلى سحق المثل الإسلامية والقيم الدينية، لدرجة أن اعتقد بعض الأوربيين من أمثال «برايس» بأن عمر الإسلام لن يمتد إلى أكثر من قرنين، ونسي القوم أن القرآن الكريم، كتاب الإسلام الخالد، مشهور ومتداول ويقرؤه كل مسلم، فيعرف الرائع والممتاز من قيمه الهادية، ومثله الكريمة.

ولعل الافتراءات الصارخة التي أطلقها كرومر ضد الإسلام على سبيل المثال، كانت حافزًا لنقض أخطائه وتفنيد أوهامه، كما فعل محمد فريد وجدي وآخرون من أعلام النهضة الإسلامية المعاصرين، الذين أكدوا حيوية الأمة، وقدرتها على تجاوز المصاعب والعثرات، وإن طال الزمان. 

إن تقديم أعلام النهضة الإسلامية المعاصرين، من خلال جهودهم الضخمة في الدفاع عن الدين وهوية الأمة، دليل عملي على مواجهة الذين يسيئون الظن بمستقبل النهضة الإسلامية بما يعلمون من تقلبات التاريخ جزرًا ومدًا، واختلاف الدويلات صعودًا وهبوطًا، فتذكر لهم أن من يعلم ما تعرض له الإسلام من محن داهمة منذ سقوط بغداد 656هـ، وما يليها في أيدي التتار، وهجوم الصليبيين على المشرق، واستئصال المسلمين بالأندلس!

حيث كان يوشك أن يهوى بنيان الإسلام إلى حيث لا يستطيع النهوض.. ولكن مضى الزمن وذهبت العواصف المتزاحمة مرتدة خائبة، وخرج المسلمون من مصائبهم الداهمة منتصرين. 

وطريق النهضة الإسلامية في شتى ميادينها المتباعدة لن يكون دون مراجعة فاحصة لتاريخ المعاصرين ممن واجهوا تحديات الغزاة في ميادين السياسة والعلم والأدب والخلق والعزة الإسلامية، ووقفوا أمام عوائقه الجاهزة وقفات الجهاد والجلاد وهم من الكثرة التي لا تحصى. 

النقل الحي للصورة السلوكية

وهناك ملاحظة عامة، وهي أن هؤلاء الأعلام كانوا قريبين من المؤلف، أو كان المؤلف قريبًا منهم بصورة ما، ولو عن طريق غير مباشر، فاحتفظ بحرارة نقل الصورة السلوكية أو الفكرية نقلًا حيًا، عن طريق بعض الحكايات أو المواقف التي تؤكد حكمًا دقيقًا على الشخصية، وتعطي دلالة واضحة على منهجه وطريقته، ولو أخذنا نموذجًا واحدًا من هذه المواقف لدى الشيخ عبد العزيز جاويش مثلًا، لعرفنا من يكون الرجل، وكيف يفكر، ومدى حرصه على دينه ووطنه.

فقد جاء بعض المستشرقين في زيارة إلى القاهرة، وكان ذلك في مطالع القرن العشرين، فأقامت له بعض الدوائر الرسمية احتفالًا مهيبًا، وأسهبت الصحف في الثناء عليه وتعديد مآثره، في التحقيق ونشر الموسوعات، وأقيم له في هذا السياق حفل حضره وزير المعارف بإحدى دور العلم الكبيرة، كما حضر جمهور كبير لمشاهدة الحفل، ونهض الوزير ليكرم المستشرق المحتفى به، فأثنى عليه وعدد مزاياه مفتنحا المجال أمام أساتذة جامعيين وآخرين، ليتابعوا من بعده الثناء على المستشرق والوصول به إلى منتهاه.

 فوجئ الجمهور بالشيخ جاويش يتقدم بقامته الممتدة وعمامته العالية، وعباءته الفضفاضة، وعصاه الممتلئة؛ يعتلى المنصة – مقدمًا نفسه – بعد أن انتهى الوزير من كلمته، ثم يرسل عينيه المتلألتين، فتومضان ببريق يمتد إلى ثناياه اللامعة، ويدور حول لحيته السوداء ذات المشهد الوقور، ويبتدئ الحديث بحمد الله، ثم يقول ما معناه: 

إن كلمة وزير المعارف تدل على أنه لم يقرأ شيئًا عن هذا المستشرق الذي تكرمونه، إذ إن المؤلفات التي تحدث عنها الوزير، وسيتحدث عنها بالطبع من أعدوا أنفسهم للكلام، ليست إلا طعنات مسمومة للفكرة الإسلامية، وقد قرأتها في أثناء إقامتي بإنجلترا، وناقشت صاحبها فلم أجده يخطئ إلا عن عمد، فهو يدري الصواب، ويتجنبه، ثم يلتمس أوهى الروايات ليبني عليها ما يروق من التدليس والافتراء، لو كان لدينا وعي ثقافي لكرمنا الرجل ضيفًا فقط لا علامة بحاثة! 

لقد ارتج الحفل ارتجاجًا واضطرب الوزير المحرج المأخوذ، وتساقط عرق الخزي على من أعدوا أنفسهم للكلام، وزاد الموقف خطورة حين وقف عبد الحميد سعيد، رئيس جمعيات الشبان المسلمين، وأنهى الحفل، والشيخ جاويش يصيح: يا للمذلة.. أوصل انهيار المسلمين إلى حد جعلهم يقيمون حفلات التكريم لمن يصم دينهم بالتوحش والغلظة والشهوة والاستعباد!

آفاق ثقافية

بلطجة البحث العلمي

في الندوة التي نظمتها نقابة الصحفيين المصرية، خلص باحثون وأكاديميون إلى أن المراكز البحثية الغربية، وتحديدًا الأمريكية، تعتبر أداة من أدوات اختراق منطقة الشرق الأوسط، وأنها تقوم بما يعرف بـ«البلطجة السياسية» على البحث العلمي، كونها تقوم بتزوير الأبحاث، ولا تنتج فكرًا، بقدر ما تصدر عددًا من الشعارات السياسية بفعل تأثير رأس المال على صياغة الأفكار.

«راند» والسياسة الأمريكية

«راند» RAND مؤسسة بحثية تابعة للقوات الجوية الأمريكية، وفي تقريرها الأخير العام 2007م أوردت رؤيتها بشأن التعامل مع المسلمين، حيث دعت إلى ضبط الإسلام، نفسه – وليس الإسلاميين – بهدف الدخول في بنيته التحتية.

لذلك فهي تولي الفئات التي تتعاون مع الأهداف الأمريكية اهتمامًا خاصًا، لأنه من خلالهم تستطيع واشنطن التأثير على الآخرين.

الإعلام.. ضرورة

أكد الدكتور حامد طاهر، نائب رئيس جامعة القاهرة، أهمية الإعلام في وقتنا الحاضر، وذلك في جلسة «الإعلام وبناء العقل العربي». 

وتساءل: هل استفادت المجتمعات العربية من الإعلام المعاصر؟ مشيرًا إلى أنه غلب على الإعلام العربي استراتيجية الترف والتسلية، ولم يتطور بنفس تطور الإعلام الغربي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل