العنوان المجتمع الثقافي- العدد(1313)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1998
مشاهدات 78
نشر في العدد 1313
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 18-أغسطس-1998
شخصية المتدين في السينما العربية
بقلم: نجدت كاظم لاطة
المتتبع للسينما العربية يرى الأضواء فيها مسلطة على جوانب محددة من حياة الناس دون الجوانب الأخرى، وأحيانًا تقترب الأضواء من تلك الجوانب الأخرى المهملة، ولكن لا لتصورها بكل جلائها وواقعيتها وإيجابياتها وسلبياتها، وإنما لتبرز سلبياتها فقط، وتهمل الإيجابيات، فتتشكل في ذهن المشاهد صورة قاتمة عن تلك الجوانب، وهذه خيانة في حق المشاهد.
وأهم الجوانب التي تم إبراز سلبياتها دون الإيجابيات شخصية المتدين، فقد شوهت صورته بشكل كبيرٍ، حتى خيل للمشاهد أن كل المتدينين يتصفون بتلك السلبيات، وأنا هنا لن أتكلم عن أسباب تشويه صورة المتدين لأن الكل يعرفها، وإنما أريد أن أبين شخصيته بصورتها التي ظهرت في الأفلام العربية، لنرى حجم الظلم الذي وقع على المتدينين أجمع، وبداية أنا لا أنكر أن بعض المتدينين سلبيون في الحياة، فنجد لديهم التعصب الفكري والتطرف السلوكي، مثل تطبيقهم -بالقوة- لبعض مفاهيم الإسلام الثانوية في مجتمع ينقصه الكثير من أساسيات الإسلام، وهذا خطأ كبيٌر، وقد حذر علماؤنا منه ومن خطورة ذلك.
وأتساءل: كم نسبة هؤلاء المتدينين المتعصبين في المجتمع؟ الجواب هم قلة، والواقع يشهد بذلك والكل يعرف أعدادًا كبيرة من المعتدلين، سواء أكانوا من الجيران أو الأقارب أو الأصدقاء أو غير ذلك، أما المتعصبون فيندر أن نصادفهم في حياتنا، إذن فلا يجوز أن نحاسب المعتدلين الكثرة بجريرة غيرهم القلة، وقد تم التركيز في السينما العربية على المتعصبين بشكلٍ دقيقٍ ومدروسٍ، بحيث إني رأيت بعض المشاهدين يشتمونهم ويلعنونهم وكحالة نفسية، فإن النتيجة أن المشاهد يكره عالم المتدينين كله، لأن صورة الجزء قد شوهت صورة الكل، ولعل الأفلام التالية توضح صورة المتدين كما شوهت في السينما العربية.
الإرهاب والكباب
في فيلم «الإرهاب والكباب» للكاتب وحيد حامد وإخراج شريف عرفة بدت شخصية المتدين في صورة موظف ملتح يترك عمله خلال تأدية الوظيفة لكي يصلي في داخل مكتبه، في وقت ليس فيه صلاة فريضة، وكانت الساعة الحادية عشرة صباحًا، فيعترض عليه المراجع أحمد (عادل إمام) قائلًا: يا شيخ قضاء حاجات المراجعين أهم من الصلاة في هذا الوقت فيرد الموظف المتدين عليه: يا كافر يا عدو الله أتنهاني عن الصلاة؟
ويحدث بينهما شجار، ثم تحدث المشكلة التي تكون على حساب الموظفين والمراجعين الذين وقعوا رهائن كما هو معروف في قصة الفيلم.
وكاتب قصة الفيلم وحيد حامد يترك كل الموظفين والمراجعين ويأتي إلى هذا الموظف المتدين ويجعله يقع في فتنة امرأة منحرفة، وكان المتدين هو الإنسان الوحيد الذي يضعف أمام إغراءات النساء، علمًا بأن المتدين -عمومًا- لديه رادع ديني غير موجود عند كثير من الناس والأعجب من ذلك أن المتدين ظهر في أحد المشاهد وهو يسمع تلك المرأة كلمات غرامية بزعمه أنه يدعوها إلى التوبة والرجوع إلى الله بينما ينظر إليها نظرات لا عفة فيها.
فالكاتب أراد أن يفهم المشاهد أن بعض المشكلات في حياتنا تقع بسبب سوء تصرف المتدينين الذين يفهمون الدين فهمًا مغلوطًا، وأنا لا أنكر أن بعض المشكلات تقع فعلًا -بسبب- هذا النوع ولكن حين نظهر هذا النوع فقط يقع الظلم على المتدينين عامة، فلو أن وحيد حامد أتى بشخصية متدينة أخرى معتدلة ومتفهمة لأمور الدين بشكل صحيح، لما اعترض عليه أحد، ولكانت قصة الفيلم -حينئذ- من أروع القصص التي تدعو إلى الخير وتحارب المفاهيم الخاطئة للدين، ولو كان هذا الفيلم مختصًا بهذا النوع من المتدينين، وكانت هناك أفلام أخرى مختصة بالمتدينين المعتدلين لما تضايق أحد أيضًت، أما أن تظهر شخصية المتدين مشوهة دائمًا فهذا أمر دبر بليل.
طيور الظلام
في فيلم «طيور الظلام» للكاتب نفسه، ينحو الكاتب منحى آخر في تشويه صورة المتدين، فقد طرق في هذا الفيلم قضية دور المتدينين في الوصول إلى أغراضهم بطرق غير شرعية وغير رسمية كالرشوة والخدمات المشبوهة مقابل قضاء طلباتهم من قبل المسؤولين في الدولة.
وطيور الظلام تعني الخفافيش والخفافيش -عادة- تعيش حياتها في ظلام الليل ولا تحب النور والضياء، والمعني بـ طيور الظلام في الفيلم شخصان، الأول: المحامي علي وهو المتدين الثاني المحامي فتحي نوفل (عادل إمام) الذي يترافع في قضايا مشبوهة كالجنس وغيرها والمحامي الأول -المتدين- لا يقوم بأعمال مثل التي يفعلها الثاني، وإنما يظهر في كل المشاهد عفيفًا أمام إغراءات النساء ولا يشرب الخمر وما إلى ذلك، ولكن سياق الأحداث تشعر المشاهد بأنه يقوم بأعمال سياسية مشبوهة.
وفي نهاية الفيلم تظهر الشخصيتان وهما تقتسمان المسؤوليات في البلد الأول: المتدين وله النقابات والثاني وله الوزارات فيشعر المشاهد أن البلد تحت سيطرة أخطبوطين كبيرين أحدهما المتدين ومن ورائه من المتدينين، لأن المتدين كان كثيرًا ما يتكلم بضمير الجمع (نحن، نريد).
الإرهابي
يمكن أن نعتبر فيلم «الإرهابي» للكاتب لينين الرملي وإخراج نادر جلال أكثر الأفلام العربية تشويهًا لشخصية المتدين، لأن شخصيته -هنا- أخذت بعدًا أخطر من الأفلام الأخرى، وقد تم حبك مجريات الفيلم بدقة متناهية، وأعطي إمكانيات ضخمة، ولعل كاتبه ومخرجه أصابا ثلاثين عصفورًا بفيلم واحد.
بدت صورة المتدين -وهو الإرهابي علي (عادل إمام وهو قاسم مشترك في تلك الأفلام)- تحب العنف والتدمير لكل مظاهر الفساد في المجتمع كأماكن بيع الفيديو وقتل السائحين الأجانب... وظهرت المجموعات الإرهابية، التي ينتمي إليها كالحة الوجه، تلبس زيًا موحدًا، تعيش في أماكن مهجورة يخيم عليها الكآبة وروح الشر، وتسير هذه المجموعات من قبل أمير لها، له عليهم حق الطاعة العمياء، فيشعر المشاهد كأنه أمام عصابة من الحشاشين ومهربي المخدرات، وأنه أمام أناس متطرفين في كل نواحي الحياة في أشكالهم وأفكارهم وبيوتهم ونظام حياتهم.
وحرص الكاتب أن يطلع المشاهد على نفسية المتدين، لذا أظهره وعينه شاردة وراء النساء، والمرأة الجميلة التي يراها في الشارع يراها في منامه، بمعنى أن المتدين يعيش حالة كبت جنسي تولد عنده -بحسب نظريات علم النفس- العنف والنقمة والعدوان على الآخرين، وأي إغراءٍ جنسي يتعرض له يضعف أمامه ويستجيب له مباشرة دون رادع ديني أو أخلاقي، وهو ما حدث له مع الفتاة المتحررة حين كان يلاعبها لعبة الورق.
وتزداد صورة المتدين قتامة حين يسرق الإرهابي، أموال الطبيب بحجة أن الناس -برأيه- كفار لا عهد لهم ولا ذمة فأموالهم حلال ونساؤهم جواري وسبايا لدى الإرهابيين كما قال أميره.
لقد رسم الكاتب صورة سوداء للمتدين وعالمه ونفسيته، ولكن إشكالية الفيلم ليست في هذه الصورة، وإنما في شيء آخر أبعد من ذلك.
الإشكالية في هذا الفيلم تكمن في أن الإرهابي -عمومًا- ممكن تغييره، وذلك في حال نقله من البيئة التي يعيش فيها مع الإرهابيين إلى بيئة أخرى كبيئة الفتاة التي عاش في بيتها للعلاج، وهو ما حدث مع الإرهابي «علي» فقد تغير فكره وسلوكه خلال أيام عاشها في هذه البيئة الجديدة، بمعنى أن الإرهابي عندما يعيش وسط الناس يتغير ويبتعد عن الإرهاب والتطرف.
ونحن لو افترضنا أن الإرهابي علي عاش في بيئة مختلفة عن بيئة الفتاة كان عاش -مثلًا- في بيئة عادية ولم يجد فيها حبًا ولا غرامًا، ولا مرفهات ولا أفكار الكاتب فؤاد مسعود هل كان سيتغير؟ الجواب: قد لا يتغير، لأن الإرهابي-عادة- يعرف أنماط وأحوال البيئة العادية، لأن الكل يعرفها، أما البيئة ليست الأرستقراطية التي عاش فيها في الفيلم فهي معروفة بكل تفصيلاتها عند الناس لا سيما الإرهابيين ومن غير المعقول أن نوجد لكل إرهابي بيئة أرستقراطية لكي نغيره، ومن غير المعقول -أيضًا- أن نوجد له جوًا غراميًا لكي يتم تغييره أيضًا.
أنا لا أدري كيف يفكر هؤلاء الكتاب! ألم يجد الكاتب لينين إلا الحب والغرام لحل مشكلة الإرهاب؟ لم يخف افتراضي الذي ذكرته قبل قليل عن الكاتب فقد ذكر أن الإرهابي ليس من السهل تغيير موقفه أو استبدال يقينه بيقين آخر.. لكنه إنسان يمتلك مشاعر لذا يمكن للعاطفة أو الحب أن تبدل مواقفه (روز اليوسف عدد ٣٤٢٦)، لكنه أراد بإشكاليته التي طرحها في الفيلم أن يفهم المشاهد أن المتدينين -لا سيما المتطرفين منهم- يحقدون على المجتمع بسبب الحرمان والفقر اللذين يعيشهما بعضهم، لا بسبب الفساد المنتشر في كل مكان.
ولو عالج الكاتب قضية الإرهاب بدعوته إلى إبعاد مظاهر الفساد الفاضح في المجتمع التي هي المسبب الأول للإرهاب لكان أجدى أما أن يلقي اللوم على الإرهابيين فقط دون الآخرين الذين يسمحون بالفساد فهذا أمر مرفوض.
يلفت النظر في هذا الفيلم (أي فيلم الإرهابي) أن الكاتب أتى بشخصية متدينة أخرى معتدلة وسوية في أخلاقها وحياتها، ولكنه لم يجعلها من المسلمين، وإنما جعلها من الأقباط فقد كان المتدين النصراني هاني خلوقًا ومحترمًا يقوم بأداء العبادات النصرانية على أكمل وجه، فقد ظهر وهو صائم، علمًا بأن النصارى العاديين لا يصومون، وقد عشت قرابة عشرين سنة من عمري في بيئة نصرانية فلم أجد أحدًا صائمًا منهم، بل لم أجد متدينًا، لأن التدين عند النصارى مقتصر على الرهبان والقساوسة ولكن حين يكون هدف الكاتب تشويه صورة المتدين المسلم فممكن اختراع أديان كاملة، وقد ذكرت مجلة روز اليوسف في العدد نفسه (٣٤٢٦) أن البابا شنودة تدخل في أحداث الفيلم وغير مجراها لصالح النصارى، أما المسلمون فلا بواكي لهم.
قد يعترض علي القارئ فيقول: لماذا جعلت الإرهابي علي من المتدينين؟ ولماذا تدافع عنه؟ فأجيب: إن الإرهابي -عمومًا- ما دام يأخذ شكل المتدين في مظهره وبعض أفعاله كالصلاة وغيرها فإنه يبقى محسوبًا على المتدينين، ولكنه شد في بعض أفعاله وأعني هنا الأعمال الإرهابية، وشيء آخر الكاتب لينين لم يقدم التدين السليم المعتدل كبديل للتدين المتطرف، وإنما قدم الحب والغرام بديلًا لذلك، وقد يعترض قارئ أخر فيقول: إن السينما العربية والمسلسلات والمسرحيات قدمت شخصيات تاريخية متدينة، وقد ظهرت وهي معتدلة في أخلاقها ومعاملاتها وأفكارها، وهي كافية لأن تكون لنا قدوة.
فأجيب بأن كتاب السيناريو أرادوا من تقديم تلك الشخصيات التاريخية المتدينة أن يفهم المشاهد بأن هذه الشخصيات هي المتدينة حقيقة أما الشخصيات المتدينة المعاصرة فهي تفهم الدين فهمًا خاطئًا ومغلوطًا وستنطبع في ذهن المشاهد فكرة عدم وجود تدين حقيقي في مجتمعنا المعاصر الذي نعيشه، وهذا مقصد هؤلاء الكتاب.
واحة الشعر
يا ضيعة التأريخ
شعر: علي بن محمد القرني
جيل يموت أسى وجيل يولد *** وهمومنا يا أمتي تتجدد
القائمون على الثغور تقاعست *** آمالهم فتفرقت وتبددوا
خمسون عامًا يا فلسطين انقضت *** ويهود لا زالت عليك
ها يد خمسون عامًا والجراح تهدنا *** حتى كان جراحنا لا تضمد
خمسون عامًا والقضية لم تزل *** وكأنها للتو كان المولد
كثرت مآسينا وأفحم ليلنا *** وتقاطرت أعداؤنا تـتــعـدد
كانت أمانينا تفوق خيالنا*** واليوم بنك الأمنيات مصفد
وتيبست نخل الكرامة بعدما *** خلطوا على أمواهـهـا ما يفسد
ونمت شجيرات الضياع وأفرعت *** فاتت على بر الضياء تهدد
واستبشرت أمم الظلام بما ترى *** وسعت تحيك لما تريد وتقصد
هذا هو الوقت الذي حلمت به *** ولمثله عاشت تعد وتمهد
فلقد تباعدت القلوب وأمحلت *** أرض الوصال وغار فيها المورد
وسرى الفساد يفت في كل الرؤى *** فتبدلت آمالنا والمقصد
واغتال حب الذات كل توحد *** يدعو إليه المخلصون الرشد
فحدودنا ضاقت وزاد خناقها *** ضيقًا دخان الحاقدين الأسود
أعداؤنا وضحت لنا آراؤهم *** فينا فهل آراؤنا تتوحد
إسلامنا وسط ونحن بديننا *** بين الورى هاماتنا تتفرد
لكنها الأسباب تفعل فعلها *** من فارق الدين القويم يوحد
وتناله في كل يوم ذلة *** وتسوسه بعد السيادة أعبد
يا ضيعة التاريخ بعد ضياعنا *** وشقاء هذا الكون إذ لا توجد
فالمسلمون المخلصون لدينهم *** في هذه الدنيا الأمان الأوحد
كل المذاهب والعقائد أفلست *** ومناهج الإسلام دومًا تصمد
هذا هو التاريخ يشهد دائمًا *** فإلى متى نبدي العداء ونجحـد
عودًا إلى الإسلام أمة أحمد *** وكفى ابتعادًا عنه فهو المرشد
ولنبن دولتنا على أخلاقه *** فهو الحضارة كلها والسؤدد
عودوا إلى وصل الإخاء وسارعوا *** فعدوكم يذكي الخلاف ويوقد
ودعوا التأقلم والتحزب والهوى *** فمصالح الدنيا تذوب وتفقد
لموا شتاتكم ولا تبقوا على *** هذا الخلاف فإنه لا يحمد
وتوحدوا حول العقيدة إنها*** أصل التوحد قد أتى بها أحمد
لن تنصروا أبدًا بغير عقيدة *** حتى وإن شادوا بكم أو مجدوا
الدين مجدكم وأصل فخاركم *** وبغيره لن تنصروا أو تسعدوا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل