; المجتمع الثقافي: (العدد: 1176) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي: (العدد: 1176)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

مشاهدات 101

نشر في العدد 1176

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

ومضة

بعد أن قرأت القصيدة بشيء من الفتور، قال صاحبي هل تعلم أن هذه القصيدة كانت الشرارة الأولى في ثورة عارمة أعادت الأمور إلى نصابها؟ قلت له وقد شدتني المفارقة: هات القصة من أولها إذًا.. أغمض عينيه ثم فتحها.. وراح يروي قصة «باديس بن حبوس»، أمير غرناطة إحدى حواضر الأندلس، عندما اتخذ وزيرًا يهوديًا يدعى «يوسف بن صمويل» استطاع بعد أن أغرق أميره في الملذات والشهوات، أن يعمل مخلصًا لأبناء طائفته؛ حيث قربهم وسلمهم المناصب وسلطهم على رقاب المسلمين فأرهقوهم وحاولوا إذلالهم بكل وسيلة..

ووصل الناس إلى وضع لا يُحسدون عليه.. وهنا.. نشر أبو إسحاق قصيدته التي يستهلها بقوله:

ألا قل لصنهاجة أجمعين *** بدور الندى وأسود العرين

لقد زل سيدكم زلة *** تقر بها أعين الشامتين

تخير كاتبه كافرًا *** ولو شاء كان من المسلمين

ثم يصف هيمنة اليهود وسطوتهم بقوله:

وإني احتللت بغرناطة *** فكنت أراهم بها عابثين

وقد قسموها وأعمالها *** فمنهم بكل مكان لعين

وينهي قصيدته مخاطبًا الأمير «باديس»:

وراقب إلهك في حزنه *** فحزب الإله هم الغالبون

 تناقل الناس القصيدة فسرت فيهم سريان النار في الهشيم، أو الماء في العروق العطشى، فألهبت المشاعر ودغدغت الجراح، وأثارت الجموع التي لم تهدأ حتى اقتحمت على الوزير اليهودي قصره الذي بناه بأموالهم وبعرق شبابهم.. فقتلوه وفرقوا جماعته وأنهوا المهزلة التي ظنها بعض المغفلين إحدى حتميات التاريخ التي لا مفر منها ولا فكاك

بعد أن أنهى صاحبي قصته قلت له: هل يستطيع الشعر في زماننا هذا أن يصنع ما كان يصنعه في الأيام الغابرة؟ قال وبجديته المعهودة: أجل إذا استطاع الشاعر أن يصور بعبقريته حجم المأساة الراهنة، مخترقًا حواجز الملهيات ليصل إلى ضمير الأمة، ويخاطب فيها ما تبقى لها من إحساس غلفته سحابات كثيفة من التضليل، خلال عقود من الزمن.

كيف يتم غـزو العقول؟

بقلم: معالي عبد الحميد حمودة

في عام ١٩٦١م قرر الرئيس الأمريكي جون كيندي إنشاء فيلق السلام من «متطوعين» أمريكيين يبشرون بالبعث الحضاري للولايات المتحدة الأمريكية ويعملون على مساعدة البلاد المتخلفة وتشجيع فهم الشعوب لحضارة الولايات المتحدة الأمريكية وأهدافها الإنسانية من مساعدة تلك البلاد.

وقد تحدد الهدف من إنشاء فيلق السلام من أجل: خدمة الملايين الفقيرة، وعلاج المحتاجين، وتعليم الأميين وتدريب المدربين بما يحقق الانسجام والتصالح مع السياسة الأمريكية. 

وقد يظن ظان أن هذا الفيلق يتكون من منصرين ومبشرين، أو قساوسة ورهبان، أو مرتزقة عسكريين كلا.. إن هذا الفيلق يضم خلاصة التعليم الجامعي والدراسات العليا الأمريكية، يتم اختيار أعضاء هذا الفيلق من أكثر من ٣٠٠٠ جامعة أمريكية، ويتم تدريبهم تدريبًا طويلًا وشاقًا لسنة أو لعدة سنوات من أجل فهم طبيعة المجتمع والجماعة التي سيتطوعون لخدمتها كما زعموا. 

وخلال تدريب المتطوعين في فيلق السلام يدرسون اللغة المحلية الخاصة للشعوب التي سيتم غزوها، والعادات والتقاليد والثقافة والتحديات النفسية والتطلعات والتيارات السياسية المختلفة والاتجاهات الاقتصادية، ومشاكل الصحة والتعليم والتجارة، وهذا كله وفقًا للمفاهيم العلمية المتطورة، وبذلك يتم استكشاف الشعوب وتحليل كل ما يحيط بها، بحيث يذهب فيلق السلام ومعه أدوات التعامل والتعبير، وأساسيات التأثير.

 وأول عمل لفيلق السلام هو الدعاية، فالفيلق يعتمد على استغلال حاجة الشعوب المخطط لغزوها، والشعوب الفقيرة الجائعة الأمية المتخلفة على رأس تلك الشعوب، وحتى نتلمس حقيقة تلك الدعاية الخطيرة فلا يعتقد القارئ أن الفيلق يبشر مباشرة بالقيم الأمريكية، كلا.. إن الفيلق يقدم خدمة فعالة ملموسة، وينجز مهمات خارقة، حتى يشعر الشعب الفقير أن الحكومة الوحيدة التي تهتم به هي حكومة واشنطن، رغم عشرات الأميال التي: تبعد ذلك الشعب عن واشنطن.

ومن جهة أخرى يجد فيلق السلام في العديد من الأحوال، مجموعة من الشعب تشكو من تصرف حكوماتها، أو هاربة من جهاز أمنها، في هذه الحالة لا يطارد فيلق السلام هذه المجموعة، ولا يبلغ عنها السلطات المحلية بل يحتويها ويعاونها ويساعدها. وإذا كان هناك من «منافذ سياسية معينة» لإصلاح ذات البين بين تلك المجموعة وبين حكوماتها، فيمكن إجراء المصالحة، وهكذا تتصور تلك المجموعة أن فيلق السلام فيلق عظيم في إنسانيته وخدماته التي تقدم بلا مقابل؟

كيف يعمل فيلق السلام؟

بداية يرتبط فيلق السلام بوكالة الاستخبارات المركزية، وله ارتباط أوسع بالوكالة الأمريكية للاتصالات الدولية التي أصبح اسمها فيما بعد الوكالة الأمريكية للإعلام «U SI A » .

يقدم الفيلق الخدمات المؤثرة في الطب، والتعليم، والهندسة الإنشائية، والشؤون الاجتماعية والزراعة والصناعة والغذاء وتحديد نسل المسلمين أيضًا، وبهذه الخدمات المؤثرة يضمن فيلق السلام الوصول إلى الجهاز العصبي للمجتمع الذي قدم إليه، ولمس مشاكله الحية.

وخلال الخدمة، والاتصال والإنجاز وتقديم الأعمال الباهرة، يحدث الارتباط ثم الاندماج، ثم التفاعل، وبعدها تتم عملية تغيير الاتجاهات والقيم والانتماءات بطريقة دقيقة. 

وبعد كل ما تقدم تجيء الخطوة الأخطر؛ إذ يحدث السيناريو المعهودة: يقوم فيلق السلام بغزو السلام بغزو عاصمة دولة ما بخدماته المميزة، ويسيطر عليها عقليًا، ويزعزع ولاء قادتها ونخبتها، ويستقطب المفتونين بالحضارة الأمريكية، ويثبت الاتجاهات الأمريكية، ثم تجئ الحكومة الأمريكية لتوقع اتفاقات رسمية مع تلك الدولة «في ميادين الخدمات التي قدمها فيلق السلام»، ويتحقق بذلك - وبأسلوب غاية في الذكاء - ما تريده الولايات المتحدة بما يحقق مصالحها وسياستها الخارجية. 

ولك أن تتخيل - أخي القارئ - في ظل كل تلك الظروف، وفي ظل احتياج العديد من مجتمعاتنا العربية المسلمة، فإذا خرج مسلم لينبه شعبه المسلم ومجتمعه المسلم إلى خطورة الاعتماد على المعونات الأجنبية، وعلى ما يفعله فيلق السلام وعشرات الهيئات الغربية لا تجد الرد العنيف من حكومة ذلك الشعب، بل من الشعب نفسه الذي خضع عقليًا تحت وطأة الحاجة لكل ما تريده الهيئات والمؤسسات الغربية.

الرابط المختصر :