العنوان المجتمع التربوي 1999
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 1999
نشر في الصفحة 52
السبت 21-أبريل-2012
سُنة الله في الهدى والضلال.. مفهومها ومدى الاستفادة منها (1)
لفظ «الهدى» ومشتقاته ورد في القرآن الكريم ٣٠٨ مرات
في القرآن الكريم يدور لفظ «الهدى» بين المعاني التالية: الرشد والنور والإسلام والكتاب والرسول والدليل الذي يهدي إلى الحق
ورد لفظ «الضلال» ومشتقاته في القرآن الكريم 189 مرة.. على أوجه منها: الضياع والخلان والانعدام والهلاك
د. شعبان رمضان مقلد «*»
إن هذا الكون بما فيه ومن فيه، بل إن العالم بأسره وما يحدث فيه من أحداث وغيرها، كل هذا لا يحدث في الكون ولا في العالم صدفة، وإنما يحدث طبقًا لقوانين ثابتة عامة متناهية في الدقة والاطراد، وبما أن الإنسان خلق من هذا العالم، فهو يجري عليه من تلك القوانين الثابتة ما يناسب خلقته وتكوينه من أحوال ونتائج تترتب على هذه الأحوال من مثل السعادة والشقاء والقوة والضعف.. إلى آخر ما يصيبه في الدنيا والآخرة.
وتعرف هذه القوانين بالسنن الإلهية في هذا العالم، سواء ما كان منها في الكون أو في الإنسان، أو في غير ذلك من مخلوقاته.
هذه القوانين الثابتة مع النتائج التي تترتب عليها، تنبئ -للناظر المتأمل- عن عظیم قدرة البارى سبحانه وتعالى، وعن باهر حكمته، وتفرده بالكمال والجلال.
وهذه القوانين تعد نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه للإنسان، يسير بها في هذا الكون على وعي وبصيرة، وهدى ونور.
ومن هذه القوانين أو تلك السنن قانون الله في هداية الخلق أو إضلالهم.
وقد بين الله لكل ذي عينين من خلقه هذا القانون، إما عن طريق ما يقع له أو أمامه في حياته اليومية، وإما عن طريق آیات قرآنه الحكيم، والتي وردت تربو عن الحصر كاشفة عن هذه السنة العظيمة، مظهرة مقدماتها ونتائجها، وكيفية الانتفاع بها، وواجب المسلم تجاهها.
ومن يقرأ آيات القرآن الكريم، ويتعرف على هذه السنة، أو تنكشف أمامه في حياته اليومية، فلا عليه إلا أن يأطر نفسه على الانتفاع بها والعمل بمقتضاها، وإلا ستكون حجة عليه، يَوْمَ ﴿لا يَنفَعُ مَالَ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ (الشعراء:88-89).
معنى السنن الإلهية
السنة في لغة العرب: السيرة، حسنة كانت أم قبيحة (1).
فالسنة في معناها اللغوي هي: الطريقة أو السيرة سواء أكانت حسنة أم سيئة.
وفي اصطلاح العلماء، المراد بالسنن: ما سنه الله في الأمم من وقائع (2).
والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل بالثاني مثل ما فعل بنظيره الأول، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار، فقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ( يوسف: 111).
صيغة السنة ومعناها في القرآن الكريم: ورد لفظ «سنة» ومشتقاتها في القرآن الكريم ست عشرة مرة، ضمن إحدى عشرة آية، في عشر سور، وتنوعت في ورودها على صيغ متعددة، ومن يمعن النظر في نماذج هذه المادة في القرآن الكريم يتبين له:
أن المقصود بالسنة منهج الله وعادته في خلقه، ويدور معنى لفظ «سنة» في القرآن الكريم بين منهج الله وعادته في خلقه، وحكم الله، وما سنه الله في الأمم من وقائع، وما أحله بهم .
معاني صيغتي الهدى والضلال في القرآن الكريم:
أولًا: صيغة الهدى ومعانيها :
ورد لفظ «الهدى» ومشتقاته في القرآن الكريم ما يقرب من ثلاثمائة وثماني مرات، والملاحظ أنه قد ورد لفظ «الهدى» المجرد في القرآن الكريم بعدد مرات لفظ «الرحمة»، وتكرر كل من اللفظين تسعًا وسبعين مرة في القرآن الكريم، لازمت الرحمة الهدى في ثلاث عشرة آية شريفة، ثم وردت منفردة في آيات أخرى، وذكر الهدى في آيات غيرها (3).
معاني لفظ «الهدى» في القرآن الكريم:
الهدى ضد الضلال، وهو الرشاد.
والهداية شرعًا تعني: الاهتداء إلى الإسلام والإيمان به والإعانة على ذلك (4).
وفي القرآن الكريم يدور لفظ «الهدى» بين المعاني التالية: الرشد، والنور، والإسلام، والكتاب والرسول، والدليل الذي يهدي الطريق والدين المستقيم.
فبمعنى الرشد والنور في قول الله تعالى : ﴿ أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة البقرة: 5) (5).
وبمعنى الإسلام في قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ﴾ (آل عمران : ۷۳) (6).
ثانيًا:صيغة «الضلال» ومعانيها :
ورد لفظ «الضلال» ومشتقاته في القرآن الكريم ما يقرب من مائة وتسع وثمانين مرة.
ومعنى الضلال: العدول عن الطريق المستقيم.
والضلال شرعًا هو الانحراف عن الإسلام.
وفي القرآن الكريم ورد لفظ «الضلال» على أوجه، منها: الضلال نقيض الهدى، وأصله من الضياع (7)، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة:7)، فقد قيل: عني بالضالين النصارى للحديث المعروف، والضلال بمعنى الخذلان وسلب التوفيق (8).
الضلال بمعنى الانعدام والهلاك (9)، ومنه في آية: ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (الرعد: 14).
إذا فمعنى «سنة الله في الهدى والضلال»: منهج الله وطريقته في إرشاد العباد ودلالتهم إلى الطريق المستقيم، أو إبعادهم عنه.
أسباب الهداية
للهداية أسباب كثيرة منها :
أولًا: العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته، فمن أراد الهداية فلا بد أن يكون عالمًا بالله وأسمائه وصفاته: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾ (محمد : ۱۹)، وأن يعلم حق الرب على عبده وهو: أن يعبده لا يشرك به شيئًا.
ثانيًا: الإيمان والاعتصام بالله، الإيمان الذي هو الاعتقاد والتصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، الذي يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن: ۱۱)، قال عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف : ١٣).
ثالثًا: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه: قال عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَن اقتلُوا أَنفُسَكُمْ أو اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذَا لَآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَا أَجْرًا عظِيمًا (67) ولهديناهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (68) (النساء).
رابعًا: الدعاء بمعنى سؤال الله تبارك وتعالى الهداية.
خامسًا: التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَتَابَ﴾(الرعد:27).
سادسًا: المجاهدة، والمجاهدة أنواع: فمجاهدة النفس، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة الأعداء، فعلى المسلم أن يكابد نفسه، ويأطرها على سلوك طريق الخير، ويعلمها أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 69).
سابعًا: الصحبة الصالحة، قال الله عز وجل: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ﴾ (الأنعام: ۷۱).
ثامنًا: الحرص على كتاب الله: تلاوة وحفظًا وتدبرًا وفهمًا، فيه ينشرح الصدر، ويستنير القلب.
تاسعًا: المداومة على ذكر الله تعالى: فهو جلاء القلوب وشفاؤها، ودواؤها عند اعتلالها، بل هو من أحسن ما يربي به المسلم نفسه على مراقبة الله تعالى، فتقلع عن السيئات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الأنفال: ٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) (١٠(.
ومن الأسباب على سبيل الإجمال:
الخشية لله عز وجل والإخلاص في الالتزام بالطاعة والبعد عن المعصية، والبراء من الكافرين، والخوف من سوء العاقبة، وتذكر الموت والحساب والدار الآخرة.
فهلا حاول كل منا أن يحقق في نفسه هذه الأسباب أو بعضًا منها؟!
أسباب الضلال
وكما أن للهداية أسبابها فللضلال أيضًا أسبابه، نشير إليها بإيجاز:
صم الحواس عن النظر والتفكر، واقتراف الذنوب والمعاصي، واتباع الهوى، وطاعة العصاة والمسرفين، وطاعة النفس والشيطان، وبالجملة فمن يعرض عن أسباب الهداية يقترب من الضلال.
فإذا أردنا الهدى فلا بد أن نأخذ بأسبابه ونتجنب أسباب الضلال، ولا نتمسك إلا بالكتاب والسنة الصحيحة نعض عليهما بالنواجذ، علنا ننجو من الهلاك .◘
الهوامش
(1)لسان العرب لابن منظور، مادة: «سنن».
(2) فتح القدير للشوكاني : 13/9.
(۳) الإعجاز العددي للقرآن الكريم: عبد الرزاق نوفل.
(٤) مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني، 2/654.
( ٥) التبيان في تفسير غريب القرآن 1/54.
(٦ ) تفسير الجلالين 1/76.
(۷) التبيان في تفسير غريب القرآن، 1/53.
(8) فتح القدير، 1/520.
(9) تفسير الجلالين 1/624،621 .
(10) أدب الدين والدنيا للماوردي، ص ١٥٥ - ١٥٨ بتصرف واختصار.
«*» أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد - جامعة الجوف- السعودية
مشروعية تجديد الدين بين الأمل والواقع (٤).. أهمية تجديد الدين على مستقبل الأمة
يعيد للأمة ريادة الأمم وتحقيق الخلافة في الأرض
يحقق الأمن النفسي والاجتماعي والرخاء الاقتصادي
د. محمد جميل المصطفى ([1])
في مقالات سابقة ناقش الكاتب المراد بتجديد الدين ومشروعيته ودواعيه الداخلية والخارجية، ويناقش هنا أهمية التجديد على مستقبل الأمة.
لتجديد الدين أهمية عظمى في مستقبل الأمة في الدنيا والآخرة، من ذلك:
1- أن ذلك يعيد الأمة إلى دائرة العبودية الحقيقية لله تعالى وإلى رضوانه، ويُهيئها لدخول الجنة.
٢- يحقق لها العزة في الدنيا والآخرة؛ أما العزة في الدنيا؛ فلأن الله تعالى تعهد بنصر مَنْ ينصره، ويُطَبق دِينَه، فقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ۞ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:٤٠-٤١)، وقال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور:٥٥).
٣- يعيد للأمة الإسلامية ريادة الأمم والصدارة بينها والشهادة عليها؛ بسبب ما تحمله من مبادئ الإسلام العادلة والسامية قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أَمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:۱۱۰).
٤- يحقق لها الرخاء الاقتصادي؛ لأن الله تعالى وَعَدَ من أقام شرعه؛ أن يفتح عليهم بركات السماء والأرض فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتِ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف:٩٦)، وقال عن أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنْهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أَمَةٌ مُقْتَصدَةٌ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة:٦٦).
٥- يحقق لها الأمن النفسي والاجتماعي؛ والسعادة، مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَا يَأْتِيَنَكُم هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضُلُّ ولا يَشْقَى۞ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى۞ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا۞ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ۞ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ﴾ (طه:١٢٣:١٢٧)، فكم شَقِيت المجتمعات ببعدها عن منهج الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمَنَةً مُطْمَئِنَةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل:١١٢)، والمؤمن الحقيقي يرضى بقضاء الله، ويقنع بما رزقه الله؛ فيحقق جانبا كبيرا من السعادة، فالقناعة كنز لا يفنى، قال: «قد أفلح من أسلم ورُزق كفافا وقنعه الله بما آتاه»(صحيح مسلم . ص ٢٤٩، رقم ١٠٥٤، وسنن الترمذي ٤/٤٩٧رقم ٢٣٤٨)، وقال: «إن روح القدس نفخ في روعي إن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٤/٧٢ وقال رواه الطبراني في الكبير وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف)، فإذا قوي الإيمان عند شخص فإنه لا يقلق على رزق؛ لأنه مُقَدِّر، ولابد آت، وإذا رضي الناس أو جلهم بما رزقهم الله ؛ فلن يحسدوا ولن يسرقوا، ولن يظلموا، وإذا علم المسلم أن الأمور بيد الله، وأن كل شيء عند الله بمقدار؛ فإنه يرضى بقضاء الله، ولا يجزع لقوارع الدهر، كما قال الشافعي رحمه الله:
دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا انقضاء
بالإيمان والعمل الصالح والرضا؛ يحيا الإنسان حياة طيبة سعيدة، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَهُمْ أَجْرَهُم بأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧).
٦- يعطيهم الثقة بنصر الله؛ لأن الله معهم ما أطاعوه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:٩٨)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكَفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة:١٢٣)، والله يُسَلِّي الرسول صلى ﷺ والمؤمنين ويُهون عليهم من غلبة الكفار، وتمكنهم: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ (آل عمران:١٩٦)، ويبين سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين؛ أنه هو الذي يدير بركتهم مع الكفار، فيقول: ﴿إِنَّهُمْ يَكيدُونَ كَيْدًا۞ وَأَكِيدُ كَيْدًا۞ فَمَهْل الْكَافِرِينَ أَمْهِلُهُمْ
رُوَيْدًا﴾ (الطارق:١٥-١٧).
٧- يجعلها تحقق الخلافة المطلوبة في الأرض؛ عندما تكون لها العزة والمَنَعَة فيكون الدين كله لله؛ أي تكون الهيمنة لدين الله، ويكون لأهله مَنَعَة؛ فمن أراد أن يدخل في دين الله؛ فإنه يدخل وهو آمن على نفسه وماله وعرضه؛ من ضغوط الأهل أو القوم أو ضغوط الدول، عندئذ تكون خلافة راشدة على غرار النبوة، قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلَفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور:٥٥).
٨- يساعد على تمحيص تراث الأمة الاجتهادي؛ حتى نأخذ النافع منه، ونترك ما ثبت خطؤه أو عدم صلاحيته؛ فالتجديد يحقق تصحيح منهج تشريع الأحكام، ويعيد الناس إلى الالتزام بالكتاب والسنة، وإلى الاستقاء من معينهما بما يناسب. روح العصر(1).
الهامش
- انظر: نقد العقل المسلم، ص ١٥٨.
الاعتدال والوسطية
عصمت عمر
إن الله تعالى ميز هذه الأمة (أمة الإسلام) بالوسطية بين الأمم، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:١٤٣).
والاعتدال والوسطية بمعنى الاقتصاد في كل الأمور، وهو أفضل طريقة يتبعها المؤمن ليؤدي ما عليه من واجبات نحو ربه ونحو نفسه، ونحو الآخرين، وقد أمر النبي ﷺ بالاعتدال في كل شيء؛ حيث قال: «القَصْدَ القَصْدَ، تبلغوا» (رواه البخاري وأحمد)؛ أي: الزموا التوسط في تأدية أعمالكم تحققوا ما تريدونه على الوجه الأتم.
والاعتدال أو الوسطية فضيلة مستحبة في الأمور كلها، وهو خلق ينبغي أن يتحلى به المسلم في كل جوانب حياته، من عبادة وعمل وإنفاق ومأكل ومشرب وطعام، والمسلم يؤدي ما عليه من فرائض ونوافل من غير أن يكلف نفسه فوق طاقتها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة (سير أول النهار) والرَّوْحَة (السير بعد الظهيرة)، وشيء من الدلجة (سير آخر النهار)» (رواه البخاري)؛ والمقصود: استعينوا على أداء العبادة بصفة دائمة بفعلها في الأوقات المنشطة.
أهمية الاعتدال والوسطية في مختلف نواحي الحياة:
- الاعتدال والوسطية في المال والإنفاق قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (الإسراء:٢٩)، فالاعتدال في إنفاق المال من صفات عباد الرحمن الصالحين الذين مدحهم الله عز وجل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان:٦٧).
وقد حث النبي ﷺ على الاقتصاد في النفقة، فقال: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة (الخطيب)، فالاقتصاد في النفقة يحمي من الفقر وسؤال الناس؛ فقد روي أن النبي ﷺ قال: «ما عال من اقتصد» (رواه أحمد )؛ أي ما افتقر من اعتدل في إنفاقه، أما الذي يسرف في إنفاق المال فإن إسرافه سوف يقوده إلى الفقر وسؤال الناس، ويجعله عالة على غيره.
- الاعتدال في الطعام والشراب يعتدل المسلم في طعامه وشرابه بأن يتناول منهما على قدر حاجته، ولا يخرج عن الحد المطلوب وقد نهى رسول الله ﷺ عن الإسراف في الطعام والشراب، فقال: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم أكلات يُقِمْنَ صُلْبَه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه ( رواه الترمذي وابن ماجه).
- الاعتدال في العمل والراحة المسلم يعتدل في عمله، فلا ينهك جسمه ويتعبه ولا يجعل عمله يؤثر على عبادته أو على واجباته الأخرى، وإذا ما شعر بالإجهاد الشديد في عمله فعليه أن يستريح؛ حتى يستطيع مواصلة العمل بعد ذلك؛ عملًا بالقول المأثور: «إن لبدنك عليك حقًا».
- الاستفادة من الوقت المسلم يحافظ على وقته، فينتفع به في تحقيق ما هو مفيد ولا يضيعه فيما لا يفيد ؛ لأن في الحفاظ عليه المحافظة على حياته، وهو مسؤول عن عمره فيما أفناه، وصدق من قال:
دقات قلب المرء قائلة له
إن الحياة دقائق وثوان
والمسلم يحافظ على وقته بتنظيمه وتقسيمه تقسيمًا مناسبًا، بحيث لا يطغى جانب من جوانب حياته من عمل أو عبادة أو نوم أو لعب على جوانب أخرى، وقد قيل: حسن نظام العمل يضمن نيل الأمل.
- الاعتدال في الكلام المسلم يجتنب الكلام الزائد عن الحاجة؛ لأن ذلك يعد من قبيل الثرثرة، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون (الذين يكثرون الكلام دون ضرورة)، والمتشدقون (الذين يتحدثون بالغريب من الألفاظ)، والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون» (رواه الترمذي).
[1] أستاذ الفقه – جامعة الملك خالد – السعودية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل