العنوان المجتمع التربوي عدد 1229
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 65
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
وقفة تربوية
سر السقوط بعد الهداية
يتساءل الكثيرون عن السر وراء سقوط بعض السالكين لطريق الهداية بعد أن مضوا في هذا الطريق ردحاً من الزمان، كان بعضهم فيه شعلة من النشاط والدعوة إلى الله وقوة الالتزام، وكيف لم يحفظهم الله وينفذ وعده فيهم حيث قال: (وَٱلَّذِينَ ٱهتَدَواْ زَادَهُم هُدى وَءَاتَىٰهُم تَقوَىٰهُم) (سورة محمد اية: 17)، يجيب على هذه التساؤلات الإمام ابن القيم في كتابه الفوائد، حيث يقول: «وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فإن هذا عمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملاً صالحاً مقبولاً لأحبه الله ورضيه ولم يبطله عليه، وقوله لم يبق بينه وبينها إلا ذراع يشكل على هذا التأويل، فيقال لما كان العمل بآخره، وخاتمته لم يصبر هذا العامل على عمله حتى يتم له، بل كان فيه آفة كامنة، ونكتة خذل بها في آخر عمره، فخانته تلك الآفة والداهية الباطلة، في وقت الحاجة، فرجع إلى موجبها، وعملت عملها، ولو لم يكن هناك غش وآفة، لم يقلب الله إيمانه».
فلينظر كل منا إلى أعماق قلبه، يبحث عن تلك الآفات التي يرفض إخراجها من قلبه، وليراجع كل منا توبته ومدى صدقه فيها، حتى لا يكون ذلك سبباً في النكوص والختم على القلب ثم الخاتمة السيئة بعد سلوك طريق الهداية.
أبو خلاد
المسؤولية أمانة وندامة يوم القيامة:
بقلم: ناجي الخرس([1])
المسؤولية أمانة عظيمة لا يتحملها ولا يؤديها حقها إلا من اتصف بالقوة والأمانة، ولابد من تلازم الصفتين معاً.
ولهذا نجد هذا الوعي الواضح في مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال: «اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة» وقريباً من هذا المعنى يقول الخليفة الراشد علي بن أبي طالب: «قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك».
والمسؤولية في ذاتها أمانة عظيمة، لكنها تتفاوت على حسب المقام وعلى حسب حال الشخص، فمثلاً المسؤولية العامة أعظم خطراً من المسؤولية الخاصة وأيضاً المسؤول في زمن الأخطار ليس كالمسؤول في زمن الرخاء، ولكن الأصل في جميع ما سبق أن المسؤولية ولاية، والولاية وظيفتها الأساسية إقامة الدين وإظهار أحكامه بأمانة وقوة.
المسؤولية تشريف وتكليف:
قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلنَٰكُم أُمَّة وَسَطا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيدا) (سورة البقرة آية: ١٤٣)، فأمة محمد r التشهد للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، والرسول r يشهد على هذه الأمة أنه بلغها، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته: هل بلغكم فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول من يشهد لك فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ (وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيدا) (البقرة آية: 143)، فذلك قوله جل ذكره: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلنَٰكُم أُمَّة وَسَطا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيدا) (البقرة آية: 143)([2]) والوسط العدل.
وكما يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي- حفظه الله- في تفسير قوله تعالى: (لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ) (سورة البقرة آية: 143)، فكأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه ستحدث في الكون معركة لن يفصل فيها إلا شهادة هذه الأمة، أي أن الحجة ستكون لكم في المستقبل، وسيضطر العالم إلى الرجوع إلى ما يقننه دينكم.
ويقول ابن القيم- رحمه الله- عن قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلنَٰكُم أُمَّة وَسَطا) (سورة البقرة آية: 143)، إنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خياراً عدولاً وهذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم وثباتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم، والشاهد المقبول عند الله الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستنداً إلى علمه به كما قال تعالى: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلحَقِّ وَهُم يَعلَمُونَ) (الزخرف آية: 86)
أولاً- المسؤولية تكليف:
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي r قال: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» البخاري ومسلم، وبين صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن مسؤولية المجتمع يتحملها الجميع كل بحسبه، وفي ذلك إشارة إلى وضع الجميع في مستوى تحمل المسؤولية حتى لا يكون هناك شخص ليس له دور في المجتمع، فإذا شاع في المجتمع هذا المفهوم التكليفي عرف الناس دورهم الحقيقي الذي من أجله خلقهم الله سبحانه وتعالى([3]).
ثانياً- المسؤولية تشريف:
لقوله r: «أنتم شهداء الله في الأرض» والإضافة هنا للتشريف لأنهم بمنزلة عالية عند الله فهو كالتزكية للأمة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثر، وإلى هذا يومئ قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلنَٰكُم أُمَّة وَسَطا) (البقرة آية: 143) ([4])
وقد ثبت بالدليل الصحيح الصريح شرف هذه الأمة عند الله عز وجل، وذلك ما رواه انس بن مالك رضي الله عنه عن بعض الصحابة يقول: «مروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال النبي r وجبت، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: هذا اثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض([5])
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثة قال وثلاثة، فقلنا واثنان، قال واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد»([6]
([1])كاتب كويتي.
([2]) البخاري ٤٢١٧.
([3]) تفسير الشعراوي ج8 ص ٦٤٥.
([4]) فتح الباري.
([5]) رواه البخاري: ۱۳.
([6]) رواه البخاري: ۱۰۳۲
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل