العنوان المجتمع التربوي (1511)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2002
مشاهدات 72
نشر في العدد 1511
نشر في الصفحة 54
السبت 27-يوليو-2002
وقفة تربوية
قوانين الحافزية (٢)
ذكرت في المقال السابق أربعة قوانين للحافزية، وهي الاتصال الدائم بالحوافز العليا، وتذكر محدودية العمر، وضرورة وضع أهداف رئيسة، والانتهاء من استكمال العمل الذي بدأت به.
واليوم أكمل استعراض تلك القوانين.
القانون الخامس: الاحتكاك بمن يماثلك في الهواية، أو الرغبة، فإن في ذلك حافزًا عظيمًا لزيادة العمل، وتطويره، والاستمرار فيه، وهذا القانون نابع من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
القانون السادس: تعلم كيف تتعلم: كطريق للتعلم، وهو ما أقصد به التعلم الذاتي، والإكثار منه كطريق آخر لاكتساب المعرفة، فالإنسان كريم على ذاته، بينما يبخل الآخرون في منحه العلم.
القانون السابع: استثمر موهبتك الطبيعية وقدراتك الخاصة، في زيادة الحافزية، فإن المواهب تصنع الحافزية، والحافزية تصنع الإصرار، والإصرار يؤدي إلى إنجاز العمل.
القانون الثامن: الإكثار من قراءة قصص أصحاب الهمم العالية في جميع المجالات العبادية والعلمية والمادية: مع التعمق في معرفة الفن الذي تمارسه أو المادة التي تحبها؛ لأن ذلك من شأنه تطوير الحافزية وزيادتها.
القانون التاسع: تقبل المخاطرة: الفشل والارتداد للخلف من أهم عناصر الحافزية، فالفشل أداة التعلم الرئيسة، فلا أحد في هذه الحياة نجح في أي مجال من المجالات دون التعرض للفشل والإخفاق، فلا تخش من الإخفاق والفشل؛ لأنه لا طريق للنجاح إلا بالمرور على محطة أو بعض محطات الإخفاق، والناجح هو الذي يستثمر هذا الفشل للوصول إلى قمة النجاح.
القانون العاشر: الابتعاد عن المحبطين: من أراد طريق الحافزية عليه الابتعاد عن كل ما يضعفها، وأكثر من يضعفها هواة الرسائل السلبية، والمحبطون والمتشائمون والمكثرون من الشكوى والنقد، وغيرهم من طوابير الفاشلين.
هذه عشرة قوانين للحافزية، من التزم بها ونقلها للآخرين، فإنه سيكون بإذن الله من أصحاب الهمم العالية، والحافزية المتقدة التي لا تخبو.
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
مسيرة الهدى تبدأ بخطوة
بقلم: د. فتحي يكن
قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ (مريم: 76).
ترشدنا هذه الآية الكريمة إلى حقيقة مهمة قد تكون غافلين عنها هي أن الهداية مبدؤها ومنطلقها الهدى، وأنه لا هداية من الله دونما هدى من النفس، وأنها - أي الهداية - تزيد وتنقص، وتتقدم وتتراجع، بحسب ما يرافقها، ويتفاعل معها من عوامل القوة والضعف، ولقد لفت رسول الله كله إلى هذا؛ إذ حض على تجديد الهداية والإيمانن فقال: «جددوا إيمانكم، قيل يا رسول: وكيف نجدد إيماننا؟، قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله» (رواه أحمد).
فكما أن تحقيق الربح المادي يحتاج إلى تجارة، وكما أن التجارة تتطلب دربة ودراية وشطارة، وإلى إقدام ومغامرة كذلك الربح الإيماني والهدى الرباني، فإنهما يحتاجان إلى خطوة أولى، ومبادرة، وإلى رصيد يوضع في الحساب، وبعدها تتابع الخطوات وتتلاحق المكتسبات، وتنمو الهداية بعون الله – تعالى -، وإلى ذلك جاءت إشارته تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (مريم: 76).
إنه لا بد من رأسمال يوضع بين يدي كل عمل، فالاجتهاد في العلم هو رأسمال المتعلم؛ كي ينجح، وتعهد الزروع بما تحتاجه من بذور وأسمدة وسقاية هو رأسمال المزارع؛ كي يجني ويربح، وهكذا في كل شأن من شؤون الحياة، فإنه لا بد من مبادرة وخطوة أولى على الطريق.
لقد أدرك سلفنا الصالح هذه المعادلة، فأقبلوا على الله فأقبل عليهم، تقربوا إليه فتقرب منهم، أحبوه فأحبهم، حفظوه فحفظهم، نصروه فنصرهم، ومن خلال هذا البعد الإيماني تشكلت لدى الأولين من الصالحين قاعدة ربحية تصاعدية، تتناغم فيها النعم والشكر، فمن أحدث الله له نعمة أحدث له شكرًا، فإن أحدث لله شكرًا زاده الله نعمًا، فزاده شكرًا فغمره بنعمه، وعمه بفضله، وهو القائل سبحانه: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7)
فمن طمع في الارتقاء، أخذ بأسبابه، وأول أسبابه الإرادة والتصميم، ثم المبادرة والمصابرة وصدق الشاعر؛ إذ يقول:
ومن يتهيب صعود الجبال
يعِش أبد الدهر بين الحفر
إن بلوغ درجة الولاية مبدؤه: الولاء لله – تعالى - وموالاته، واستباق الخيرات، وترك المنكرات، واهتبال الفرص، واقتناص السوائح، وتصيد المناسبات والنفحات، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيما يُروى عنه: «ألا إن الله – تعالى - في أيام دهره لنفحات، ألا فتعرضوا لها».
العفو يحيل الكراهية حبًّا
حاز الطالب ماهر عبد المجيد عبود تقدير جيد جدًّا، لرسالة الماجستير التي قدمها تحت عنوان «العفو عند العقوبة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي» من كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت مؤخرًا.
في البداية أكد الباحث أن العقوبة عصب اعتدال المجتمع واستقامته؛ إذ لا بد للناس من زاجر ورادع، ولا يمكن تطبيق العقوبة إلا بعد الإلمام بجانب العفو فيها، حتى لا تقع في غير موقع.
وأضاف: إن في العفو سترًا، فمتى عاقبنا فقد ظهرت الجريمة، وفي إشهارها إشاعة لها؛ إذ إن الجريمة المعلنة تدعو في ثناياها إلى الجريمة حتمًا، بحيث إننا عندما نعاقب يعرف الجاني والمجني عليه، وصلتهما بالجريمة، ولا شك أن في هذا ضررًا كبيرًا عليهما، يحول دون نسيانها، بل العكس فقد يؤدي الشعور بفقد الكرامة بعد إيقاع العقوبة إلى معاودة الجريمة، ويهون الإقدام على أي فعل بعد ذلك، دون مبالاة بما يقال عنهما، وخاصة بالنسبة للجاني على اعتبار أن جريمته لم تكن عن سابق إصرار وتصميم، بل على العكس من ذلك ربما كانت سقطة منه، وتحت تأثير نوبة غضب جامحة، فمن الناس من يصمد، ومنهم من لا يصمد فيتلاشى، ومن ثم يرتكب الشر وليس فيه تصميم كامل بل الندم قريب إلى نفسه والتوبة؛ حيث يكون الندم، فلا شك أن التسامح معه قد يساعد بنسبة كبيرة على التوبة، بل ويساعد على تأليف نفسه مع المجتمع.
وتابع: إن في العفو علاجًا حاسمًا لما قد يترتب على الجناية من قطيعة للرحم، أو فساد في العلاقات الاجتماعية، فكم أحال العفو البغض والكراهية حبًّا، والبعد والنفور قربًا، ففي جريمة القتل - مثلًا - التي تكون بين قوم وآخرين، وبينهما من الصلة والمودة ما يجعلهما يحرصان كل الحرص على المحافظة عليها، ولكن الجاني قد قطع هذا، وبقتله يستمر القطع، فالعلاج الوحيد هو العفو، وبالعفو تبقى الصلة بينهما، بل على العكس تتجدد المودة، ويزول ما بينهما من شر قد أطل برأسه.
واختتم دراسته بالقول: إن في العفو السلامة من الشك، والخروج منه إلى اليقين المريح للضمير، والخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وأنى لنا أن نتدارك خطأ العقوبة، خاصة بالنسبة للجرائم في الشريعة الإسلامية؛ لذا جاء في الحديث: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».
فالقاعدة إذن العفو عن المجرم خير من عقوبة البريء.
طبيعة اليهود ... كما تبينها آية من سورة «المائدة»
ترك اليهود شريعة الله، واتبعوا شريعتهم، وأطاعوا السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها؛ فاستحقوا الجزاء
عبد الله بن محمد القاضي
menu123@ayna.com
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 60).
قال صاحب الظلال - يرحمه الله -: «وهنا تطالعنا سحنة يهود وتاريخ يهود، أنهم هم الذين لعنهم الله وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وإنهم هم الذين عبدوا الطاغوت، وقصة لعنة الله لهم وغضبه عليهم واردة في مواضع شتى من القرآن الكريم، وكذلك قصة جعله منهم القردة والخنازير، أما قضية عبادتهم للطاغوت تحتاج إلى بيان هنا؛ لأنها لفتة ذات دلالة خاصة في سياق هذه السورة، فإن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله، وكل حكم لا يقوم على شريعة الله، وكل عدوان يتجاوز الحق والعدوان على سلطان الله وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغيانًا، وأدخله في معنى الطاغوت لفظًا ومعنى، وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان، ولكنهم تركوا شريعة الله واتبعوا شريعتهم وعبدوا الطاغوت، أي: السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها، وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع، ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة، وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً﴾، أي شر من نقمة أهل الكتاب على المسلمين، وما يكيدون لهم وما يؤذيهم؛ بسبب إيمانهم، وأين نقمة البشر الضعاف من نقمة الله وعذابه وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلال عن سواء السبيل: ﴿أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 60).
ويمضي السياق في التنفير من موالاتهم بعرض صفاتهم وسماتهم بعد عرض تاريخهم وجزائهم، ويجيء التحذير والتوعية منهم بكشف لما يبيتون، ويبرز اليهود كذلك في الصورة؛ لأن الحديث عن وقائع جارية، ومعظم الشر كان يجيء من قبل اليهود» (انتهى كلام صاحب الظلال).
وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، وحتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله».
قال البخاري - يرحمه الله -: «هو إخبار بما سيقع في مستقبل الزمان؛ لأنه من المعلوم أن الوقت الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأت بعد، وإنما أراد بقوله تقاتلون: مخاطبة المسلمين، وفيه إشارة إلى بقاء دين الإسلام إلى أن ينزل عيسى - عليه السلام - فإنه الذي يقاتل الدجال، ويستأصل اليهود الذين هم تبع الدجال» (انتهى شرح البخاري).
لقد بيَّن الله- عز وجل - طبيعة اليهود وأخلاقهم السافلة في القرآن الكريم، ومنها الخيانة، ونقض العهد، وقتل الأنبياء والعداوة للذين آمنوا، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱليَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقرَبَهُم مَّوَدَّة لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَى ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنهُم قِسِّيسِينَ وَرُهبَانا وَأَنَّهُم لَا يَستَكبِرُونَ﴾ (المائدة: 82)
واليهود المعاصرون امتداد لأجدادهم الأوائل، وهم الذين يعيثون في الأرض فسادًا واحتلالًا لأرض فلسطين والمسجد الأقصى المبارك، وغيرهما من الحقوق العربية والإسلامية، ثم عدوانهم المكثف والصارخ على أبناء شعب فلسطين قديمًا وحديثًا، وحقدهم على الشعوب المجاورة، وعلى العرب المسلمين بصفة عامة، فتاريخهم أسود مليء بالغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق.
إنني أتفاءل أن يأتي اليوم الذي تمتلئ فيه نفوس الشعوب العربية والإسلامية بالإيمان الكامل، والعودة إلى شريعة الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، حتى يُطهَّر بيت المقدس وأرض فلسطين من دنس اليهود، فلا بد من مجاهدة النفوس وإصلاحها أولًا على منهج الله وشريعته؛ حتى يتمكن المسلمون من طرد الغاصبين، واستعادة الأرض السليبة والمسجد الأقصى المبارك: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).
حبر الأمة وترجمان القرآن (۲ من ۲)
أصبح مستشارًا للخلافة الراشدة برغم حداثة سنه .. أهلَّه لذلك علمه وفقهه
جمع بين العلم والعمل، غزا إفريقيا، وكان يقطع اعتكافه ليسعى في حاجة أخيه
بلغت عنده الصلاة مبلغًا عظيمًا حتى اختار أن تذهب عيناه ولا تفوته ركعة واحدة
وليد مسلمي
المؤمن لا يستطيع أن يفارق ما ألفه قلبه وجوارحه من معاملة الخالق - جل وعلا -، وليس يصدُّه عنها بلاء ولا ابتلاء، وكلما كان حب العبادة متمكنًا في قلب المؤمن كان بُعده عنها أشد استحالة، حتى إنه لا يتصور حياته دونها، وابن عباس - رضي الله عنه - بلغت عنده الصلاة مبلغًا عظيمًا يرى أن تذهب عيناه ولا تذهب ركعة واحدة.
عن سماك أن ابن عباس سقط على عينيه الماء فذهب بصره، فأتاه هؤلاء الذين ينقبون العين ويسيلون الماء، فقالوا: خل بيننا وبين عينيك نسيل ماءهما، ولكنك تمكث خمسة أيام لا تصلي، قال: لا والله ولا ركعة واحدة، وإني حُدثت أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا لقى الله وهو عليه غضبان[1].
هم الرجال فلا يلهيهم لعب
عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل
واسمع للإمام بديع الزمان سعيد النورسي حين يخاطبك، ويقول: «ركبت من القصور والفقر والعجز والاحتياج؛ لتنظر بمرصاد قصورك إلى سرادقات كماله سبحانه، وبمقياس فقرك إلى درجات غناه ورحمته، وبميزان عجزك إلى قدرته وكبريائه، ومن تنوع احتياجك إلى أنواع نعمه وإحسانه، فغاية فطرتك هي العبودية، والعبودية أن تعلن عند باب رحمته قصورك بـ (أستغفر الله) و(سبحان الله)، وفقرك بـ (حسبنا الله)، و(الحمد الله)، وبالسؤال، وعجزك بـ (لا حول ولا قوة إلا بالله) و(الله أكبر)، وباستعدادك له فتظهر بمراتب عبوديتك جمال ربوبيته»[2].
وأحسب أن ابن عباس - رضي الله عنه - بلغ أرقى مراتب العبودية، فاستمتع بروائع جمال الربوبية.
لا لست أعدل عنها
ولو فديت بعيني
هي الصلاة حياتي
بحضرتي أو ببيني
فقه الشمول
معنى العبادة عند ابن عباس - رضي الله عنه - شامل وكامل، فليست العبادة عنده فقط الانقباض في المحراب والعكوف على العلم فحسب، بل هي كذلك، وكل ما يصدر عنه في طاعة الله - عز وجل - وكل أحواله عبادة وعاداته بالنية عبادات،
فالجهاد في سبيل الله عنده عبادة ما تركها - رضي الله عنه -.
قال أبو سعيد بن يونس: غزا ابن عباس أفريقيا مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا[3].
بل ترك - رضي الله عنه – اعتكافه، وخرج ساعيًا في حاجة أخيه، أخرج الطبراني والبيهقي واللفظ له والحاكم مختصرًا، وقال صحيح الإسناد عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فسلَّم عليه ثم جلس، فقال ابن عباس: یا فلان، أراك مكتئبًا حزينًا، قال: نعم يا ابن عم رسول الله، لفلان عليّ حق ولاء ما أقدر عليه، قال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟، فقال: إن أحببت، قال: فانتعل ابن عباس، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ قال: لا ولكني سمعت صاحب هذا القدر والعهد به قريب (ودمعت عيناه) وهو يقول: «من مشي في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشرين سنة، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله – تعالى - جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ما بين الخافقين[4]».
حلاوة العلم.. مبادئ تطبق
ما إن حُلت عن الغلام الهاشمي تمائمه، ودخل سن التمييز حتي لازم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملازمة العين لأختها، وهو في كل ذلك يحمل بين جنبيه قلبًا واعيًا، وذهنًا صافيًا، وحافظة دونها كل آلات التسجيل التي عرفها العصر الحديث[5].
فهنا يُعلِّمنا ابن عباس السبيل الأمثل في طلب العلم، إنها الملازمة، أول خطوة طلب العلم، فإن الحدث إذا تصدر هلك، ومن كان شيخه كتابه كثر خطوه وقل صوابه.
مجامع الخير
إن سر التميز في هذه الحياة أمران: العلم والخلق، ولهذا نجد أن كثيرًا من أهل العلم يوصون تلاميذهم بالأخلاق الفاضلة.
في اكتساب العلم إرغام العدى
وجمال العلم إصلاح العمل
كان ابن عباس - رضي الله عنهما - من الذين نفعهم علمهم، فتدثروا بدثار الأخلاق.
عن عبيد الله بن عبد الله قال: «كان ابن عباس قد فاق الناس بخِصال: بعلم ما سبق، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم ونسب، ونائل، وما رأيت أحدًا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر[6]».
ولهذا حق المجاهد أن يقول: ما رأيت أحدا كابن عباس - رضي الله عنه -.
إن مجالس العلماء مجامع للخير ومدارس للتقوى، ولهذا قال عمرو بن دينار في ابن عباس: ما رأيت مجلسًا أجمع لخير من مجلسه.
أعقل مني
نلمح في حياة ابن عباس - رضي الله عنه - تحقيق مبدأ آخر من مبادئ طالب العلم ينبيك عن عقل راجح، شهد له بذلك كبار الصحابة.
إنه الحرص على الطلب والبذل في سبيل العمل.
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن الفرع للأبواب أن يلجا
روى جرير بن حازم، عن يعلى بن حكم، عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا بن عباس!، أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من ترى؟!، فترك ذلك، وأقبلت على المسألة، فإنه كان يُبلِّغني الحديث عن الرجل فآتيه، وهو قائل: سأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على المحراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا بن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هلَّا أرسلت إليّ فآتيك؟!. فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني، وقد اجتمع الناس عليّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني[7]».
وفيه يعلِّمنا ابن عباس مبدأ التناصح في العمل.
كل فرد بأخيه ممسك
كوكب من كوكب مستحكم
وإنه ليحدثنا مشايخنا عن الحرص على طلب العلم فنعجب، وأعجب من ذلك ما رواه طاووس - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -».[8]
فأي همة هذه وعاقبة لم حلوة من ذاقها صبر على مُرِّ التعلم؟
من لم يذق من التعلم ساعة
تجرَّع كأس الجهل طول حياته
ومن لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف، كما يقول ابن الجوزي: ولعمر الله ما هو بظلام، لكنها لغة اضطر لها كما اضطررنا ليعقل مراده الحاقدون[9].
هكذا أُمِرنا
من المبادئ الأساسية في طلب العلم حب العلم وتقديره وطاعته، قال الله- تعالى - على لسان كليمه موسي: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (الكهف: 69).
ويُعلِّمنا إياه الفتى الهاشمي عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، ها هو زيد بن ثابت كاتب وحي ورأس أهل المدينة في القضاء والفقه والقراءة والفرائض يهِّم بركوب دابته، فيقف عبد الله بن عباس بين يديه ويُمسك له ركابه، ويُمسك بزمام دابته، فقال له زيد: دع عنك يابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أرني يدك، فأخرج ابن عباس يده فمال عليها وقبلها وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا[10].
هذا الموقف الإيماني العجيب لا يمكن أن يتكرر في عصرنا هذا، إنه السمو في علم العالم، وحب المتعلم، فهل تعجب لفعل ابن عباس مع شيخه أم تعجب لزيد - رضي الله عنه -؟، لكنهم علماء القرآن؛ يسير في عروقهم، وتحكمهم عقيدته، لفظوا كل المعاني الأرضية الجاهلية، نعم حقًّا كما سماهم سيد قطب - يرحمه الله -: «الجيل القرآني الفريد».
لمن أراد
العلم يرفع بيتًا لا عماد له
والجهل يهدم بيت العز والشرف
هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، ولقد بلغ عباس - رضي الله عنهما - مبلغا في العلم عظيمًا وسما درجات فيه عظامًا.
وقد غدا - بفضل علمه وفقهه - مستشارًا للخلافة الراشدة على الرغم من حداثة سِنِّه، فكان إذا عرض لعمر - رضي الله عنه - أمر أو واجهته معضلة، دعا جلة الصحابة ودعا معهم عبد الله بن عباس، فإذا حضر رفع منزلته وأدنى مجلسه، وقال له: لقد أعضل علينا أمر، أنت له ولأمثاله، وقد عوتب مرة في تقديمه له وجعله مع الشيوخ وهو ما زال فتى، فقال: إنه فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول[11].
قال أبو صالح: «لقد رأيت من ابن عباس مجلسًا لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها الفخر، لقد رأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب، قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي: ضع لي وضوءًا، قال: فتوضأ وجلس، وقال: اخرج فقُل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه وما أريد منه فليدخل، قال: فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقُل لهم: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن وتأويله فليدخل، قال: فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر، ثم قال: اخرج، فقُل: من أراد أن يسأل عن الحلال والحرام والفقة فليدخل، قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثله أو أكثر، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، ثم قال: اخرج فقُل لهم من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل، قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثل ما سألوا عنه وأكثر، ثم قال: اخرج، فقُل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب فليدخل، قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم، فخرجوا، قال أبو صالح: فلو أن قريشًا فخرت بذلك لكان فخرًا، فما رأيت هذا لأحد من الناس[12]».
لافتة ساطعة
هكذا كان عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - شخصية جذابة يسحر العيون كالبدر الوضيء في السماء الصافية، ذاق لذة الحرية وفق كنه العبادة، تمتع بحلاوة العلم بعد أن طبَّق مبادئه، بعد أن تفسَّخ من كل الروابط القديمة والعلائق الجاهلية، وتخلص من العوائد المثبطة، فسما وعلا وتخطى العوائق التي تعترض طريق من يسير على المنهج الرباني.
ثم استعلى بإيمانه - رضي الله عنه -، إنه المؤمن هو الأعلى، الأعلى سندًا ومصدرًا، فما تكون الأرض كلها؟، وما يكون الناس؟، وما تكون القيم السائدة في الأرض والاعتبارات الشائعة عند الناس؟، وهو من الله يتلقى، وإلى الله يرجع، وعلى منهجه يسير[13].
هذه جوانب مشرقة من حياة الفتى الهاشمي عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، بها يقتدي الشباب المسلم، ويجعلها إشارات في طريقه، وكل طريق لا بد فيه من إشارات.
إن طريقًا جميلًا فسيحًا يُغريك بالتوغل، تتفرع عنه دروب ضيقة وانعطافات حادة، لن تدعك شرطة السير والمرور تسير فيه بسيارتك دون علامات تحذير حمراء وإشارات للأخطار، فما من سائر يلتزم حدود هذه اللافتات إلا ويصل إلى مراده وغايته آمنًا، ساكن القلب في لذة غامرة[14].
نعم كذلك طريق المؤمنين من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، وفي كل عقد وردح من الزمن تظهر لنا إشارة ربانية في ولي صالح، وداعية مجاهد.
لقد كان ابن عباس إشارة ظاهرة ولافتة ساطعة، رضي الله عنه وأرضاه، وجمعنا به في جنته ومأواه.
الهوامش:
[1] عبد الله بن عباس 33
[2] الرقائق 19
[3] سیر اعلام النبلاء 3/336
[4] عبد الله بن عباس 36
[5] صور من حياة الصحابة ١٧٥
[6] سیر أعلام النبلاء 3/350
[7] سیر اعلام النبلاء 3/242 ، 343
[8] المصدر السابق 3/244
[9] الرقائق 62
[10] صور من حياة الصحابة ١٨٠
[11] من حياة الصحابة ١٨٣
[12] عبد الله بن عباس 66،67
[13] معالم في الطريق ١٨٠
[14] العوائق - (محمد أحمد الراشد)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل