العنوان المجتمع التربوي: (العدد: 1416)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
وقفة تربوية
اللهم أعدني للحياة (٦)
بعد واحد وعشرين يوما من فقده الوعي، فتح عينيه، وبدأت الحياة تدب في أوصاله، تمكن من أن يحرك رأسه، فيرى إخوانه الصالحين يحيطون به، كل منهم يقرأ القرآن.
لقد تحققت الكرامة واستجاب الله لدعائه في السحر: «اللهم أغرقني ثم أعدني للحياة»، وما إن شعر بشيء من القوة والوعي حتى رحب بإخوانه، وسلم عليهم بهدوء، ثم نطق بأول شيء بعد الترحيب، فيروي ما رآه من رؤيا صالحة في أثناء فقدانه للوعي.
لقد رأى الرسول ﷺ وهو متربع على مبنى مرتفع، وحوله نور، وهو مقبل عليه، باشا في وجهه، وفي الطابق الأسفل منه رأى نورا شديدا، في جانبين، وعندما اقترب منه رأى أبا بكر - رضي الله عنه - في ناحية وعمر في الناحية الأخرى، وكلاهما يرفع يديه شابكًا بينهما وهما يقولان له: «أنت معنا .. أنت معنا»، ثم رأى في الطابق الأسفل منه عثمان وعليا، يقولان له ما قاله الصديق والفاروق: «أنت معنا .. أنت معنا».
ثم رأى جده في الطابق الأسفل، مقبلا عليه، ويقول: «كن معهم، واسلك طريقهم».
فرح الجميع بهذه الرؤيا، وأولوها بخير، ثم استمر بالتعافي يوما بعد يوم حتى استطاع المشي رويدًا رويدا، فذهل الأطباء لمنظره، وهو يقوم من الفراش، لقد ظن أكثرهم تفاؤلا أنه إن يعش، فسوف يعيش مشلولا، فكيف به وهو يمشي أمامهم الآن؟!.
إنها قدرة الله العظيمة، وآياته لعباده المؤمنين؛ ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، إنه دعاء السحر، واستجابة الله وسلاح الدعاء الذي لا يفهم مغزاه إلا عاشق الأسحار، كذلك إنها - رحمة الله - وتوفيقه، واستجابته التي لا يمنحها إلا لمن يحسن الظن به.
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح قول النبي ﷺ: «إن الله - عز وجل - قال: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرا فله، وإن ظن شرا فله».
أبو خلاد
ما لم ينشر من رسائل الإمام حسن البنا
رسالة إلى الطالب المسلم المغترب
•اقض ما استطعت من الوقت في الطاعات، وكن مع القوم ناقدًا بصيرًا ومنصفًا خبيرًا
في عام ١٩٣٥م، كتب الإمام حسن البنا - رحمة الله - رسالة لطالب مسلم، ذهب مع زوجته للدراسة في بلاد الغرب، ونظرا لما فيها من نصائح ثمينة، ووصايا مهمة، رأينا نشرها كاملة لا سيما أنها لم تنشر من قبل، وهذا هو نص الرسالة:
أخي في الله ... رعاه الله وكلأه: أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه، ومن تمسك بشريعته إلى يوم الدين.
السلام عليك ورحمة الله وبركاته، يوم تسافر صالح النية نبيل المقصد، ويوم تعود راشد المسعى حميد الأوبة، ويوم تخدم الإسلام المفدى بما قطفت من يانع ثمر العلوم، وناضر أزهار المعارف.
بعد فترة قليلة أيها العزيز ستكون بين قوم لم تعرفهم، وأناس لم تألفهم يرون فيك مثال المسلم، فاحرص يا عزيزي أشد الحرص على أن تكون خير مثال، وأفضل صورة يفهم منها القوم أن المسلم فضيلة، وأن المسلم نبل.
وإن معك وديعة غالية هي زوجك الفاضلة، فاقدر ذلك، وكن لها رفيقا أمينا يوفر لها الراحة، ويحقق لها السعادة، وشاطرها الهناءة في غير تساهل في الحقوق أو تغافل عن الواجبات.
واقرأ معي هذه الكلمات التي أملاها حبي إياكما، وإخلاصي لكما كأخ كبير يتمنى لأخويه أفضل الأماني، ويرجو لهما أسعد الحياة.
وصايا ثمينة:
يا أخي:
1- أحسن مراقبة الله - تبارك وتعالى - في كل شأنك، واعلم أنه رقيب عليك، وناظر إليك ومحيط بكل شأنك أينما كنت، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فاجتهد ألا يراك إلا حيث يرضى عنك وقتًا وحالًا، ولا تغفل عن مراقبة الحق تبارك وتعالى، فيتسرب إلى نفسك الشيطان، وتغلبك وساوس النفس، واعتقد يا عزيزي أن القلب المعمور بمراقبة الله - تبارك وتعالى - لا يقربه شيطان أبدا، فإن خلا من معرفة الله استهوته الشياطين، وسكنته الشهوات والأهواء، فحصن قلبك بالمراقبة، واستعن على ما يحيط بك باليقظة، ولا تكن من الغافلين.
٢- أد فرائض الله التي افترض عليك ولا تهملها اتكالا على القضاء أو اشتغالا بالأعمال، أو تعللا بالمعاذير، فإن ذلك من خداع النفس، ونزعات الهوى، قال تعالى: ﴿َلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (ص: ٢٦). واعلم - يا عزيزي - أنه ما تقرب أحد إلى الله بمثل ما افترض عليه، كما جاء في حديث البخاري - رضي الله عنه -، فإياك إياك وإهمال الفرائض والتكاسل عن الواجبات التي هي لله عليك، فأقم الصلاة، وأحسن الصوم إلا أن تعجز عجزًا تامًّا عن ذلك، فيكون لك مندرجة في قول الله – تعالى -: ﴿عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (البقرة: ١٨٤) .
واحذر أن تتخذ ذلك ذريعة للتقصير، فلأن تصوم بمشقة وأنت في ديار الغرب أعظم لأجرك، وأجزل لثوابك، وأرضي لربك، وأزكى لنفسك، فلا تقربن الفطر إلا مغلوبا لا تجد إلى الصوم حيلة، ولا تستطيع إليه سبيلا، ولا أزيدك بالفرائض وصية، فإنها رأس المال، وما بالك بمن أضاع رأس ماله، كيف يكون حاله مع الرابحين غدا؟.
٣- اقض ما استطعت من وقتك في الطاعات من النوافل، فأد سنن الصلوات، وأكثر من الاستغفار، وسبح باسم ربك العظيم، واعلم أن دعاء المرء، وهو على سفر، وفي اغتراب مستجاب فأكثر من الدعاء تضرعا وخيفة، وأدم ذكر الله - تبارك وتعالى -: فقد أوصى الرسول ﷺ عليا كرم الله وجهه بأن يظل لسانه رطبا بذكر الله، ولا تدع سبيلا تستطيع أن تسلكها إلى الخير إلا سلكتها، فإن الطاعات مضاعفة الأجور، وذكر ربك بين الغافلين بين أبناء تلك الأمم نور على نور، فاغتنم هذا الوقت فهو موسم من مواسم الأرباح الأخروية لمن أراد ان يغتنم الفرص، وينتفع بالمواسم.
٤- أكثر من تلاوة القرآن الكريم بتفهم وتدبر، فهو شفاء الصدور، وربيع القلوب، واجعل لك منه وردًا تستفتح به يومك، وتختم به عملك، فنعم البدء، ونعم الختام.
٥- سترى من مباهج الحياة، وزخرف الدنيا ما يستهوي القلب، ويسترعي العين، ويخلب اللب، ويغلب ضعاف النفوس، فلا يفتننك ذلك عن الفضيلة، ولا ينسينك الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (طه:١٣١،١٣٢).
واعلم يا عزيزي أن هذه المتع جميعًا لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولا تدل على شرف أو فضيلة، وإنما هي مطايا الشهوات، ومهاوي الفتن فاحذر أن يستخفك الشيطان، فتردى في مهواة الإثم والفتنة، واذكر دائمًا قول الله - تبارك وتعالى -: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (آل عمران: ١٤).
وكتاب الله يتلو هذه الحقائق صباح مساء، فلا تكن ممن يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة ويخدعه القشر عن اللباب، وما من لذة من هذه اللذائذ التي جاءت بها المدنية المعاصرة إلا تعقبها آلام تربو على حلاوتها، وتذهب بعذوبتها، فتجنب مظاهر دنياهم، ولا تأخذن بقيادك ولا تخدعن بها لتكون من الفائزين.
٦ - يا عزيزي إن القوم يرون بعض ما حرم الله علينا حلالا لهم، فلا يتحرجون عن مقارفته، ولا يتوقفون عن ارتكابه، فلا توافقهم على أهوائهم ولا تخالطهم في آثامهم، فإن ذلك لا ينجيك من مؤاخذة الله – تعالى -، ولا يصلح لك حجة يوم القيامة.
لا تصاحب فتياتهم، ولا يكن بينك وبينهن صداقة خاصة، ولا صلة عاطفية، فإن ذلك إن كان من غيرك جرمًا واحدًا فهو منك جرمان، وأنت تعلم تأويل ذلك.
والعهد بك العفاف والأمانة، وإنما ذكرت ذلك تنبيها على مزالق الإثم حتى لا تزل قدم، وفي طهارتك الغناء، وفي شرف نفسك الكفاء.
الخمر: لا تقربها ولا تتعلل بالجو فإن الله حين حرمها كان يعلم الأجواء جميعا، فلم يستثن بلدا دون بلد، ولا أمة دون أمة، ولكنه حرمها تحريما لا شك فيه، ولا استثناء معه، فإياك أن تحتل من طنك مكانا فتظل بقعة سوداء في ذلك الأديم الطاهر، وكن أشد ما تكون عزيمة أمام الكأس لأولى، فإنها إن خامرت عقلك استتبعت الثانية فالثالثة، فانزلقت إلى هاوية لا تجد لك معها خلاصا، وجنيت بذلك على نفسك، وعلى غيرك جناية إن كفرتها التوبة، فمن لك يسابق الطهر بروعة الحصانة؟!!.
مطاعم القوم المحرمة من خنزير وميتة لا تذق منها شيئا، ولك في الحلال مندوحة وغنى، فلا تتذوق الحرام ولا ينبت لحمك منه، فكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، وما حرمه الله إلا وهو خبيث قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧) فانصرف عن الخبائث إلى الطيبات.
المقامر والملاهي ودور العبث وقتك أغلى من الضياع فيها، فاحرص عليه أن يضيع في غير ثمرة تستفيدها أو خير تفعله، ولقد رأيت من قال: إن الوقت من ذهب فلم يعجبني ذلك؛ لأن الوقت أعلى من الذهب الوقت هو الحياة، وهل حياتك إلا هذه الساعات التي لا تدري متى تنتهي، فاحرص يا عزيزي أشد الحرص على أوقاتك ولا تصرفها إلا في الجد وروح عن نفسك بالحلال من المروحات، وإن في السماء لروحا، وإن في الأرض لجمالًا، وإن في الحدائق لنضرة، وإن في البحر لعظمة، وإن في نفسك لآية، وإن من الهواء لغذاء، فخذ من ذلك كله راحة نفسك واستجمام خاطرك، ولا تكثر من اللهو والغفلة، فإنها حجاب عن الخيرات، ومدعاة إلى السوء، كن مع القوم ناقدًا بصيرًا ومنصفًا خبيرًا، لا تستهوينك محاسنهم فتنسى مساوئهم، ولا تؤلمنك مساوئهم فتنسى محاسنهم، بل ادرسهم دراسة الفاحص المدقق، واحط بكل ما تستطيع من شؤونهم علما، ثم انقد ذلك كله بعين البصيرة، فما كان حسنا فاهد إلى أمتك وقومك، وعد به مظفرا مؤيدا، وما كان غير ذلك فألقه إليهم، ولا تقم له وزنا، ولا تأت إلا وقد نفضت منه يدك، وفرغت خاطرك.
وستجد قومًا يعيبون دينك، وينالون من نبيك، ويجهلون قرآنك، وينتقصون قومك فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإن دعاك الأمر إلى النقاش فجادلهم بالتي هي أحسن، وأوضح لهم ما تعلم في ذلك من المحاسن، وإياك والمراء المؤدي إلى البغضاء والفتنة، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦).
واعلم - عزيزي - أن الدعوة الفعلية أجدى من الدعوة القولية، وأن دفاعك عن دينك وأمتك ودعوتك لهما بحسن خلقك، وكمال نفسك واستقامة مسلكك أجدى وأنفع من كل شيء.
وإن أتيح لك سبيل القول والمحاضرة في مجامع القوم وأنديتهم، فاستعد لذلك، وتخير ما لا يثير الفتنة ولا يجرح كرامة، ولا تتهيب الموقف فإن معونة الله مع المخلصين، وكن إيجابيًّا، فلا تقدح في عقائد القوم، ولكن جل لهم محاسنهم، واكشف لهم عن عقائدنا، وحسبك هذا دعاية وتشويقًا.
أما بعد: فإن في القول فضل سعة، وكنت أحب أن أستمر إليك مناجيًّا لولا أني أخشى أن أطيل عليك، فتنسى فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضا، رافقتكما السلامة، ورعاكما الله، وأعادكما على خير ما يحب لكما المخلصون، ونستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم عملكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
همُّ الدعوة وهمُّ النفس
الهم أمر عظيم يعتري النفس في كثير من الأحيان نظرًا لكثرة تكاليف العيش، وتعدد مواقف الحياة المليئة بالمتاعب.
يقول الشيخ علي الطنطاوي - طيب الله ثراه -:«لولا النسيان كانت الحياة لا تطاق أي أننا مطالبون بنسيان هموم العيش والنفوس التي لا علاقة لها بشواهد ديننا الحنيف».
إن هم الدعوة إلى الله - تعالى - هو الهم المتجدد في النفوس الذي يجب أن نحمله في شغاف قلوبنا من أجل بث الخير في المجتمع، ووصول كلمة الحق إلى كل بيت، هم دعوة الناس إلى ولوج سبل الخيرات والقيم والعادات الإسلامية، والبعد عن تفاهات العيش، وتجرع ذكريات الهموم النفسية الصادرة من العلاقات بالناس.
والذي يحمل هم دعوة الناس، ويحمل تكاليف الدين على عاتقه سيحظى - بلا شك - بتوفيق رباني فريد، وسيكون في حراك مستمر يهمه إصلاح الأحوال، وسيسير في قافلة الخير يقرع الأبواب بأنامله الرقيقة طمعا في هداية الضالين، وهو لعمري المبتغى النبيل الذي يجب أن نسعى إليه جميعًا؛ أملًا في صلاح النفوس، وصلاح المجتمعات بأسرها.
فما الفائدة من أن نوجع قلوبنا بما يقع في حياة الناس، ونتناسى واجبنا الأهم في توصيل مفاهيم الحياة السامية وثوابتها لجميع النفوس الظامئة المتعطشة لخير الإسلام العظيم؟.
فليكن – أخي - هم الدعوة هو الهم المتجدد في قلبك؛ ليتجدد نشاطك، وتتوثب حماسًا لإثبات ذاتك في الدعوة والإصلاح، والهداية، أما ما سوى ذلك من الهموم فلا مناص من إزالتها بالرجوع إلى حوزة الإسلام الفاضلة، والتقرب إلى الله – تعالى - بالطاعات والقريات الصالحة والتبتل إليه بأن يكشف هذه الهموم، التي تعتري الناس، وتشغلهم بأنفسهم عن معالي الأمور.
بدر على قمبر
صبر الأئمة
د. توفيق الواعي
الإمامة شيء فوق الرجولة، وأمر أعلى من الشجاعة، ودرجة أسمى من الريادة، يُلقاها من يحمل مؤهلاتها، ويصل إليها من يبلغ درجتها، وملاك تلك المؤهلات، وعمود هذه الدرجات الصير؛ حيث قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ﴾ (السجدة: ٢٤).
وكم كنت وقافا على أعتاب هؤلاء الأئمة أنظر إلی قممهم، وأنا في السفح فأعجب، وإلى ريادتهم وأنا في الساقة فأشده، وأقول: كيف لي برجال نهروا البلاء، وتغلبوا على الصعاب، وحاولت مرات ومرات أن أتعلق بأهدابهم، وأتشبث بأسبابهم، ولكنني عرفت أن ذلك شيء لا ينال إلا بالعمل، وبالمواقف، وفي أتون المحن، وعلى هذا وبهذا تظهر القمم، وتبرز الأئمة، وصدق الله ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (ص:٤٤)، ومن هذه المدرسة تخرج الهداة، وتعلم الدعاة، وصدق الله ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥).
وأنا في الحقيقة عشت هذه الأجواء، وشاهدت بنفسي بعضا من هؤلاء الأئمة الرجال، الذين صهرتهم المحن، وعركتهم الأيام، فكانوا أشد عودا، وأقوى شكيمة من الحوادث الجسام، من هؤلاء - ولا أزكي على الله أحدًا - أخي طلعت الشناوي، الذي نشأ رجلا، وتربى مقداما، وعاش بطلا، حمل الدعوة صغيرًا، فكان مثلا يحتذى، وأعطاها عمره وشبابه، فكان مجاهدا يرتجى، عاش المحن وهي ثقيلة الوطأة، وتحمل الظلم والبغي في الله وهو صعب المذاق، وذاق البلاء تلو البلاء من الاعتقال، ومن الحرمان من الدراسة، ومن السجون مرة ومرة ومرة بغير جريرة، إلا أنه داعية إلى الله مستقيم على أمره، مقتديًا برسوله، وأشهد ما وجدته في ساعات الشدة إلا مبتسمًا راضيًا كريمًا عظيمًا، حمولًا صابرًا، فكنت آخذ منه زادًا، وأقتبس منه نورًا، وكنت أقول في نفسي دائمًا هذا ليس أمرًا طبيعيًّا، ولكنها عناية الله تظهر في نفس إنسان، وثباته ورضاه يحل في بدنه، وصدق الله ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: ٤٨).
ومن فترة أبي الظلم والعسف إلا أن يأخذ الأستاذ طلعت إلى السجن مرة أخرى، فرأيته مرة أخرى ورآه العالم على صفحات الجرائد ضاحكًا مبتسمًا، وخرج من السجن، فقلت: لعل الرجل يرتاح قليلا، ويودع الكرب، فإذا بي أسمع نبأ وفاة ولده في حادث الطائرة المشؤوم، فقلت: سبحان الله ما زال الرجل يرقى في الدرجات وما زال يعتريه ما يعتري الأئمة، ويرقى كما يرتقون، ويعطي مثل ما يعطون.
يا أبا محمد، كم تفطرت لمصابك، وكم تألمت لألمك وكم كنت أود أن أكون بجوارك في هذه المحنة، ولكن قدر الله وأنت تعرف هذا، وأبعث لك بقول رسول الله ﷺ: «إذا مات ولد عبدي قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟، فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول ماذا قال عبدي؟، فيقولون: حمدك واسترجعك، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد».
فيا أخي .. إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يتغمد الفقيد برحمته، إنه خير مسؤول ويلهمكم الصبر والسلوان.
وقفة تأمل
وتتفجر الأحزان
كوارث الطيران تتوالى، وآخر هذه الكوارث كارثة سقوط طائرة شركة الخليج قبالة ساحل البحرين يوم الأربعاء ٢٤/٨، وعلى متنها ١٤٥ شخصًا، وارتفعت بسقوطها الآهات الموجعة، وانخلعت القلوب الساكنة، وتفجرت الأحزان من الأعماق داخل عشرات الأسر، تشتعل في قلوبهم حرارة المصاب من هول ما حدث، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
والذكريات الجميلة التي تربط المصابين بأسرهم تدور كشريط من الأحداث والمواقف والذكريات في أذهان كل الأسر وذويهم وأصدقائهم.ومن هول ما حدث وشدته على الأهالي، أن هناك أكثر من ١٠ أسر يتراوح عدد كل منهم من 3 إلى 9 أشخاص في أسرة واحدة جاؤوا من قرى ومدن ودول مختلفة؛ ليلقوا الله في هذا المكان، يتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (لقمان: ۲۳)، وكان كل منهم في طريق، إما لعمله وجهاده في السعي على الرزق أو عائدًا إلى أهله وذويه، فكتب الله لهم الأجر والمثوبة ورزقهم الشهادة؛ لقول رسول الله ﷺ: «الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق، وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله» متفق عليه. وكان ضمن الضحايا الأخ الحبيب محمد طلعت الشناوي، البالغ من العمر ٢٨ عاما، المتزوج في صيف العام الماضي، صاحب الخلق الرفيع المتواضع، والقلب الرقيق الحاني، والنفس الهادئة، ولا يملك كل من يتعامل معه إلا حبه لما يتمتع به من صفاء نفس ونقاء سريرة.
وأسأل الله أن يجعل الجنة مثواه، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يغسله من ذنوبه بالماء والثلج والبرد، وأن ينقيه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأن يبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، اللهم قه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء، والحمد، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم أنزله منازل الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
وهو نجل الداعية المربي الأستاذ طلعت الشناوي - من الرعيل الأول للإخوان المسلمين، والذي قضى حياته في سلسلة من المحن والابتلاءات بدأت بسجنه الطويل في عهد عبد الناصر، وانتهت بثلاث سنوات حكما عسكريًّا قضاها في غياهب السجون صابرًا محتسبًا خرج منها مؤخرًا. وما المصاب الآن إلا جزء من هذه المحن، واختبار الله لعباده الصالحين الأتقياء الصابرين في البأساء والضراء يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ۱۰)، ويقول المصطفى ﷺ: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله – تعالى - إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» رواه الترمذي، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»، رواه البخاري. وعن أبي يحيى صهيب بن سنان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ:«عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»، رواه مسلم.
فلتصبر أبا محمد ولتحتسب مصابك عند الله - عز وجل -، وإنا لله وإنا إليه راجعون ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦).
حسام قاسم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل