; المجتمع التربوي (1372) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1372)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1372

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 19-أكتوبر-1999

سوء الظن بالناس

قرأت كتابًا في علم النفس لأحد الكتاب الأجانب، وجذب انتباهي فيه قصة بسيطة قد لا تبدو ذات أهمية، لكنها في صلب موضوعنا هذا.

إنها قصة رجل كان يجلس على مقعد في محطة للحافلات، ينتظر قدوم الحافلة وأطفاله الأربعة يلعبون أمامه، ويتدافعون ويعبثون بحاجات الناس من حوله، بينما أبوهم جالس في مقعده لا يهتز له ساكن، فمن الناس من يسبه سرًا، أو يرميه بكلمات أين الأب؟ وما هذا الإهمال في تربية الأطفال؟ وغيرها من الجمل التي يقصد بها إيقاظ هذا الجماد الذي جلس وعيناه متجهتان إلى أسفل كأنه ينتظر شيئًا يخرج من الأرض.

 وفجأة اقترب منه أحدهم في سكينة ووقار، وسأله: أهؤلاء أطفالك؟ فرفع الرجل رأسه ولسان حاله ينطق حزنًا: نعم، إنهم أولادي، وقبل ربع ساعة كنا في المقبرة ندفن أمهم التي ماتت في حالة ولادة، وها هم المساكين يلعبون ويمرحون كان شيئًا لم يقع.

هكذا تغيرت فكرة السائل، وعرف كيف أن هؤلاء الأطفال فعلًا مساكين.. نعم تغيرت فكرته من لوم إلى تعاطف، ومن حقد وكره إلى حب وتقدير.

 إن تصادم كثير من الأمم والشعوب والجماعات قد يكون في بعض الأحيان هو بسبب النظر للأشياء من زاوية واحدة، واعتبار ما نملك من الآراء هو الصواب والحق، مع العلم بأن الحق المطلق لا يدركه إلا مالك الملك وعالم الأسرار والخبايا.

إن ظواهر الناس وأشكالهم وألوانهم أبدًا لم تكن لتعبر عن مستوياتهم، وأبدًا ما كان الظاهر من الناس والأمم الوسيلة الوحيدة لقياس إيمانهم ومعرفة حجم الخير الكامن فيهم.

وكما جاء في الحديث الصحيح «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» جعلنا الله من الذين يظنون ظن الخير، وينظرون بعين البصيرة، فعين الدنيا ضعيفة في إدراك الحقيقة.

منير أحمد المغربي

عندما يتجنى الخطيب.. يسقط الخطاب

بقلم: د. فتحي يكن

البعض يسهم في تشكيل حالة من العداء مع الآخرين بكلماته غير المسؤولة.. وخطابه الطائفي.. وأسلوبه الثوري

أقامت إحدى الحركات احتفالًا بمناسبة إغلاق الدولة للإذاعة التي كانت تملكها، وقد سقط شهيدان خلال ذلك.

ودعيت إلى إلقاء خطاب في هذه المناسبة كما دعي آخرون، كان الاحتفال حاشدًا، ولم يخل من حضور نصراني، وكاد ينتهي إلى خير، إذ كانت الفقرات الخطابية مقبولة نسبيًّا لولا كلمة الختام التي جاءت على غير المشتهى والمنشود، وأساءت بل أضرت وكادت تحدث فتنة، لولا تدخل أهل الفضل من العلماء والحكماء.

بدأ الخطيب العتيد كلامه متعثرًا، بعيدًا عن هدي النبوة في مخاطبة الآخرين، إذ كان من وصاياه صلى الله عليه وسلم لخطباء الأمة قوله: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»، ومن التوجيهات القرآنة للدعاة في كل زمان ومكان قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125).

قال الخطيب: عندما دخلت مكان الحفل هذا جاني أحد الشباب طالبًا مني أن أترفق بالحضور، فمنهم المسلمون، ومنهم غير المسلمين من النصاري، فالتفت إليه قائلًا: «إنني لم أتعود النفاق!».

مقدمة مغلوطة، وبداية غير سليمة طغت على خطاب الشيخ كله، وما كان أوله سيئاً كان آخره أسوأ، وهكذا سجل منير الدعوة كارثة كادت تحدث فتنة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

نصیب الحكومة من خطابه

ثم تناول صاحبنا مسؤولًا حكوميًا سابقًا بالقدح والذم والتجريح، وبكل ما في مفردات اللغة العربية من كلمات هابطة ساقطة.

ونحن وإن كنا على خلاف مبدئي مع ذلك المسؤول، إلا أننا لا نسمح لأنفسنا باستعمال ألفاظ نهانا كتاب الله عنها، إذ قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ﴾ (الأنعام: 108)، كما حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلوك هذا السبيل، روى أبو هريرة- رضي الله عنه-: قيل: يا رسول الله، أدع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانًا، إنما بعثت رحمة» «رواه مسلم».

نصيب النصارى: وعرج الخطيب العتيد على النصارى، موجهًا كلامًا نابيًا إلى مرجعياتهم، وإلى كل من يزاورهم، ويلتقي بهم ناسيًا- أو متناسيًا- المساحات الشرعية الواسعة التي لا تضيق على هذه العلاقة، ولقد وضعت في ذلك المصنفات والكتب التي تزخر بعلاقة المسلمين الحضارية مع غير المسلمين، وفي مقدمتهم النصارى، لماذا قرع طبول الفتن الطائفية والمذهبية؟ ولماذا تشكيل حالة من العداء بين الساحة الإسلامية والآخرين؟ أو لا يكفي تشويهًا للإسلام ما يجري في الجزائر وفي غيرها؟

  • لم يكن المسلمون في يوم طائفيين، بل كانوا رسل الإسلام لكل الطوائف والأديان، والخطاب الطائفي من شأنه أن يغلق باب الدعوة على الدعاة، ويعطل مسؤولية شهودهم على البشرية بهذا الدين القيم، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَعَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143).

  • لم يكن المسلمون بلاء على الناس، وسببًا في شقائهم وشقوتهم، بل كانوا الرحمة المسداة مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

  • لم يكن المسلمون قضاة يحكمون بالنار والحديد، بل كانوا دعاة يهدون الناس إلى سواء السبيل، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (الإسراء: 53).

  • لم يكن المسلمون فظاظًا غلاظ القلوب، وإنما تحلوا بلين الجانب وخفض الجناح مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).

  • لم يكن المسلمون جبارين جزارين، وإنما كانوا أطباء يسهرون على معالجة مرضى العقائد والأخلاق والعقول والنفوس.

  • علمهم الإسلام التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» «رواه البخاري». 

  • طلب الإسلام من دعاته وعلمائه أن يقولوا للناس حسنى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83).

  • حذرهم الإسلام من مجادلة الآخرين إلا بالتي هي أحسن ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ (العنكبوت: 46). 

  • علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدوة العملية كيف يتعاملون مع أهل الكتاب، فقد استقبلهم في مسجده الشريف، وأجلسهم على برده الشريف، ولم يمنعهم من تأدية صلاتهم في المسجد!

  • علمهم الفاروق عمر بن الخطاب دروسًا في التعامل السياسي والدبلوماسي مع نصارى بيت المقدس، إذ أجرى الاتفاق معهم في داخل كنيسة القيامة، وحضرته الصلاة، فقال للبطريرك: أريد الصلاة، فقال البطريرك صل موضعك، فامتنع عمر، وخرج من الكنيسة فصلى قريبًا من بابها، وصلى وحده، ولما فرغ من صلاته، قال للبطريرك: «لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون بعدي ولقالوا: هنا صلى عمر»!.

  • علمهم شيخ الإسلام ابن تيمية درسًا في تكافؤ الحقوق الإنسانية بين الجميع، إذ ترجم القاعدة الشرعية «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» عندما ذهب إلى قائد التتار بعد احتلالهم لبلاد الشام، وطلب منه إطلاق الأسرى، فأذن قطلوشاه بإطلاق أسرى المسلمين دون أهل الذمة، فما كان من الإمام ابن تيمية إلا أن قال: «ولا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم ذمتنا، ولا ندع أسيرًا من أهل الذمة ولا من أهل الملة»، وأمام هذا الإصرار تم إطلاق الأسرى جميعًا، فأين هؤلاء من أولئك... 

أولئك آباني فجئني بمثلهم                            إذا جمعتنا يا جرير المجامع

تناوله الساحة الإسلامية

وكانت الطامة الأخرى في الخطاب العتيد تناول الخطيب للساحة الإسلامية، وتطاوله على القيادات الإسلامية بالإطلاق وبدون استثناء أو تمييز، قال:

  • لقد أزكمت «النيابة» الأنوف، فلم تعد تشم رائحة الجنة!

  • من أجل عيون النيابة تركنا قيام الليل.

  • من أجل عيون النيابة أصبحت «بكركي» محجنا، ومرجعيتنا، و«البطريرك»، مفتينا!

ثم وجه كلامه إلى الشباب قائلًا: إننا كقيادات إسلامية لسنا جديرين بقيادتكم! أدعوكم للثورة على كل من هو فوق الخمسين من القيادات الإسلامية!

بهذا الأسلوب الرخيص والخطاب الفتنة وإثارة الغرائز، تابع الخطيب كلامه وكأنه يهدف إلى تجريد الساحة الإسلامية من قياداتها ودعاتها، وعلمائها، وأهل الفضل والفقه والخبرة فيها، ليسهل العبث بها، وإقحامها في فتن عمياء كقطع الليل المظلم. 

تذكرت في هذا النطاق أسلوب «عبد الله بن سبأ» يوم فتنة عثمان رضي الله عنه- وإن كنت أجل هذا الشيخ أن تكون مقاصده کمقاصد ذاك- إنما هو الأسلوب نفسه، حين بدأ خطبته مستهدفًا قتل القيادة المسلمة، بأوامره إلى أتباعه، إذ قال: «انهضوا في هذا الأمر، فحركوه وابدؤوا في الطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر، قولوا للناس إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وإن عليًا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانهضوا وردوا الحق إلى صاحبه».

أين هذا الشيخ من الخطاب القرآني القائل: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر: 10)؟

 أين هذا الموقف من الأدب النبوي في التعامل بين الأجيال الإسلامية: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا» «رواه الترمذي»؟

إن هذا الخطيب وأمثاله ليسيئون إلى الإسلام باسم الإسلام، ويشوهون صورته، ويفتحون الأبواب على مصاريعها ليتسلل أعداء الإسلام إلى قلب الساحة، يحركون الصراعات، ويضرمون نار الحروب، فتتقطع الأواصر، وتسفك الدماء، وهو ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يلعن بعضكم بعضًا، ويضرب بعضكم رقاب الناس».

فما هكذا تورد الإبل- أيها الشيخ العتيد- فالفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها.

 

من خصائص ثقافتنا الإسلامية

فهم الإسلام كما يريده الله- سبحانه وتعالى- أن يفهم، وكما فهمه الرسول ﷺ وصحابته الكرام، باعتباره دينًا عامًا خالدًا، وأنه نظام كامل شامل ينظم مرافق الحياة ومجالاتها كافة..كل ذلك من ثوابت المسلم للثقافة الإسلامية.. أما أن يستمد المسلم ثقافته من حضارات بالية، أو أفكار فاسدة، أو ترهات لا أساس لها ولا قاعدة، فهذا خور وانخداع.

فاليهود يتحركون وفق تلمودهم المحرف، والنصارى يسيرون خلف إنجيلهم المحرف أيضًا، ولا ينكر ذلك عليهم أحد. 

أما المسلمون فعندما يأخذون بأحكام دينهم فهم رجعيون متطرفون أصوليون!

أيها الدعاة، خذوا من العلوم الشرعية ما يبصركم ويقيم دينكم.. وانهلوا من القدماء ما تطيقون، واستر شدوا بالمحدثين الثقات.

إن خصائص ثقافتكم الإسلامية- أيها الدعاة- قوية، وتحمل مقومات النهوض الصادرة بين الحضارات العائمة.. وأذكر ببعضها حتى يزداد اليقين يقينًا، ويظهر الأمل ظهورًا:

١- الربانية: فهي ثقافة ربانية، قد خلطت فكرة الإيمان بجوانبها كلها، شعرًا ونثرًا وأدبًا، علمًا وفلسفة...إلخ.

2- الأخلاقية: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فالأخلاق وجدت مكانًا رحبًا في ظل الإسلام.

3- الإنسانية:  الاحترام والحقوق والكرامة كلها مكفولة، قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70).

٤- العالمية: «وما دامت ثقافة لكل إنسان، فلا غرو أن تكون ثقافة عالمية المنزع والوجهة».

فالعرب والعجم، الأبيض والأسود، الغني والفقير، الملوك والسوقة، المسلم واليهودي والنصراني مشترك فيها ..قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

(الأنبياء: 107). 

5- التسامح: فالإسلام يؤمن بحقيقتين أساسيتين:

أ - من مشيئة الله تعالى اختلاف البشر في الأديان.

 ب - من ضل أو انحرف عن النهج القويم فحسابه عند الله تعالى يوم القيامة. 

٦- التنوع: فيها الدين بفروعه المتنوعة واللغة والأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية والرياضية والعلوم الإنسانية، والفنون المختلفة.

عدنان محمد القاضي

تعال نؤمن ساعة

إخلاص النية واستشعار الأجر

وعى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال معايشتهم لكتاب ربهم، ومخالطتهم لنبيهم أن إخلاص الوجهة والعمل لله، واستشعار الأجر ضرورة لا بد منها للظفر بعون الله وتأييده في كل معركة خاضوها مع أعدائهم، سواء في داخل نفوسهم أو من خارجها، إذ سمعوا قول الله عز وجل: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 112). 

وكما أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه البخاري: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته، بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة».

نعم، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين المخلصين الذين خرجوا ليرفعوا راية لا إله إلا الله، خفاقة في شتى ميادين الأرض، سواء ميادين القتال، أو في ساحات الدعوة المباركة، أو في أي موقع يظن المؤمن أن بإمكانه أن يقدم ما يستطيعه فيه لنصرة ورفع هذه الراية.

فيا أخي الحبيب، كلما كان قلبك خاليًا من الأدران والأمراض الخبيثة والآثام، كان عطاؤك لعملك ولهدفك الذي ستقدم عليه قويًا لا تخشى فيه أو منه الأخطار.

عبد العزيز الجلاهمة

صبرًا يا طائفة الأكناف المقدسة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة» «رواه الطبراني، وعبد الله بن أحمد عن أبي هريرة- رضي الله عنه- انظر مجمع الزوائد».

وقال عليه الصلاة والسلام: «لاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» «قال الهيثمي في المجمع رواه عبد الله وجادة عن خط أبيه، والطبراني، ورجاله ثقات». 

فلينعم الصادقون الكادحون بهذه البشرى، والوعد من الصادق الأمين- صلى الله عليه وسلم- وليملؤوا حوض الإسلام من دمائهم وجراحاتهم وكدهم وعرقهم رضًا وشكرًا لمولاهم الحق سبحانه.

وهذه وقفة مع هذين الحديثين، إذ من المهم أن تفيض عليهما النظرات الفاحصة، والأعين الباصرة، والعقول المستنيرة، لتتقد نار الثارات المخبوءة، ولتذكو جذوة النور والتفاؤل في قلب كل مسلم مكروب.

يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مجاهد في بيت المقدس وأكنافه بمضاء الجهاد، وبقاء الكفاح، وثباته بميثاق «لا تزال»، وضمن لهم ذلك البقاء وهذا المضاء.

والخذلان كائن، والمخالفة بجميع أشكالها وأحجامها ماضية، وتنكب الحق وإنكار الحقيقة أمر يجري به قوم يحاولون إطفاء نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

فلن يضركم- يا طائفة الأكناف، وعصابة الحق- من خالفكم ولا من خذلكم، بل يخذلون أنفسهم ويضرون ذواتهم بمكر الله ويكيده المحيط بهم وبأتباعهم.

وإن كنتم تجدون من خذلاتهم لكم ومخالفتهم شدة ومصابًا ولأواء، فإن ذلك من باب الفتون والتجريب والتمحيص ليعلم الله الصابرين.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»، يشي بأن البلاء لا يفت في سواعدهم، ولا يميع صمودهم، وينبي عن نصر يخالجه تعب، ومشقة يخالطها فوز، ولأواء يمازجها ثبات، فهم في أقدار الله ماضون بين النعماء والبلاء، وسائرون بين السراء والضراء، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك.

فيا طائفة الأكناف: اعلموا أنه برغم شدة الكروب وعظم العقبات؛ فإنها لن تدوم ولن تبقى، وإن طالت بكم قليلًا، فمعكم شهادة «وهم كذلك» تمدكم بالثبات، وتزودكم بالصبر والأمل. 

إن العامل لمرضاة الله لا يملك لنفسه شهادة صدق، وتزكية عمل، بأنه على الحق، وأنه مرضي عند ربه، وأنه حاز منه الاستقامة وجانب الهنات والزلل.. كلا، لا يملك أحد ذلك.

أما عصابة الأكناف فقد نالوا تزكية خير الخلق، ومن ينطق بوحي ربه، وحازوا شهادته بأنهم على الحق ظاهرين، فمقتضى الحديث أن طائفة الأكناف المقدسية لا تبيد مهما كان الخطب، وبلغ الكرب، ولا تكون إلا على الحق والنور والهدى.

ولك أن تستعرض ماضي الإسلام في بيت المقدس وأكنافه، هل وقفت تلك الوقفات الظاهرة إلا عصائب الحق وبدائل الإيمان، ومن شهدت لهم الأمة بالمنهج والطريق القويم؟

 لقد بدأت بعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مرورًا بصلاح الدين، والمظفر قطز، وابن تيمية، والقسام، والحسيني، وحسن البنا، والسباعي، وأبي قورة والصواف، ومن كان على الطريق نفسه من قبل ومن بعد، كعبد الله عزام وأحمد ياسين، ويحيى عياش ومن معهم، وستنتهي بالعصابة التي تقاتل مع ابن مريم- عليه الصلاة والسلام- ومصيرها النصر المكين، والفتح المبين بإذن الله.

فلكم البشري يا بدائل الشام في قوله عليه الصلاة والسلام: «ظاهرين على الحق» و«لعدوهم قاهرين»، لكم البشريات بالنصر والظهور على عدوكم كائنًا من كان، فأنتم ظاهرون بكل المقاييس في جهادكم، في ثباتكم، في عطائكم، في مواقفكم، وفي كل شيء حق في إبعادكم وإقصائكم وموتكم واستشهادكم.

فالثبات الثبات، والمضاء المضاء، فمن يعش منكم ففي ظل العزة والمكرمة بشهادات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قضى منكم ففي ظل الجنان ودار الشرفاء ومنازل الكرام عند رب العالمين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).

ولن تكونوا أكثر من عدوكم عددًا وعتادًا، إذ أنتم «طائفة»، و«عصابة»، وهم جيوش مجيشة، وفلول مدججة، ولكنكم بالله أقوى وأعلى، وبإيمانكم أكثر وأزكي، وبالحق أمضى وأسمى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ (محمد: 11).

طارق الحسين 

خطيب أول مسجد بها وكبير حفاظها  «العبادي» شيخ القراء في جنوب أفريقيا إلى رحمة الله

بعد «78 يومًا»، من لقائي شيخ القراء في جنوب إفريقيا كلها «الشيخ العبادي» في كيبتاون، بلغني نبأ وفاته- رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته- فقد توفي يوم الأربعاء الخامس من شهر جمادى الآخرة عام ١٤٢٠هـ- 15/9/1999م، وقد بلغ من العمر «88 عامًا»، وهو عام توالي موت علماء المسلمين في البلدان الإسلامية وغيرها، فـ «إنا لله وإنا إليه راجعون».

 في يوم الجمعة 12/3/1430هـ- 25/6/1999م، ذهبنا إلى ما يسميه المسلمون في كيبتاون  «أول مسجد»؛ لأنه أول مسجد عرف بناؤه في جنوب إفريقيا، وكان بناؤه سنة ١٧٩٤م.

وبينما كنا ننتظر خطيب الجمعة، رأيت شيخًا كبير السن يدخل قبل المحاضرة التي جرت عادة الإمام أو غيره على إلقائها قبل خطبة الجمعة، وكان هذا الشيخ يمر بين الصفوف ويضرب بيده- مازحًا- ضربًا خفيفًا ظهر من يمر به من المصلين، ليفسح له في الطريق إلى الصف الأول، وكل من ضرب ظهره يلتفت إليه، ويبتسم ابتسامة تدل على الرضا. 

وبعد انتهاء الخطيب من الخطبتين، نزل وقدم ذلك الشيخ المسن الذي ذكرته سابقًا، فصلى بالناس، وقد أعجبتني قراءته جدًا، قراءة مجودة واضحة، وكنت أتمنى أن أراه بعد الصلاة لأسأله عن اسمه، ولعلي أحصل منه على معلومات مهمة لكبر سنه، ولكنه تأخر ونحن كنا على موعد، فسألت عنه فقيل لي: هذا هو الشيخ محمد صالح العبادي، شيخ القراء، وهو من اليمن، قلت: ألا يمكن أن تضربوا لي معه موعدًا؟ قالوا: إنه مع كبر سنه مريض، وانتقل من بيته إلى بيت بعض أقاربه، ونحن لا نعرف بيتهم.. فبقي في نفسي رغبة شديدة في أن اجتمع به، وقد يسر الله لي ذلك بدون ميعاد.

لقاء مع الشيخ

في يوم الثلاثاء 16/3/١٤٢٠هـ- 29/6/1999م ألححت على الإخوة الذين رافقوني في جولة حول كيبتاون أن يسألوا عن عنوان المنزل الذي يسكن فيه الشيخ العبادي، فسألوا عنه عددًا من أصدقائهم عن طريق الهاتف الجوال، فعرفوا عنوانه، لكنهم استبعدوا إمكان اجتماعنا به لأنه مريض من جهة، والوقت مبكر، والمطر بغزارة، والجو شديد البرودة من جهة أخرى.

فقلت لهم: لنذهب ونحاول، ولعل الله ييسر الاجتماع به، فذهبنا وطرقنا الباب فخرج أحد سكان المنزل، وطلبت منه إبلاغ الشيخ رغبتي في زيارته، فقال: إنه نائم ومريض، فقال له الإخوة: أخبره بأن أستاذًا من المدينة المنورة يجب أن يراه ولو لدقائق، فلما أخبره بذلك سر سرورًا عظيمًا، وقال له: ائذن له بالدخول، ولبس ثيابه، وخرج معتمدًا على الجدار، وعرفته بنفسي، ثم طلبت إليه أن يزودني ببعض المعلومات عن نفسه، وعن الإسلام والمسلمين في البلد، في حدود طاقته، فأدلى بالمعلومات الآتية، مع اعتذاره بأنه أصبح شديد النسيان لكبر سنه ومرضه.

من هو شيخ القراء اليمني؟

هو الشيخ محمد بن صالح بن محمد بن سليمان العبادي، ولد سنة ۱۹۱۱م، جاء والده من منطقة تعز باليمن، ولا يعرف تاريخ مجيئه، وتزوج من كيبتاون.

درس مبادئ الإسلام، وحفظ القرآن الكريم على يد الإمام معاوية، وسافر إلى مكة بسفينة هولندية في آخر سنة ١٩٢٧م لطلب العلم، وبقي في مكة ثماني سنين.

ومن أساتذته في مكة الشيخ محمد جمال مراد، وهو أحد أئمة الحرم في ذلك الوقت، والسيد علوي مالكي، والشيخ عيسى رواس، ودرس كذلك في المدرسة الصولتية، وتتلمذ على الدكتور علوي مالكي، عندما كان يزور الحجاز للحج أو العمرة، وكانت زياراته كثيرة.

طلبت إلى الشيخ محمد أن يذكر لي بعض المعلومات عن علماء كيبتاون، فقال: من العلماء الشيخ أحمد بهاء الدين، والإمام محمد صالح حجي، والشيخ مهدي- وهو من أولاد الشيخ حجي- والشيخ إبراهيم، والشيخ حسن وله حفيدان هما سراج، وأحمد، وقد درسا في جامعة أم القرى، وكل منهما إمام مسجد.

ومن العلماء القدامى المشهورين الشيخ يوسف الذي جاء به الهولنديون من إندونيسيا منفيًا.

وللشيخ العبادي أخوان، وقد توفيا، وليس له أولاد، ولا يعرف أحدًا من أقاربه في اليمن.

والشيخ عبادي هو الذي صلى بنا الجمعة في «أول مسجد»، وهو كبير حفاظ القرآن الكريم، وقد حفظ القرآن على يديه عدد كبير، ويعتز الحفاظ والقراء بدراستهم على يديه.

وكنت أريد معلومات أوسع مع ذكر تاريخ كل معلومة، ولكن الشيخ كان يحاول أن يقدح ذهنه ليتذكر جواب ما أسأله عنه، فلم يستطع تذكر الكثير من ذلك، وقال لي: أرجو أن تعذرني، فليس في استطاعتي الإجابة عن هذه الأسئلة لكبر سني فقد بلغت «88 عامًا».

 أسأل الله له المغفرة والرحمة، و«إنا لله وإنا إليه راجعون».

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 97

135

الثلاثاء 25-أبريل-1972

ربيع الخير والضياء

نشر في العدد 98

163

الثلاثاء 02-مايو-1972

أكثر من موضوع (98)