; المجتمع التربوي (1253) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1253)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997

مشاهدات 88

نشر في العدد 1253

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 10-يونيو-1997

وقفة تربوية:

بقايا الجاهلية:

كان الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري من خيرة الصحابة -رضي الله عنهم-، وكان من أكثر الصحابة زهداً ورعاً، ومع ذلك ذلك فقد تفاجأ النبي -صلى الله عليه وسلم- ببلال يشتكيه إليه بسبب إقدام أبي ذر على التلفظ ببعض الألفاظ التي لا تليق بصحابي كأبي ذر؛ حيث قال لبلال بعد خلاف بينهما: «يا بن السوداء» أو كلمة قريبة منها، فناداه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية، قليل جداً من الدعاة الذين تتلقفهم الدعوة وهم صغار قبل أن يلجوا في الجاهلية، ويأخذوا من صفاتها، ولكن الكثير منهم هم الذين دخلوا في الدعوة بعد مرورهم ببعض سنين الجاهلية، ويتدرج هؤلاء في سلالم الدعوة المباركة ومسؤولياتها، ويخلصون يوماً بعد يوم مما التصق بهم أو ألصقوه هم من أمور الجاهلية، إلا أن بعضاً منهم لا يتخلص تماماً من هذه الجاهلية، فتبقى فيه بعض الصفات التي يعرفها من الجاهلية، ولكن لا يستطيع التخلص منها لضعف إرادته، أو أنه يعتبرها تافهة لا تؤثر على مسيرته الدعوية فيهملها، أو أنه تختلط عليه فلا يميزها، ويحسبها جزءاً من أخلاق الإسلام، هذا الصنف من الدعاة هم الذين يتساقطون في الطريق، عندما تنمو هذي الصفات الجاهلية فيهم دون أن يشعروا ويزداد حجمها حتى تثقل هؤلاء الدعاة، وتسقطهم في لحظة من اللحظات، إلا أن ينتبهوا في الطريق، ويقفوا مع أنفسهم وقفة جادة صارمة، ويصارحوا أنفسهم، أو يصارحهم إخوانهم بهذه الصفات الجاهلية، فلعلها تكون لحظة إنقاذ تنتشلهم من القاع الذي كادوا أن يتساقطوا فيه، إنها لحظة الاستيقاظ التي لا يوفق لها إلا المخلصون.             

أبو خلاد

من فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية:

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (سورة هود: 85):

بقلم: د. حمدي شعيب:

خرج النبي ﷺ يوماً فجاء بعير يرغو حتى سجد له فقال المسلمون: نحن أحق أن نسجد للنبي ﷺ، فقال: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله -تعالى- لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، تدرون ما يقول هذا؟، زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة، حتى إذا كبر نقصوا علفه، وزادوا في عمله، حتى إذا كان لهم عرس أخذوا الشفار لينحروه؛ أي أخذو السكين ليذبحوه، فأرسل إلى مواليه فقص عليهم، قالوا: صدق والله يا رسول الله، قال: «إني أحب أن تدعوه لي». فتركوه.(۱).

تعمقت في نفسي قاعدة تربوية عظيمة وأنا أطالع هذا الكنز النبوي العظيم، وهي أن النفس المسلمة ستظل حبيسة جدران المفاهيم القاصرة للنصوص، وتبقى بعيدة عن المعاني التربوية الرفيعة للقرآن الكريم والسنة الشريفة، وكذلك تظل دراساتنا للظواهر الدعوية والاعتلالات التربوية تراوح في طور المراهقة الفكرية ما لم تتم الخطوة، أو القفزة المنشودة للتفاعل مع المنهج، وذلك من خلال شروط أو أطر ثلاثة أساسية متوالية ومتلازمة، وهي:

1- الإطار الشرعي: وهو القاعدة، ويقصد بها الفهم الجيد والصحيح لتفسير النصوص من مصادرها المعتمدة.

1- الإطار التربوي: ويقصد به ضرورة الغوص في المقاصد البعيدة لمغزى النصوص، على أساس أن الفائدة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبذلك تزال الحواجز والأحجبة، بل والران الذي يقلل من قيمة النص التربوية وأثرها على النفوس.

3- الإطار الشمولي أو الكلي: ويقصد به النظرة الشاملة للأشياء، وذلك من خلال دراسة السنن الإلهية في الأنفس أي عالم الأحياء، وفي آلافاق أي عالم المادة، ويقصد بها القواعد العامة الثابتة والمطردة التي تضبط وتتحكم في حركة جميع الخلائق وبناء على هذه القاعدة، وبعيداً عن الفوائد القريبة والعظيمة لهذه التوجيهات النبوية الكريمة، والتي وردت في الحديث الشريف من حيث نصرة المظلوم، وأن السجود لا يكون إلا لله سبحانه، ومقدار حق الزوج، ثم أهمية خلق الوفاء بين الخلائق، فلقد لفت نظري تلك الفائدة التربوية البعيدة للنص، وهي أن لمسة التقدير لكل صاحب تاريخ في العطاء، ولكل من أنجز عملاً متميزاً، وبذل جهداً ملموساً في أي حقل هو من القواعد والأسس التي عليها قامت العلاقات بين الخلائق جميعها، بل هو من سننه سبحانه، والتي بتضييعها يحدث الخلل المعنوي والمادي ليس في عالم الأحياء فقط، بل في ميزان هذا الكون الكبير.

وهو باب عظيم ألمح إليه القرآن الكريم في غير موضع، ويكفينا هنا بعض الأوسمة التقديرية، واللمسات التشريفية العلوية الكريمة، فتدبر: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (سورة الفتح: 18) (۲)

فلم تك تلك الكلمات العظيمة القدر مجرد مفردات لذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين، عندما علم الحق -سبحانه- مقدار ذلك الصراع النفسي الذي انتصروا عليه بطاعتهم لقيادتهم، وتمت بيعتهم تحت الشجرة، فرضي عنهم، وكافأهم معنوياً بهذا الرضا والسكينة، ومادياً بالفتح القريب، لم تك كذلك فقط، بل غدت دستوراً تربوياً، أكمله الحبيب ﷺ حيث بشرهم بقوله: أنتم اليوم خير أهل الأرض». (۳) 

وبقيت معلماً خالداً، يعلم الأجيال المسلمة، خاصة المربين من الدعاة في كل عصر وفي كل مصر، بأن التقدير والتشجيع لمن يقوم بعمل مميز هو من صلب المنهج ومن قواعد ولوازم التربية.

وعندما يعلن الحق -سبحانه- في محكم كتابه الكريم أنه أعطى موسى -عليه السلام- كتاباً فصل فيه كل شيء، وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء الله في الآخرة:﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الأنعام: 154) (٤)، فلو تدبرنا المغزى التربوي الرفيع لبعض ما جاء في هذا البيان العظيم، وهو قوله سبحانه: «تماماً على الذي أحسن خاصة ذلك المعنى الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله- في تأويله: «ثم آتينا موسى التوراة تماماً لنعمنا عنده، وأيادينا قبله تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربه، وقيامه بما كلفه من شرائع دينه، وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم، لوجدنا معلماً قرآنياً بالغ الروعة في مغزاه التربوي، وكيف أن موسى -عليه السلام- وهو من هوا، كان في حاجة للطيفة ربانية، تشعره بالتقدير لتاريخه الناصع، وكذلك بالامتنان على دوره الدعوي، وعلى طاعته لربه جل وعلا، فما بالك بمن هو دون تلك القمة، ويكون في مسيس الحاجة لكلمات تقديرية بسيطة؟ على هذا النهج التربوي، ومن هذا المعين الصافي نجد أن حملة مشعل الدعوة على مر التاريخ البشري، ورواد مسيرة الحركة الدعوية- قد خطوا معالم خالدة، في هذا الباب، ويكفينا أمثلة قليلة تمثل غيضاً من فيض، فتأمل كيف أن نبي الله شعيب -عليه السلام- عندما أعلن الخطوط العامة لدعوته قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ  وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (سورة هود: 84-86) (٥) لقد أعلن أن المبادئ العامة هي:

  1. الدعوة إلى عبادة الله وحده، وهي القضية الرئيسية في كل دعوة قضية العقيدة والدينونة، قضية التوجه لله وحده، بسائر العبادات والشعائر.
  2. الدعوة إلى الأمانة والعدالة، وهي قضية من باب الشريعة والمعاملات والأخلاق التي تنبثق من قضية العقيدة والدينونة، أو هي قضية التلقي منه سبحانه، وهي القضية التي ترتبط بواقع كل دعوة، وبأحوال الناس في ذلك العصر، ولو تدبرنا أبرز معلم من معالم قضية الأمانة والعدالة، أو الجانب الأخلاقي في دعوته -عليه السلام- لوجدناه يتمثل في: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (سورة هود: 85) وحتى نفهم مغزى عدم بخس أو نقص وانتقاص الناس أشياءهم، يجب أولاً أن نبرا بعقولنا أن تحصر معناه في دائرة ضيقة تبعده عن معناه الشامل فتبخسه مفهومه، وتبخس أثره التربوي الرفيع ومعنى «المعروف، هو ما تقره وما تعرفه الفطرة السليمة، والمعروف لمعنى عدم بخس الناس أشياءهم يشمل عدم بخس تقدمهم في العمر، ومكانتهم، وسبقهم الدعوي، ودورهم الريادي، وتقدير كل ما يقدمونه من خير، وكذلك تشجيعهم على أي عمل أو بذل، بل أيضاً بمدح ما يسعدهم من صفاتهم.

وخطر تجاهل هذا المعلم تربوياً أنه قد يؤدي إلى إحباط وتثبيط، بل وإلى جروح نفسية قد تستعصي على العلاج، فالدعوة لعدم بخس الــنــاس أشياءهم ذات مرتكز أخلاقي وتربوي عظيم؛ لأنه أعم من المكيلات والموزونات، فهو يشمل حسن تقويم أشياء الناس من كل نوع تقويمها كيلاً أو زوناً، أو سعراً أو تقديراً، وتقويمها مادياً ومعنوياً، وقد تدخل في ذلك الأعمال والصفات لأن كلمة «شيء» تطلق أحياناً ويراد بها غير المحسوسات، وبخس الناس أشياءهم -فوق أنه ظلم- يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد أو اليأس من العدل والخير وحسن التقدير، وكلها مشاعر تفسد جو الحياة والتعامل والروابط الأجتماعية والنفوس والضمائر، ولا تبقي على شيء صالح في الحياة(٦).

الهوامش:

1- (أخرجه أحمد في مسنده 4/173 و١٨١ و6/76 نقلًا عن قصص الحيوان في الحديث النبوي: عبد اللطيف عاشور ٣٦).

2- الفتح: ۱۸.

3- رواه البخاري.

4- الأنعام ١٥٤.

5- هود ٨4-٨6.

6- في ظلال القرآن: سيد قطب ۱2/۱918.

بخس الناس أشياءهم يشيع في نفوسهم مشاعر الألم أو الحقد أو ألياس من العدل

كلمة إلى الدعاة.

جراحات داعية:

الداعية في درب الدعوة إلى الله قد يواجه بعض الأمور التي تسبب له جرحاً في القلب، لكن هذا الجرح بالنسبة إلى الداعية لا يزيده إلا حماسة في الدعوة إلى الله، وحرقة على هذا الدين، ويعيد ذكريات أجدادنا الأوائل وجهادهم الدعوي. 

جرح الأمة: يتأمل الداعية أحوال أمته فيألم لما أصابها من وهن وضعف، فيحترق قلبه على ذلك، ويصيبه جرح عميق بحال أمته الإسلامية، فيتحرك من سكونه راجياً أن يقابل ربه وهو عنه راض، ويسعى أن يكون من الطائفة التي ذكرها رسوله الكريم ﷺ في قوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (صحيح مسلم)، وهو يعلم علم اليقين بأن هذا الجرح لا يمكن أن يبرأ إلا بالرجوع إلى نصرة هذا الدين: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (سورة محمد: 7).

جرح الدعوة: إن ما يحزن القلب ويجرحه أن يترعرع شاب في هذه الدعوة المباركة فيتربى في أحضانها، ويتلقى من النهج القراني الصافي والسيرة العطرة النيرة ما يصيغ شخصيته ويصقلها، وفي لحظة عابرة لموقف ما قد يكون اختلافاً في رأي أو فهماً خاطئاً يترك هذه الدعوة ويتنصل منها، ويكيل إليها الاتهام تلو الاتهام وكأنه لم يكن بها، وشرب من رحيقها، وقد تناسى قول الإمام الشافعي حين قال:«الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظة، أفلا تستحق الدعوة منك أن تحفظ الجميل وتذكرها بخير، وإن كان هناك خطأ أليس الأولى أن تساهم في إصلاحه بدلاً من التشهير والتجريح؟ وكما قال أعرابي إذا أردت أن تعرف وفاء رجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه.

جرح الداعية: ليس هناك شيء باعتقادي يؤلم الداعية ويجرحه من كلمة عابرة يلقيها الأخ على أخيه، وتكون جارحة في معناها لا يلقي لها بالاً، ولا يتثبت منها، وخاصة إذا صدرت من التلميذ إلى مربيه أو العكس، فهي تترك جرحاً عميقاً لا يكتتم إلا بالتصافي والود والتسامح، فلنحذر من ذلك، وننتبه من فلتات اللسان، وكما قال الشاعر: 

جراحات الطعان لها التئام *** ولا يلتأم ما جرح اللسان. 

خالد علي الملا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1239

71

الثلاثاء 25-فبراير-1997

الظاهرة الارتحالية