; المجتمع التربوي: المجتمع (1669) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1669)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2005

مشاهدات 112

نشر في العدد 1669

نشر في الصفحة 50

السبت 17-سبتمبر-2005

حكم إحياء ليلة النصف من شعبان

لم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أكمل الله لهذه الأمة دينها وأتم عليها نعمته ورضي لها الإسلام دينًا، قال تعالى: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (سورة المائدة: 3)(۱) ، فمادام الدين كاملًا فإنه غني عن الزيادة والنقص، صالح لكل زمان ومكان ولكل عصر ومصر، فلا حاجة إذن لإحداث البدع والمحدثات في الدين والتقرب بذلك إلى رب العالمين، ومن أحدث فقد أتى بشرع زائد واتهم الشريعة بالنقص، وكأنه استدرك على الله سبحانه وتعالى وعلى رسوله ﷺ، وكفى بذلك قبحًا(۲(.

معراج عالم محمد إنفاق التيمي MA72@gawab.com‏

وقد حث النبي أمته على التمسك بسنته وحذرها من الإحداث في دينها، فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (۳)، ولا شيء أفسد للدين وأشد تقويضًا لبنيانه من البدع والمحدثات. 

ومن المؤسف أن عامة الناس أصبحوا يعدونها أمورًا مشروعة يجب المحافظة عليها مع إضاعتهم لكثير من السنن المشروعة، ولذا توخيت أن أبحث في حكم إحياء ليلة النصف من شعبان.

ومما لا شك فيه أن إحياء هذه الليلة بأي نوع من العبادة من الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن بدعة محدثة، وبه قال جماهير أهل العلم. وبيان ذلك أن الاحتفاء بليلة النصف من شعبان لم يرد فيها دليل على فضلها ولا فضل الصلاة والذكر وتلاوة القرآن فيها، والأصل في العبادات التوقيف حتى يرد الدليل على مشروعيتها، فلا یزاد فيها ولا ينقص.

وأما ما يفعله بعض الناس في هذا الزمان من الاحتفاء بهذه الليلة والصلاة فيها والاهتمام بالأوراد والأذكار وتلاوة القرآن فيها، فلا شك أن هذا عمل غير صحيح، بل هو منكر، يجب تحذير الناس منه.

وأما ما يحتجون به على عملهم فهو:

أولًا، أنه روي عن بعض التابعين من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان ابن عامر أنهم كانوا يعظمونها ويجتهدون فيها بالعبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها (٤).

والجواب:

1-أن من نقل فضل هذه الليلة، منهم مبينين كراهة إحيائها بالاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء والذكر وغير ذلك (٥).

٢ - أن الحافظ ابن رجب هو الذي نقل تفضيل بعض التابعين لهذه الليلة وإحياءهم لها في المساجد، وذكر أن مستندهم في ذلك آثار إسرائيلية (٦) فمتى كانت الآثار الإسرائيلية مستندًا؟ (۷) وعمل التابعي أيضًا ليس بحجة (۸).

ثانيا: الأحاديث الواردة في فضلها ومنها:

1- عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا «إن الله تبارك وتعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (9).

 

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن» (۱۰).

والجواب: أن هذه الأحاديث وما ورد في فضل هذه الليلة كلها ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، فضلا عن أن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة فيها موضوعة.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله: وقد ورد في فضلها - ليلة النصف من شعبان. أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، وأما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم (۱۱).

ثالثًا: ما روي عن عكرمة في تفسير قوله تعالي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3)فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (سورة الدخان: 3-4)، أن الليلة المباركة ها هنا ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وينسخ الأحياء من الأموات ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد (۱۲). 

والجواب: أن من قال إن المراد به الليلة المباركة، «ليلة النصف من شعبان»، وهي التي قال الله عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (سورة الدخان:4)، فقد أخطأ وجانب الصواب (۱۳) فالليلة المباركة هي ليلة القدر، وبه قال جمهورالعلماء.

قال ابن كثير: ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة، فإن نص القرآن: إنها في رمضان (١٤).

رابعًا: ويرى البعض أن من أسباب تعظيم هذه الليلة أنه تم فيها تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة (١٥). 

والجواب أن هذا القول لا يعول عليه، لأن هذه رواية من تسع روايات أخرى، ولم يجزم بأن التحويل حصل في هذه الليلة، بالإضافة إلى أن أسانيد الجميع ضعيفة (١٦)، ولو سلمنا جدلًا بأن التحويل كان في تلك الليلة فلم يكن من عادة النبي ﷺ اتخاذ أيام الحوادث أعيادًا ومواسم.

والمكلف ليس له منصب التخصيص بل ذلك إلى الشارع.. ولم يرد في الشرع شيء من ذلك.

الهوامش:

(۱) انظر: الأعياد وأثرها على المسلمين ص ٨ بتصرف.

(۲) انظر: البدع الحولية ص بتصرف.

(۳) رواه أبو داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي برقم (٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه برقم (٤٢)،    وأحمد 4/١٣٦،١٣٧، والحاكم 1/٩٦٩٥، وقال: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي.

(4) انظر: لطائف المعارف ص (۲۱۹) واقتضاء الصراط المستقيم 2/١٣٧.

(5 ، 6) انظر: لطائف المعارف (۲۱۹، ۲۲۰).

(۷) انظر: البدع الحولية (٢٩٦).

(۸) انظر: روضة الناظر لابن قدامة (۱/۳81).

(9) الترمذي برقم (۷۲۹) ونقل تضعيف البخاري له، وابن ماجه برقم (۱۳۸۹) وأحمد 6/٢٢٨، ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢ /٦٦، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه 1/104.

(۱۰) ابن ماجه برقم (۱۳۹۰) قال البوصيري في الزوائد (١٠)، إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة   (2/10) وتدليس الوليد بن مسلم، وقد ضعفه الألباني بقوله: هذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة، الصحيحة(2/136).

(۱۱) انظر: التحدي تحذير من البدع ص (۱۱).

 (۱۲) انظر: تفسیر ابن أبي حاتم (10/۲۲۸۷) (٣٢) برقم (٨١٥٣١) .وتفسير القرطبي (16/٨٥)

(۱۳) انظر: فتح البيان 12/۲88للقنوجي حيث نقل عن النووي أنه خطأ هذا القول في شرحه على صحيح مسلم في باب صوم التطوع.

(14) تفسير ابن كثير (6/٢٤٥).

(١٥) انظر: خلاصة الكلام في أركان الإسلام لعلي الفكري(٢٥٤)، والحياة الاجتماعية في الفكر الإسلامي، لأحمد شلبي (١٥٢)، عن الأعياد وأثرها على المسلمين ص(۳۷۱).

(١٦) انظر: فتح الباري 1/97.

قيادة أمة الإسلام للبشرية مرتبطة بالتمسك بمنهج الله

تحول القبلة..دروس وعبر

من الضروري الصبر على تكاليف المهمة واحتمال ما نتعرض له في سبيلها

يجب على المسلمين ألا يضيعوا وقتهم فلا حل مع اليهود سوى المواجهة الحاسمة

منتصر محمد عفيفي

خص الله الأمة الإسلامية بأحداث ومواقف تعتبر بمثابة علامات ومنارات على طريق سيرها إلى الله، لتتخذ منها وقفات للمحاسبة والتقييم والتقويم وتصحيح المسار لتكون منطلقا لعهد جديد أكثر قربًا من الله، وأكثر استقامة على منهج الحق. تلك الأحداث والمواقف والتي نسميها المناسبات الإسلامية كثيرة وموزعة على شهور السنة، ومنها ذكرى تحويل القبلة.

الدروس والعبر:

أراد الله للدولة الإسلامية والجماعة المسلمة أن تحوز خصائص الأمة المستخلفة وأن تكون شخصيتها مستقلة في كل شيء، في قبلتها الخاصة، ومنهجها المتميز ورسالتها في الحياة، وشرائعها المهيمنة على من ما قبلها من شرائع، فأمر الله المسلمين بالعدول عن استقبال بيت المقدس الذي هو قبلة اليهود والنصارى إلى قبلة خاصة بهم هي الكعبة.

وذلك على عكس ما نراه اليوم من أحضانه، والرقص على أوتاره ذوبان في ثقافة الغرب، والارتماء في وقت إن أمة الإسلام أمة وسط، وأهلها شهداء على الناس، والرسول عليهم شهيد، ولذلك فهي أمة لها القيادة والهيمنة على الناس في الأرض، وتقوم بتوجيههم والإشراف عليهم، ولكنها سلبت تلك القيادة، وهذا التوجيه والإشراف عندما تخلت عن منهج الله الذي اختاره، واتخذت لها مناهج مختلفة.

إن قيام الأمة بالمسؤولية المكلفة بها. والوظيفة الملقاة على عاتقها من القيادة والتوجيه والإشراف يتطلب منها الصبر على تكاليف تلك المهمة، واحتمال ما تتعرض له من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات رغم التشكيكات التي أثارها اليهود.

حول حادث تحويل القبلة إلا أنهم يحسدون المؤمنين عليها، وذلك واضح من الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ: إنهم أي أهل الكتاب لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين.

 إن اليهود كانوا على علم بأمر تحويل القبلة حيث إن ذلك مذكور في كتبهم عن أنبيائهم. لذلك قال الله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 144)، ورغم علمهم السابق بذلك إلا أنهم أنكروا استقبال المؤمنين للكعبة، وانصرافهم عن بيت المقدس حيث تكاتموا علمهم بالتحويل حسدًا وكفرًا وعنادًا، وهذه هي عادتهم، فهم يريدون الآن هدم المسجد الأقصى لبناء هيكل سليمان الذي هو مبني على أنقاضه كما يزعمون، لذلك يوجه الله الكلام لنبيه ﷺ:﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ (سورة البقرة: 145)، فمهما تفعل يا محمد ﷺ محاولًا إقناع هؤلاء فلن يقتنعوا ولن يؤمنوا، وها هم الآن لا تجدي معهم سياسة المفاوضات ولا مؤتمرات الصلح، ولا وساطة الوسطاء، فهم يعتبرون أنفسهم فوق هذا كله لذلك فإن الأمة الإسلامية يجب عليها ألا تضيع وقتها، وأن تتيقن أنه لا حل مع اليهود سوى المواجهة الحاسمة.

 في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة البقرة: 145) 

نجد وقفة حازمة لا تهاون فيها ولا استثناء لنبي لأن الأمر يتعلق بالاستقامة على هدى الله وتوجيهه، ويتعلق بالتميز والتجرد لله، فإن عدلت یا محمد ﷺ عن هذا الطريق وهذا الصراط المستقيم، واتبعت المهمة أهواءهم بعد أن أراك الله الطريق وأنزل عليك العلم في ﴿جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 145).

إن التحذير من اتباع أهواء اليهود والذي وجهه الله إلى رسوله هذا سوى التحذير موجه أيضا إلى كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية فلا يجوز لهم أن ينساقوا وراء الدسائس اليهودية، وحملة التضليل الماكرة، وعملية قلب الحقائق للتضليل والتزييف من قبل اليهود قديمًا وحديثًا.

الحكمة والمراد من تحويل القبلة إنما هو طاعة الله وامتثال أوامره و التوجه حيثما وجه واتباع ما شرع.

 إن من توحدت قبلتهم ووجهتهم على اختلاف مواطنهم وأجناسهم وألسنتهم وألوانهم، ووصفوا بأنهم أمة واحدة أو أطلق عليهم أمة وسط الجديرون بأن تتوحد قلوبهم وأهدافهم على كلمة الله فيشعرون بأنهم جسم واحد، وكيان واحد، ويسعون لتحقيق منهج واحد فتكون لهم السيادة والتوجيه وإرشاد العالم من جديد..

القرآن الكريم و «التربية بالآيات»

تهاني علي صفوت

المتتبع لآيات الله في آفاق الكون وفي الإنسان كما عرضها القرآن الكريم، يجد أن الله تعالى جعل في آفاق الكون ووقائعه الكبرى آيات ودلائل لو تأملها الإنسان، كما علمه القرآن، ليتوصل إلى الحق في مسألة الوحي والكون ووجود الإنسان والغاية من ذلك الوجود، ومصيره وغير ذلك من القضايا الكلية التي حيرت كثيرًا منالفلاسفة والعلماء على مر التاريخ. 

كما جعل الله تعالى هذه الآيات وسيلة للهداية ولتربية التفكير السليم والاستبصار للوصول إلى الحق واتباع السلوك القويم المستمد من وحي الله وشريعته.

وفي هذا الكتاب الذي يأتي بعنوان «التربية بالآيات» يحاول كاتبه الأستاذ عبد الرحمن النحلاوي، أن يطرح رؤية تربوية لأسلوب القرآن في عرض الآيات الكونية والتاريخية مع الإشارة إلى ما يقابل ذلك أو يشابهه من الأساليب التربوية القائمة بقصد التقريب إلى الأفهام لا بقصد المقارنة، وذلك في محاولة منه للجمع بين الأصالة الإسلامية والرصانة المنهجية والإبداع.

ويقول المؤلف: إن هذا البحث يمثل حلقة أساسية في التربية الإسلامية؛ لأنه يكشف النقاب عن أهم الأساليب التربوية الإسلامية. ويضع بين يدي المربين مفتاحًا لعقول الناشئين وقلوبهم وهم يدرسون القرآن وعقيدة التوحيد فبدلًا من تلقينهم حقائق هاتين المادتين تلقينًا سطحيًا، كما يلاحظ في الأسلوب التقليدي لتدريسهما، يمكن من خلال اعتماد منهج التربية بالآيات الذي يركز عليه الكتاب التوفيق بين معطيات العلوم الكونية والعقيدة الصحيحة بأسلوب فكري سليم موضوعي ومنهجي يصدر عن الفطرة السليمة، وينتهي بالإنسان إلى الاستمتاع باليقين والوصول إلى الحق بدلًا من التلجلج في متاهات الشك والقلق الفكري المدمر.

ويقر الكاتب بأنه عندما يستقرئ الإنسان..بعين الباحث البصير - نصوص القرآن الكريم فإن أول ما يلفت انتباهه هو أسلوب التربية بالآيات الذي يعد أكثر أساليب القرآن تكرارًا. وأشدها وضوحًا وتصريحًا في كثير من السور ،ويعدد الكاتب مجموعة من الأسئلة الفرعية التي يجعلها بمثابة المنهج ومدار البحث في كل الكتاب

آيات الله في الأنفس:

وبعد الفصل السابع من أهم فصول الكتاب إذ يعرض فيه آيات الله في النفس البشرية. مستندًا إلى قول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53) مشيرًا إلى أن الله تعالى جعل للنفس البشرية وما فيها من آيات أهمية لا تقل عن أهمية السماوات والأرض، بل فضل الله الإنسان من بعض الوجوه على الجبال والسماوات والأرض فحمله الأمانة من دونهن معتبرًا أن لهذا التفضيل أسسًا ومبررات من أهمها:

1-أن اهتمام الإنسان بنفسه وبجنسه البشري أكبر من اهتمامه بما حوله من الكائنات، ومن هنا اكتشف علم النفس أن عاطفة اعتبار الذات لها من قوة التحريض وبعث الاهتمام ما لا يقل عن سائر الغرائز والدوافع الأخرى عند الإنسان، ولما كان القرآن کتاب هداية يستحوذ على اهتمامنا، جعل الله لآياته في أنفسنا من الوزن مثل ما لآيات الله في الآفاق.

 

2- أن احتكاك الإنسان بالبيئة، سواء البيئة الاجتماعية أو الطبيعية، أو الكونية، يجعله يتعرف على كثير من طبائعه وخصائصه التي فطره الله عليها من هلع وجزع أو بخل أو طمع أو خصومة وجدل أو ضعف أو وجل.

3-الإنسان هو المخلوق المتميز الذي خلق ليعبد الله، ولذلك انطوى تركيبه وتطويره على ما ميزه الله به، وكان لنا في خلقنا وتنظيم حياتنا الجسدية والنفسية ما كان من آيات الله وعجيب صنعه لنتأمل ذلك وتعتبر به ونشكر الله عليه، وتزكي أنفسنا كما أوصانا الله تعالى وكما أحب لنا.

4- أن مشيئة الله وحكمته اقتضت أن يخلق الإنس والجن، ويجعلها آية على بعض صفاته وأسمائه الحسنى قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ (البروج: 14) ﴿هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (سورة الحشر: 24)﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (سورة الإخلاص: 2) ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة الرحمن: 29) ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ﴾ (سورة الزخرف: 84)، وهو الذي يحب عباده ويحبونه﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ُ﴾ (سورة غافر: 3)، والإنسان من أجدر المخلوقات لتتحقق فيه آثار هذه الصفات والآيات الدالة عليها، والملائكة والسموات والأرض لا يذنبون، لذلك قال : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم. فجعل الله الإنسان والجان آية على أنه غفوررحيم، وأنه الإله المعبود بحق، وأنه وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (سورة الأنعام: 61) ﴿يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (سورة البقرة: 142) 

وأنه ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (سورة الأنعام: 61) وجميع البشر مفتقرون إلى حلمه وكرمه ﴿۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهۖ وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15) ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى الله مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (الأنعام: 62) وأنه ﴿ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (الإسراء: 17)

ويشرح الكاتب بعض الأهداف التربوية لآيات الله في الأنفس، ويقول إنها تربي فينا:

 أ -القرب من الله والاتصال به.

ب -الشعور وفطرتنا الدينية فطرة التعلق بالله والخوف من عقابه، والشوق إلى لقائه والرغبة في رحمته وثوابه والخضوع لحكمه واتقاء غضبه، وإخلاص العبودية والتبعية له ولدينه وشريعته ... والشعور بالافتقار إلى كرمه ورزقه وفضله، والالتجاء إليه في الشدائد.

 ج - إيقاظ هذه الفطرة الدينية مع ما يصاحبها من الانفعالات والعواطف الربانية المناسبة وما يثمره في سلوكنا، وفي نظرتنا إلى الكون وإلى المجتمع، أي إنه يضعنا في مواقف جديدة، وكل موقف يتطلب منا تعديل سلوكنا بما يناسب الآية التي أيقظت فينا الشعور في جانب من جوانبه، وأوجدتنا في هذا الموقف الجديد.

د -وهكذا تربي هذه الآيات في الإنسان الجانب الإدراكي العقلي، حين يدرك مظاهر حكمة الله في خلقه، والجانب الانفعالي كالخوف والمحبة والجانب السلوكي.

الوقت هو الحياة

سيرة السلف الصالح نماذج تحتذى في شحذ الهمم والحرص على الوقت

د. حمدي شلبي مدرس الحديث وعلومه بجامعة الأزهر.

أرشدنا الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه العظيم إلى أهمية الوقت والتوقيت في حياتنا وأعمالنا، فرسم لنا الأحكام الشرعية وحدد لنا أوقاتها ومواعيد أدائها، وحذرنا من التساهل والتجاوز بها عن توقيتها، وفي ذلك تعليم وتربية لنا على تنظيم الأعمال والقيام بها في مواقيتها المحددة.

فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾(سورة النساء: 103).

ومعنى: «كتابًا»: فرضًا مكتوبًا، ومعنى: «موقوتًا» في أوقات محددة.

وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله : «أي الأعمال أحب إلى الله؟ »، قال: «الصلاة على وقتها» (۱).

والصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، فإذا أداها المسلم في أول وقتها كما طلبت منه غرست في سلوكه خلق الحفاظ على الوقت والدقة في المواعيد والانتباه لتوقيت كل عمل بوقته المناسب له الموصل إلى الغاية منه على الوجه الأتم والأكمل.

خلق ضبط الوقت:

ومن هنا تبدو لنا الحكمة البالغة: لماذا خص الله تعالى، ثم النبي ﷺ الصلاة بالذكر من بين سائر التكاليف الشرعية الكثيرة الموقتة؟

والجواب بإيجاز؛ لأنها تتكرر كل يوم خمس مرات، وفي زمن يسير ينطبع سلوك فاعلها بخلق ضبط الوقت، ودقة الموعد، وأداء كل عمل في ميقاته المخصص له على الوجه الأمثل ويصير ذلك له عادة وطبيعة متبعة في سلوكه وحياته (۲).

فيجب على المسلم أن ينتبه إلى الوقت في حياته، فهو رأس المال والربح معًا.

صفحات مضيئة

وسيرة السلف الصالح قدوة في كل خير ونموذج لكل فضيلة، وهذه بعض النماذج المؤثرة الشحذ الهمم والحرص على الوقت.

أ - الإمام علي رضي الله عنه - يقول: من قضي يومه في غير حق قضاه، أو في فرض أداه، أو مجد بناه، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه (۳).

ب - والإمام الشافعي - رحمه الله يقول:

صحبت الصوفية، فلم أستفد منهم سوى  كلمتين: الأولى الوقت كالسيف فإن لم تقطعه قطعك، والثانية ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل (٤).

جـ ـ والحسن البصري - رحمه الله يقول:

یا بن آدم: إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك ذهب بعضك..

وقال أيضًا: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم» (٥).

 د - وابن الجوزى - يرحمه الله يقول، وينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قرية. ويقول الأفضل: فالأفضل من القول والعمل ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل (٦) 

هـ - وأختم مقالي بما قيل عن الإمام القدوة الجد والحرص على الوقت رحمه الله وطيب ثراه:

يقول عنه الشيخ الحاج عبده مصطفى. متعه الله بالصحة والعافية تلقى العلم في الجامع الأزهر على يد أكفأ العلماء في عصره... واشتغل منذ شبابه بالذكر والصوم والتهجد ... ولم يبدأ رحلته التعليمية في الأزهر الشريف إلا بعد أن تجاوز العقد الثاني من عمره، وحين تعجب أخوه الشيخ خطاب من رغبته الملحة في تلقي العلم بعد هذه السن قال له: «قد تسبق العرجاء، والله يختص برحمته من يشاء»

وكان يرحمه الله في أثناء دراسته يصر على تنفيذ ما يتلقاه من أحكام الشرع أولًا بأول، إذ كان يؤمن بأن من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، فقد كان إيجابيًا خدومًا لزملائه في الدراسة يشرح لهم ما خفي عليهم ويدعوهم دائمًا إلى أن يكونوا قدوة صالحة لغيرهم (۷). 

هكذا تكون الهمم العالية، فقد أينعت دعوته وعمت أرجاء الأرض، وجاء من بعده وتابع المسيرة المباركة فجمعت الجمعية الشرعية بين العلم والعمل الصالح فبنت المساجد والمعاهد، وكفلت اليتامى، وطلبة العلم وأرسلت القوافل الدعوية والطبية، ومدت يد العون خارج القطر المصري للمستضعفين من أهل فلسطين، وغيرهم. 

كل ذلك بفضل الله عز وجل، ثم بجهود المخلصين المتعاونين على البر والتقوى ألا فلنحرص على أوقاتنا ونستخدمها في نشر الخير بين الناس ولا تضيعه سدى.

الهوامش

(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (۹/۲) من فتح الباري في كتاب المواقيت، باب: فضل الصلاة لوقتها.

(۲) انظر: كتاب قيمة الزمن عند العلماء، ١/١0للشيخ الدكتور عبد الفتاح أبو غدة – يرحمه الله.

(۳) انظر: نفحات روحية لمحمود شيت خطاب يرحمه الله، ص١٥٦ . 

(4) انظر: قيمة الزمن عند العلماء ١/ ٢٥.

(٥) انظر: المصدر السابق ،۲۷/۱ وكتاب عجز الثقات، للشيخ الدكتور محمد بن حسن بن عقيل، ص ٢٥ 

(6) انظر: صيد الخاطر، ص ٢٥ بتحقيق عامر علي ياسين، ط دار ابن خزيمة.

(۷) انظر:«مجلة التبيان» التي تصدرها الجمعية الشرعية العدد الأول شهر شعبان ١٤٢٥هـ / سبتمبر وأكتوبر ٢٠٠٤ المقال الأخير ص ٥١ عبده مصطفى تحت عنوان «من رجالات الجمعية الشرعية».

فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية

ظاهرة التمرد «١ من ٣»

عملية المراجعة جزء أساسي من العمل على تجديد أمر الدين

ضرورة وجود من ينصح ويأخذ على يد المخطئ مع الالتزام بالضوابط الشرعية

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ، قال: إن رجلًا حمل معه خمرًا في سفينة، ومعه قرد، فكان الرجل إذا باع الخمر، شابه. أي خلطه بالماء، ثم باعه، فأخذ القرد الكيس، فصعد به فوق الدقل. أي صاري السفينة..فجعل يطرح دينارًا في البحر، ودينارًا في السفينة حتى قسمه)۱(.

د. حمدي شعيب

يقص علينا الحبيب ﷺ، هذه القصة الغريبة، والتي حدثت في عصر ما، وفي مكان ما، وفي قوم ما، والظاهر أنهم قبل عصر تحريم الخمر، وكيف تجرأ حيوان صغير على مواجهة المنكر، الذي يقوم به صاحبه، فلم يتردد أن يواجه فاعله، فيصعد إلى أعلى مكان بالسفينة، ويقسم المال بالعدل إلى قسمين متساويين قسم يخص الماء فرماه في البحر، وقسم آخر يخص صاحبه فرماه في السفينة.

فقه القصة:

وسنحاول أن نتلمس منها بعض الدروس الظاهرة والقريبة، فمنها:

1. الدور التربوي للأدب وخاصة القصص في عملية إعادة صياغة العقل المسلم وإبراز العبر غير المباشرة التي تبني قيمًا معينة في العقل الباطن دون اللجوء للأسلوب الخطابي. 

٢ - أهمية قراءة التاريخ، حتى تاريخ الأمم التي تخالف شريعتها شريعتنا للخروج بالحكمة التي هي ضالة المؤمن.

3-خلق الغش مذموم وبغيض، حتى بين الأقوام الذين لم يحرم عليهم شرب وبيع الخمر.

4-الدور الإيجابي للقرد، وهو حيوان غير عاقل، ومشهور بأنه مقلد وإمعة، فيقوم بعملية مواجهة للمنكر بيده.

وفي هذا خطاب لكل من يعمم أحكامه على فرد أو جماعة أو أمة، ويتغافل عن الفروق الفردية.

5-القرد واجه المنكر الذي يقوم به صاحبه وولي نعمته، ولم يمنعه خوفه على رزقه.

6- صعود الفرد إلى أعلى السفينة ليعلن رأيه، فيه لمحة تربوية وهي: من أراد أن يصحح فليختر أفضل وأبرز مكان ليصحح.

7- وهذا المكان فيه لمحة تنظيمية، وهي من أراد أن يعلن رأيه ليقوم الخطأ، أو ينتقد للمراجعة، فعليه أن يعلنه بالطريق الصحيح وبصراحة لا تقبل التأويل، وفي النور وليس في الأماكن المظلمة ومن داخل الجيوب.

8-تسير القصة النبوية على نفس منهجية القصة القرآنية: وهي الاهتمام بفقه راق وهو فقه الحدث، أو فقه الفعل، والذي لا يهتم بأشخاص الحدث أو أسمائهم أو مكانتهم، بليركز على الحدث والفعل.

وفي هذا لمحة تربوية تهتم بتحرير العقل المسلم من إسار التعلق بالشخص.

9-انتهت القصة ولم ندر ما هو مصير القرد؟ هل طرده صاحبه؟ أم أغرقه في البحر ليخفي سره؟ وهل امتنع صاحبه عن الغش؟

وذلك حتى نخرج من القصة بفقه جديد وهو فقه المواقف، أو فقه اللحظات، والخروج من دائرة الحكايات والإسهاب، فهنا المقصود التربوي من القصة هو ذكر موقف معين ولحظة معينة، وبغض النظر عن معرفة النهاية أو المصير.

أدب المراجعات:

ولكن عندما ننظر إلى القصة نظرة بعيدة فإننا نستشعر بعدًا تربويًا آخر، وهو أهمية وجود من ينصح، بل ويواجه الخطأ، ويأخذ على يد المخطئ حتى وإن عظمت العواقب، مع الالتزام بالضابط الشرعي والقاعدة الأصولية«درء المفسدة، مقدم على جلب المصلحة». 

وهو ما تسميه بفقه النصيحة، أو بأدب النقد الذاتي أو بأدب المراجعات والوقفات.

 وهو أدب يبحث عن مواطن الخلل في كل مرحلة من مراحل أي عمل أو خطة، خاصة في المجال الدعوي التربوي أو الحركي.

وهو الباب الذي لم نزل نفتقده كثيرًا. أفرادًا وجماعات وذلك إما عن عدم فقه لأهميته، أو لعدم فقه لطبيعة ممارسته. أو التزامًا بالقناعة المخدرة أننا بخير، وليس في الإمكان أبدع مما كان.

وقد نتج عن غياب هذا المبدأ الكثير من صور الخلل في الفهم، وفي التطبيق والممارسة وأخطر صوره. وهو ما أصاب العقلية المسلمة في مقتل. هو تعميق هالة القدسية على الاجتهادات البشرية، وعلى الأشخاص، مما أدى إلى حالة من التوثين، أو التصنيم، وهو ما نهينا عنه شرعًا من باب: كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ﷺ.

وهو الباب التربوي العظيم الذي يلمسه كل متدبر للقرآن الكريم عامة، ثم للقصص القرآني خاصة، حيث نلمح كثيرًا من صور التطبيق على كل المستويات سواء الجماعي أو الفردي.

أولًا: على المستوى الجماعي:

تدبر كيف كان القرآن الكريم هناك يتابع مسيرة الدعوة مع حركة الرسول ﷺ والجماعة المسلمة في كل المواقف، وفي كل المراحل، ومن خلال الأحداث، يقيم بجدية، ويراجع بصراحة ويقوم بشدة، ويصحح بقوة، ويعالج دون مجاملة.

 1. في مواطن النصر، كانت الآيات تتجاوز حالة الفرحة العارمة بالغلبة والانتصارات وتركز على مواطن الخلل ومراكز الداء.

 (أ) تأمل كيف يخاطب القرآن الكريم أولئك المنتصرين في أعظم المواضع وهي موقعة بدر ليعالج الأمراض القلبية، ويقول لهم دون مجاملة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لله وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا الله وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنفال: 1)

(ب) ثم يعود بهم إلى وقفة أخرى، فيبين لهم مصدر النصر الذي حققوه، حتى لا تغيب عنهم ربانيتهم، ولا تغرهم المظاهر، ولا يركنوا إلى الأسباب: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ الله) (الأنفال: 10).

(جـ) وفي نفس الوقت يقف بهم، ليراجع، ويصحح دون مجاملة، ويقرر الموقف الصحيح من الأسرى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (سورة الأنفال: 67).

2- أما في حالة الانحسار، فلقد كانت الآيات تتنزل لتقيم وتصحح المفاهيم.

ففي أثناء مصيبة «أحد»، كانت الوقفات القرآنية الجادة تركز على نقاط عدة منها:

(أ) أنه لابد من قراءة التاريخ، ودراسة السين الإلهية: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (سورة آل عمران: 137)

(ب) وأن الحركة التاريخية، وجولات النصر والهزيمة، وعملية التغيير الحضاري، حركة تبادلية وتداولية مستمرة ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)

(جـ) لابد من بلوغ مرحلة النضج التربوي وذلك بالتمحور والقتال حول الفكرة لا الأشخاص: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ﴾

(آل عمران: 144)

أما عن غزوة حنين فلقد كانت الآيات تتجاوز جولة النصر الأخيرة في معركة حنين لتقف عند أسباب الهزيمة في جولة المعركة الأولى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ (التوبة: 25)

ثانيًا: على المستوى الفردي:

أما على المستوى الفردي، فلقد كانت الوقفات والمراجعات القرآنية لا تترك أي فرصة لأي ظواهر مرضية من باب التقييم والتقويم

 وهذه مجرد أمثلة تمثل غيضًا من فيض على سبيل الدراسة لا الحصر.

ففي مجال تصحيح المفاهيم والتقييم الراشد للأشخاص والأحداث والأشياء والغايات كانت آيات مطلع «سورة عبس»، تقف لتعاتب وتقيم وتقوم مجرد انشغال الرسول ﷺ عن عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه، ببعض كبراء قريش.

وفي مجال ضرورة الحفاظ على ربانية البيت المسلم، وحماية الجبهة الداخلية للداعية. كانت هذه الوقفة والمراجعة القرآنية، لتعاتب خير الخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة التحريم: 1)

 لذا كان منهج الرسول ﷺ أيضًا، أنه كان يقف، وينصح ويوصي، مستر شدًا بالقراءة التاريخية لما حدث للأمم الغابرة، وهو من باب الفقه الجيد لسننه سبحانه وتعالى.

النقد الذاتي

لهذا كان من الأهمية بمكان أن تدرك أهمية أدب الوقفات أو النقد الذاتي، وأن عملية المراجعة في حقيقتها هي جزء أساسي من العمل على تجديد أمر الدين الوارد في الحديث الشريف: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (۱). والتجديد هنا يعني تجديد الفهم للدين، والإيمان به وتنزيل تعاليمه في ضوء ظروف المجتمع والمشكلات التي يعاني منها.

فعملية المراجعة، في أساسها نفي للخبث ونزع النابتة السوء، وتقويم للاعوجاج في المسيرة وتصويب للخطأ في القول والفعل والممارسة وإعادة إبراز للمعالم الغائبة.

وهي عملية تدريب للعقل المسلم وتمرينه على الحرية في التفكير، وتخليصه من عقدة الخوف من الخطأ، والتأكيد على أن الله سبحانه لم يتب على الخطأ إلا في حالة الاجتهاد الفكري: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (۳). 

ولكن الخطورة، أن يظن البعض أن المراجعة عملية انتقائية، أي أنها من حق البعض دون البعض الآخر!

فإذا راجع الفرد العادي مسؤوله في أي درجة، يكون قد تعدى حدوده، وتجاوز الخطوط الحمراء، وهذا هو منطلق عملية التوثين والتصنيم المذمومة في منهجنا الراقي الداعي للحرية بل ويكون الفرد صاحب الرأي في عرف سدنة هذا التفكير الاعتلالي: متمردًا! بل وقد يرمى بإساءة الأدب مع الفوقيين!

وسنحاول أن تركز في الحلقات القادمة على جانب من فقه الوقفات أو أدب المراجعات أو النقد الذاتي من وجهة نظر مخالفيه ورافضيه عندما يطلقون على هذه الظاهرة الصحية الإصلاحية «ظاهرة التمرد».

الهوامش

(۱) حديث صحيح رواه أحمد في مسنده(٢/206)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٣٠٧ـ ٥٣٠٩) و٣٣٣/٤)، وابن عدي في الكامل (٣/٢٥٣ - ٢٥٤)، وصححه المنذري في الترغيب والترهيب(3/23).

قال: رواه الطبراني في المعجم الكبير، ورواه البيهقي أيضًا، ولا أعلم في رواته مجروحًا. انتهى.

(۲)رواه أبو داود في الملاحم.

(۳) رواه البخاري.

الرابط المختصر :