العنوان المجتمع التربوي (العدد 1408)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-2000
مشاهدات 66
نشر في العدد 1408
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 11-يوليو-2000
▪ وقفة تربوية.. الاتصال الناجح (1)
كتب ستيف وكاثرين مارتن مقالًا جميلًا في الموقع الإلكتروني «cyben Quotation» تحت عنوان: «الاتصال الناجح» ذكرا فيه خمس صفات للمتصلين الناجحين يستطيع من يطبقها الحصول على قدر كبير من الإيجابية والعلاقات الناجحة في البيت أو العمل.
والصفات الخمس هي:
1- استمع من أجل الفهم.
2- قدر واحترم المتكلم.
3- تأكد وتذكر الحوافز قبل البدء بالحديث.
4- كن منسجمًا أمينًا.
5- تحدث واستمع مع اتخاذ موقف إيجابي.
إن الكثيرين منا يفقدون العديد من العلاقات المهمة بسبب عدم قدرتهم على التحلي بالصفة الأولى من هذه الصفات، فقد يستمع المرء ليرد أو ليعد الرد، وليس من أجل الفهم الصحيح والدقيق للمتكلم.
والبعض يستمع وقد أعد الرد سلفًا، مما يفقده احترام المتحدث، وبالتالي يخسره.
وبدلًا من ذلك يجب أن يبدي المستمع الاهتمام بالمتحدث كالنظر إليه، أو استفساره بين فترة وأخرى، أو إبداء التعابير المتفهمة على وجه المستمع.
أما الصفة الثانية وهي التقدير والاحترام لشخص المتكلم، فهي من أبجديات الأخلاق الإسلامية التي تعلمناها من رسولنا- صلى الله عليه وسلم- إذ كان يستمع إلى رسل قريش في بداية البعثة، وهم يعرضون عليه كفرًا، وسفاهة، وجهالة، لكنه كان يستمع إليهم، ويحترم المتحدث دون مقاطعة، حتى إذا ما انتهى استأذنه بالحديث، وهكذا ملك قلوب الجميع.
يتبع
أبو خلاد
albelali@bashaer.org
▪ الفهم الإيماني.. لظواهر الطبيعة.. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلوذ بالدعاء إذا رأى غيما في السماء أو عاصفًا بالهواء
حجازي إبراهيم
• كثرة الذنوب سبب للكوارث.. والنواميس الكونية قد تتخلف تمحيصًا وابتلاءً
عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النبي- صلى الله عليه وسلم- قالت: «كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسالك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به»، قالت: وإذا تخيلت السماء، تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه، فعرفت ذلك في وجهه، قالت عائشة: فسألته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (سورة الأحقاف: 24)، وفي رواية أنه كان يقول إذا رأى المطر: «رحمة» (1).
وعن زيد بن خالد الجهني- رضي الله عنه- أنه قال: «صلى لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء- أي المطر- كانت من الليل، فلما انصرف النبي- صلى الله عليه وسلم- أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» (2).
عجيب أمر هذا العصر الذي جعل البعض فيه من العلم إلهًا جديدًا، ونُصبًا للإضلال رفعه، حتى يبرر له كل ما يقع في الكون من أحداث ووقائع ويرجعها إلى ظواهر طبيعية أو نواميس كونية، دون أن ينسب من ذلك شيئًا إلى الله، أو يذكر أن ذلك إنما هو بلاء يصبه على الناس صبًا لعلهم يتذكرونه، لا سيما أنهم أصبحوا عاجزين عن إصلاح ما أفسدوه بسوء صنيعهم، وما توصلت إليه عقولهم، وكثرة ذنوبهم التي أحاطت بخناقهم من كل جانب، وأمسكت بتلابيبهم من كل اتجاه مما جعلهم يتنسمون الموت في كل لحظة، وينتظرون الهلاك في كل حين.
ومع كل هذا الفساد والشر المستطير لم يرتفع من بينهم صوت يعلن لهم أن ما يقع بهم إنما هو نذير بغضب من الله يحيق بهم لو ظلوا في طغيانهم يعمهون، أو استمروا في ضلالهم سادرين.
▪ نظرة المؤمن
نظرة المؤمن لما يقع من حوله إنما يستمدها من هدي الرسول ﷺ حين كان يری غيمًا في السماء أو عاصفًا من الهواء، إذ كان يتغير تغيرًا يُعرف في وجهه، وهكذا يجب أن يكون شأن المسلم في تعامله مع الظواهر الطبيعية، ورؤيته لها، وخشيته مما تحمل في طياتها وتغليب جانب الخشية على الرجاء، فقد كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- ما إن يرى الريح والغيم حتى يتغير لونه، ويتجه إلى الله داعيًا: «اللهم إني أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها».
كما كان- صلى الله عليه وسلم- لا يهدأ ولا يستريح ولا يعلوه البشر والسرور إلا بعد أن يتنزل المطر، حينئذ يقول: «رحمة».
وشتان ما بين تعامل المسلم مع الظواهر الطبيعية، وتعامل غير المسلم، إذ يزين الشيطان لغير المسلمين أعمالهم ويفسرون كل ما يقع تفسيرًا يُرجع كل شيء للطبيعة، مع نسيان تام وغفلة كاملة عن الله عز وجل المدبر لأمر الكون والمهيمن على كل ما فيه والمتصرف فيه بكلمة «كن» دون اعتبار للنواميس التي خلقها سبحانه في كونه، فأمرها بيده إن شاء أمضاها، وإن شاء عطلها.
وقد قص الله لنا بعضًا من ذلك، فالنار التي بطبيعتها تحرق تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، ونارًا تحرق القيد الذي يغل يده وقدمه.
والماء الذي يغرق يتحول طريقاً يبسًا، الماء على جانبيه كالطود العظيم لموسى- عليه السلام- ومن معه من المؤمنين، ثم هو يصير ماء يغرق فرعون وجنده.
والحوت الذي يهلك كل من يبتلعه يصير سفينة نجاة ليونس.. وفي ذلك كله عبرة لأولي الأبصار.
والواقع المشاهد المتكرر يؤكد ما سبق، إذ نرى المطر ينزل على مناطق فيكون بشرى ورحمة وسبيل الحياة للأرض الميتة والبشر الذي أشرف على الهلاك، بينما ينزل على بلاد أخرى سيولًا تأتي على الأخضر واليابس، حتى إنها لتمحو قرى بأكملها، وتتركها أثرًا بعد عين، وفي قصة عاد الدرس المبين، وما قصها علينا القرآن إلا لتكون عظة، وذكرى للمؤمنين، فهم قوم أصحاب حضارة ظاهرة، وقصور مشيدة وجنان وافرة الثمار، قال الله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (سورة الشعراء: 128: 134).
حضارة لم يخلق مثلها في بلاد، بادت في لحظة ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (سورة الأحقاف: 24- 25).
أين هذا من الأمطار الحمضية التي يتحدث عنها علماء هذا العصر؟
أما قوم نوح فأغرقوا بسيول من السماء عيون من الأرض ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (سورة القمر: 10: 13).
وتنوع العذاب للمكذبين يتأكد في قوله تعالى ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ وَقَٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت: 38: 40).
أليست البشرية الآن تعيش الحال نفسها: شيطان يزين للناس سوء صنيعهم، ويجعلهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وهم بذلك إنما يظلمون أنفسهم بإيرادها موارد الهلاك، بكثرة ذنوبهم، التي يستجلبون بها غضب السماء والأرض، وقد ضاقتا ذرعًا بذنوب العباد، ولو كان الأمر بيدهما، لتفجرت الأرض من تحت أقدامهم، وانخسفت بمن عليها، وانشقت السماء من فوق رؤوسهم، وصبت عليهم جام غضبها، لكنها رحمة الله الذي يمهل ولا يهمل، ولا يؤاخذ بكل الذنوب في الدنيا حتى تبقى الحياة عامرة إلى أن تأتي الصيحة، التي يؤذن فيها بقيام الساعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سورة النحل: 61).
النواميس قد تتخلف: اقتضت حكمة الله- عز وجل- ربط الأسباب بالمسببات، وقلما تتخلف نواميس الكون مما جعل الإنسان يعتبر ذلك من القوانين التي يرتب عليها، ويفسر بها كل ما يحدث، وغاب عنه أن تلك النواميس قد تتخلف، ويقع بالكون ما يشذ عن هذه القاعدة، ليرينا الله من آياته ما يجعلنا، ونحن نأخذ بالأسباب، على يقين بأن الله هو الفاعل، وهذا ما يؤكده هذا الحديث، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ليس السنة بألا تمطروا ولكن السنة أن تمطروا ثم تمطروا، فلا تنبت الأرض شيئًا» (3)، ومن أجل ذلك كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا رأى المطر قال: «صيبًا نافعًا» (4).
والأمر هكذا فلا بد من أن يطمئن المؤمن إلى قدرة الله، وأن يتحرك في هذا الكون أخذًا بالأسباب دون تواكل متوكلًا على الله في كل- أمره، أما غير المؤمنين فسوف يسخرون من هذا، وهؤلاء لا نملك إلا أن نقول لهم ما علمنا الله في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (12) (سورة هود: 121- 122).
▪ شواهد من الواقع
الواقع المشاهد والحوادث المتكررة تؤكد صحة ذلك، ففي كل يوم تطالعنا الصحف ووسائل الإعلام بزلازل تدمر مدنًا وسيولًا تغرق قرى بأكملها.
وإليك جانبًا من أخبار الكوارث، وما نتج عنها من آثار لترى من خلالها قدرة الله- ورحمته إذ يصيبهم بذلك لعلهم رجعون، قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (سورة التوبة: 126).
ولقد رصدت مراكز جيولوجية في هاواي وأستراليا زلزالًا قوته سبع درجات على مقياس ريختر في بحر بمسارك قبالة ساحل بابوا غينيا الجديدة الشمالي الغربي النائي، وقد تمخض عن ذلك ثلاث موجات كاسحة بلغ ارتفاع أعلاها عشرة أمتار ضربت ساحل بابوا غينيا الجديدة بالقرب من مدينة إيتابي في الظلام، وقتلت نحو ألف شخص أو أكثر وأزالت قرى بأكملها، وقال قرويون إن هدير الأمواج كان مثل زئير طائرات حربية نفاثة تستعد للهبوط، كما كانت موجة المد تنطلق بسرعة تصل إلى ألف كيلو متر في الساعة أحيانًا.
وأكثر موجات المد تدميرًا حدثت في 27 من أغسطس 1983م عقب ثورة بركان كاركاتوا بين جزيرتي جاوة وسومطرة بإندونيسيا الذي تمخض عن موجات مد بلغ ارتفاعها 30 مترًا، وسرعتها بين 560 إلى 720 كيلو مترًا في الساعة، وقتلت أكثر من 36 ألف شخص (5).
وليس ببعيد عنا زلزال تركيا العام الماضي، وكما أشيع فإنه سبقه اعتداء على القرآن الكريم في حفل ماجن.
وشاهد آخر: صلاة الاستسقاء في تركيا التي أصابها الجفاف وقتما كان «نجم الدين أربكان» مسؤولًا بارزًا فيها، ولأن حكومة تركيا علمانية، وقد قطعت صلتها بالإسلام ونظمه، فقد سخرت أحزابها من دعوة «أربكان» إلى صلاة الاستسقاء، وأخذت الصحف تتندر منه وتسخر من الإسلام، ومع هذه الحملة الشعواء على الإسلام والمسلمين، فإن أربكان والصادقين من المسلمين لم يفقدوا ثقتهم في الله، ولم يتسرب الشك إلى نفوسهم، بل خرجوا بقلوب منكسرة، وأكف متضرعة في صلاة خاشعة، وما كادوا يتمون صلاتهم، ويفرغون من دعائهم حتى فتحت السماء أبوابها، وأنزل الله الغيث، فكان غيظًا لقلوب الأعداء وشفاءً لصدور المؤمنين.
▪ الهوامش
(1) شرح صحیح مسلم 6/196 «14/899».
(2) فتح الباري 2/522/1038.
(3) مسند الإمام أحمد 2/358.
(4) فتح الباري 2/ 518/1032.
(5) الشرق الأوسط عدد 7175، الخليج عدد 6980.
(*) من علماء الأزهر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل