; منهج التغيير في فكر الإمام حسن البنا (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان منهج التغيير في فكر الإمام حسن البنا (1 من 2)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

مشاهدات 179

نشر في العدد 1219

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

 دراسات 

• حرص الإمام البنا على تغيير رؤية المسلمين لأنفسهم وللعالم من حولهم وذلك ببث الأمل فيهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة لديهم.

في فاتحة الكلام عن منهج الإمام حسن البنا (١٩٠٦ – ١٩٤٩م) في التغيير لا بد أن تسجل أن التربية، هي كلمة المفتاح في هذا المنهج أو هي كلمة السر إن جاز التعبير، فبالتربية بدأ دعوته وأسس جماعة الإخوان المسلمون سنة ۱۹۲۸م، ومنها انطلق إلى آفاق عملية التغيير الشاملة لمختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية, وبها أيضًا اختتم حياته بعد أن عركته مصائب السياسة ومكائدها، فأوصى أتباعه بضرورة التمسك بها والتركيز عليها, وخاصة أن الجماعة التي أنشاها كانت قد صارت واحدة من أهم الحركات الاجتماعية السياسية الساعية للإصلاح والتغيير في مصر قرب منتصف هذا القرن العشرين. 

ولكن بعد أن أخذت «الدعوة» إلى الإصلاح شكل حركة اجتماعية سياسية منظمة فإن منهجية التغيير لم يعد من الممكن اختزالها في كلمة السر «التربية», إذ صارت هي ذاتها واحدة فقط من أدوات وأساليب عملية التغيير الشاملة وذلك بفعل عوامل متعددة بل ومتعارضة سوف نسعى لمناقشتها في تفاصيل هذا المقال آخذين في الاعتبار مجمل الظروف و الأوضاع، والتطورات السياسية والاجتماعية التي عاصرها الإمام حسن البنا وعمل في إطارها، بادئين ببيان أسس ومبادئ التغيير التي انطلق منها. 

أسس منهج التغيير عند الإمام حسن البنا :

نقطة البدء في التأصيل النظري لمنهج التغيير عند الإمام حسن البنا هي معرفة السن، أو النواميس الكونية الثابتة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في مخلوقاته، وأن شرط تغيير ما بقوم هو أن يغيروا ما بأنفسهم، أولًا حتى يغير الله ما بهم، كقوم يعيشون حياة اجتماعية لها نظمها وأوضاعها الإيجابية والسلبية، أما مصادمة تلك السنن أو النواميس، فتؤدي –لا محالة- إلى الإخفاق والفشل في الانتقال من الموجود إلى المرغوب، يقول في رسالة المؤتمر الخامس: «ولا تصادموا نواميس الكون، فإنها غلابة، ولكن غالبوها، واستخدموها وحولوا تيارها, واستعينوا ببعضها على بعض». 

ومعنى ذلك أن يكون التعامل من «السنن» -معرفة وتحليلًا واستخدامًا- علمًا قائمًا بذاته، بحيث تتأسس عليه عمليات التغيير والتطوير الاجتماعي بمختلف جوانبه. 

وأساس هذا النظر السنني عند الإمام البنا –وعند غيره من رواد الإصلاح والنهضة- هو العقيدة والإيمان الديني، ومن هذا الأساس استقى فكرته عن أهمية دور الدين في عملية التغيير، وفي تحديد مجالاته ووسائله الرئيسية، وبعبارة أخرى فإن هذا الجانب النظري هو الذي يكشف عن ثوابت منهج التغيير التي انطلق منها في ممارسة جهوده العملية.

1. الأساس العقيدي لمفهوم التغيير:

لقد أيقن البنا بأن سنة الله في تغيير المجتمعات وإصلاحها تقضي البدء بتغيير ما بالنفس، وكثيرًا ما كان يستشهد في هذا المجال بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱), ولا يختلف البنا في ذلك عن غيره من رواد التجديد وحركات الإصلاح الإسلامية، فالجميع يسلمون بأن البدء بتغيير ما بالنفس، هو الخطوة الأولى في سبيل التغيير والإصلاح الشامل. 

ويبدو لنا أن الممارسة العملية التي انخرط فيها البنا قد ساعدته، ولاشك في تقديم صياغة اجتماعية لعملية التغيير المنطلقة من الأساس العقيدي، وقد تبلورت عنده تلك الصياغة في ثلاث حلقات: 

الأولى: دعا فيها إلى التركيز على الفرد. 

والثانية: يكون التركيز فيها على الأسرة، وهي امتداد للأولى. 

أما الثالثة: فتشمل المجتمع كله، ولكل من المستويات الثلاثة برامج خاصة وأساليب محددة للإصلاح والتغيير في الاتجاه المرغوب على النحو الذي طبق بالفعل في إطار جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها أداة الإحداث الإصلاح في المجتمع ككل. 

٢. دور الدين في عملية التغيير: 

وقد اعتمد البنا على «الدين» -الإسلام- كعامل فعال لإحداث التغيير لما بالنفس، فإذا كان فساد النفس تعبر عنه الأخلاقيات المتدهورة والسلوكيات المنحرفة، والانحطاط العام كمحصلة لذلك، فإن مفتاح إصلاحها لن يكون بغير العامل الديني، فالدين كما يقول البنا: «يحيي الضمير ويترك في كل نفس رقيبًا لا يغفل ويدفعها إلى الخيرات دفعًا.. يهش له الفلاح في حقله, ويفرح به الصانع في معمله، ويفهمه الصبي في مكتبه، ويجد لذته العالم في بحوثه، ويسمو بفكرته الفيلسوف في تأملاته فليس أقوى من الدين سلطانًا وأعظم تأثيرًا في تاريخ البشرية وفي حياة الأمم، ودليل ذلك ما كان من تأثير المرسلين والأنبياء», ويؤكد أيضاً: «أن الإخوان المسلمون رأوا أن أفعل الوسائل في إصلاح نفوس الأمم هو الدين، ورأوا أن هذا الدين الإسلامي جمع محاسن كل الوسائل وبعد عن مساوئها». 

وتعتبر عقيدة «الإخوان المسلمون» التي صاغها البنا في سبعة بنود أولى الخطوات الفكرية -ذات التوجه العملي– التي حاول أن يخطوها في سبيل إعادة الحيوية للإسلام ضمن منهجه العام في التغيير الذي يبدأ بالنفس كما سبق، و بتحليل تلك البنود السبعة، يتضح أنها تعبر في مجملها عن الطرح المضاد للاتجاهات الفكرية– السياسية التغريبية الداعية لحصر الإسلام في النطاق الشخصي وتجريده من القيام بأي دور اجتماعي أو سياسي، بل إن أحد البنود يدعو صراحة إلى ضرورة مقاومة تلك الاتجاهات، ومقاطعة ادعاءاته بكل الطرق، وهو ما ينص عليه البند الرابع كالتالي: «وأتعهد بأن أبث تعاليم الإسلام في أفراد أسرتي، ولا أدخل أبنائي أي مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم، واقاطع كل الصحف والنشرات والكتب، والهيئات والفرق، والأندية التي تناوى تعاليم الإسلام». 

3- مجالات ووسائل التغيير :

سبقت الإشارة إلى أن البنا رفض –منذ البداية– معظم جوانب الأوضاع القائمة لاعتقاده أنها صارت بعيدة عن منهج الإسلام في الحياة، وعليه فإن التغيير لابد أن يشمل كل تلك الجوانب، ونظرًا لغلبة الطابع التجريبي– العملي لديه فإنه لم يفصح عن هذا التوجه نحو التغيير الشامل إلا بعد مرور ما يقرب من عشر سنوات على بدء الدعوة، أما في البداية فقد ركز خطابه على ما يتصل بإصلاح النفس كمقدمة لازمة لأي تغيير. 

وفي إطار التصور السابق اعتبر البنا أن التربية وسيلة أساسية في عملية التغيير سواء على المستوى الفردي أو الأسري، أو على مستوى المجتمع كله, وقدم تصورًا تفصيليًا لبرنامج إعادة التربية والإصلاح على أسس إسلامية بدءًا من «المنزل» ثم «المدرسة» ثم «البيئة الاجتماعية» وقد حاول في صياغته أن يستوعب الكثير من التجارب المختلفة لممارسة الإصلاح في كل مستوى من تلك المستويات، واضعًا نصب عينيه أن غاية التربية تحبيب الإسلام إلى النفوس والغيرة عليه  -وتهيئة السبيل للنجاح في الحياة- والدفاع عن المصلحة الدينية والدنيوية وتنمية الشعور بالغيرة». 

وقد يرجع تركيز البنا على أهمية التربية إلى تأثره بالتراث الصوفي، وبعض ممارسات الطرق بما لها من أطر تنظيمية وبرامج للتنشئة، ولكنه –كما سيتضح من متابعة جهوده في الحركة-  لم يقتصر على هذا المصدر فقط بل سعى للاستفادة من تجارب الحركات الحديثة للإصلاح الإسلامي، وأشار بصفة خاصة إلى محاولات الأستاذ الإمام محمد عبده، ومن بعده السيد محمد رشيد رضا، وتجربتها في إطار مدرسة «دار الدعوة والإرشاد» -التي لـ لم يقدر لها النجاح لأنها لم تعمر طويلًا– وأيد البنا الفكرة الأساسية التي قامت عليها تلك المدرسة ألا وهي ضرورة الاستقلال عن النظام الحكومي لضمان عدم تأثر برامج التربية بالتقلبات السياسية والتدخلات الأجنبية، ويمكن القول إن تلك الفكرة قد وجدت طريقها إلى التنفيذ لدى البنا في إطار الهيكل التنظيمي لجماعة «الإخوان المسلمون» من خلال مجموعة البرامج والأنشطة المختلفة التي مارستها فضلًا عن شبكة المدارس والمنشآت التعليمية التي أقامتها في معظم أنحاء البلاد. 

وإلى جانب «التربية» كان البنا دائم التأكيد على دور السلطة القائمة الإمام الشهيد وممثليها في الإسهام في عملية التغيير والإصلاح، فقد رأى أن الحكومة «السلطة التنفيذية» ودار النيابة «السلطة التشريعية» باعتبارها سلطات رسمية من ناحية، والأغنياء والسراة وعلماء الأزهر باعتبارهم من ذوي النفوذ والمكانة «أي لهم سلطات شعبية غير رسمية»، من ناحية أخرى, هؤلاء وأولئك مكلفون بالقيام بالإصلاح والتغيير وفقًا لتعاليم الإسلام ومن رسائله المتعددة إلى كثير من الشخصيات العامة، سواء بصفتهم الشخصية أو بحكم مناصبهم الرسمية، يتبين أنه لم يفارقه الأمل في إمكانية قيامهم بالإصلاح– إذا ما صلحت نفوسهم، وصدقت نياتهم، فهم على حد قوله أقدر من غيرهم بما لهم من سلطان على أن تتغير بهم الأوضاع، ويتبدل أمر الناس من حال إلى حال و«إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». 

ويبدو أن تعويل البنا على أصحاب السلطة –سواء كانت رسمية أو غير رسمية- للقيام بدور في عملية التغيير والإصلاح، وكذلك ثقته المطلقة في قدرتهم لإقناعهم بذلك، وإيمانه بضرورة إسداء النصح لهم كواجب يفرضه الإسلام، كل ذلك يفسر لنا الكثير من المواقف التي وقفها –بالتأييد أو المعارضة- تجاه ممثلي السلطة وعلى رأسهم الملك، وكثير من زعماء الأحزاب السياسية، ورؤساء الوزارات والوزراء -بحكم مناصبهم- وبعبارة أخرى، فإن إيمانه بأهمية دور السلطة في التغيير أثر كثيرًا على حركته السياسية، وما تتضمنه من مناورات وتحالفات وإدارة للصراعات... إلخ, ولكن الأهم من ذلك في هذا السياق هو أن تجربة احتكاكه بالسلطة من خلال رموزها المختلفة في كثير من المجالات قد جعلته- في ظل الظروف العامة للمجتمع، وخاصة سيطرة الاحتلال البريطاني على توجيه شؤون البلاد– يوقن تمامًا بأهمية القوة في إطار عملية التغيير والإصلاح, وقد أخذ هذا اليقين شكلًا عمليًا لم يكن متمثلًا فقط في اتجاهه لتكوين ما عرف بالنظام الخاص ولكن أيضًا في مضمون الخطاب السياسي- الفكري الذي وجهه لجماعة الإخوان باعتبارها الأداة المنظمة التي كان يعتمد عليها في تنفيذ خططه الإصلاحية، هذا من ناحية، وفي توجيهه العام المعالجة القضايا المثارة في تلك الحقبة وعلى رأسها القضية الوطنية وقضية فلسطين, وقضايا الاستقلال والتحرر من الاستعمار بصفة عامة من ناحية أخرى. 

ويبدو أن البنا على ضوء معطيات الواقع المصري خلال العهد الملكي الذي عاصره -قد حدد مدة عشر سنوات على وجه التقريب- لكل مرحلة من مراحل خطته للتغيير، حيث إنه أعلن في عام ١٩٣٨م الانتقال من مرحلة «التعريف» إلى مرحلة «التكوين» ثم بعد مرور ما يقرب من عشر سنوات أخرى، أي خلال عامي ١٩٤٧ /١٩٤٨م, كثر حديثه عن المرحلة الثالثة وهي مرحلة «التنفيذ» إما بالتلميح أو التصريح. 

الممارسة العملية لمنهج التغيير:

في الممارسة ظهر تأثير خاصية «شمول الإسلام» -التي آمن بها البنا ودعا إليها- على طريقة تفكيره في التغيير من حيث مجالاته وأساليبه، إذ نجده قد فكر في جميع اتجاهات التغيير ولم يستبعد واحدًا منها، وكان شمول الدعوة وتعدد قضايا الواقع وتعقدها وتداخلها يقوده دومًا إلى أن يسلك دروبًا عدة لتغطية هذا الشمول قدر المستطاع. 

فقد سلك البنا كل دروب التغيير السلمي، ولكنه لم يستبعد -من حيث المبدأ- إمكانية اللجوء إلى القوة المسلحة السافرة ضد الاحتلال البريطاني كتمهيد لازم للتغيير، وحمايته ضمن إطار أخلاقي ينأى «بالقوة» عن منزلق الانتهازية. 

ويمكن اعتبار كافة الجهود التي بذلها الإمام حسن البنا وجماعته في مرحلتي التعريف والتكوين (۱۹۲۸- ١٩٤٥ تقريبًا) نماذج تطبيقية للمنهجية السلمية التدريجية الهادئة الملتزمة بسنن التغيير التي تبدأ بما «بالنفس», وما بالنفس يشمل الأفكار والقيم والتصورات والمفاهيم الميتة أو المميتة -على حد تعبير مالك بن نبي- وقد ركز الإمام حسن البنا في كتاباته وخطبه ومحاضراته على هذا الجانب بهدف تغيير رؤية المسلمين لأنفسهم وللعالم من حولهم، وذلك ببث الأمل لديهم وتبديد شعورهم باليأس والإحباط وتصحيح المفاهيم المغلوطة لديهم، وخاصة مفهوم الإسلام وعلاقته بالسياسة والدولة والمجتمع، وكافة شؤون الحياة، وكانت «الجماعة» بمناهجها التربوية والتثقيفية، وهياكلها التدريبية هي الأداة التنظيمية لممارسة التغيير في الأفراد، والأسر، وفي المحيط الاجتماعي العام، من خلال ضرب المثل، وتقديم القدوة وإقامة المشروع الاجتماعي أو الاقتصادي إلى جانب إقامة الحجة والبرهان والقيام بمهمة البلاغ وأيضًا من خلال حرصه على «تميز» جماعة «الإخوان المسلمون» عن سائر الجماعات والتنظيمات السياسية الأخرى، فكريًا وحركيًا، وكان لهذا التميز أثر كبير في دعم نزعة التغيير لدى أعضاء الجماعة وفي المجتمع بصفة عامة، وخلال هاتين المرحلتين «التعريف والتكوين» نجده قد مارس النقد أيضًا كوسيلة للتنبيه والتعبئة من أجل التغير والإصلاح الشامل، وغطت انتقاداته مختلف المجالات التي دعا لإصلاحها، وكان من منهجه أن يمارس النقد، ويشفعه بالاقتراحات والتصورات البديلة، وقدم في هذا السياق العديد من برامج الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، وقد بحثنا هذه البرامج في دراستنا الموسعة عن الفكر السياسي «للإمام حسن البنا» كأطروحة لدرجة الماجستير في العلوم السياسية جامعة القاهرة .

• باحث في العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية بالقاهرة- مصر.

الرابط المختصر :