العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1224
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
مشاهدات 62
نشر في العدد1224
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
وقفة تربوية
مناداة الأرض للناس
لا ندري إن كانت الأرض أو السماء تتكلمان، ولا نعرف كيف يسبحان الله تعالى، ولكن ابن عباس دعانا معه لنتخيل الأرض وكأنها تنادي كل يوم من عليها ولكنهم لا يسمعون، فيقول واعظًا: «ما من يوم إلا والأرض تنادي بخمس كلمات:
-«يا بن آدم تمشي على ظهري ومصيرك إلى بطني.
-يا ابن آدم تضحك على ظهري وسوف تبكي في بطني.
-يا ابن آدم تفرح على ظهري وسوف تحزن في بطني.
-يا ابن آدم تذنب على ظهري وسوف تعذب في بطني.
-يا ابن آدم تأكل الحرام على ظهري وسوف يأكلك الدود في بطني» «بستان الواعظين: 281».
إن افتراض كلام الأرض ومحاسبتها لابن آدم- وهو لاه عن مصيره الذي ينتهي إلى هذه الأرض، وهو يذنب ويلهو، ويأكل الحرام- تجعله في حذر دائم عند كل كلمة وكل فعل تقترفه جوارحه، خائفًا أن تشهد عليه يوم القيامة بما اقترف عليها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة: 4)، فهي شاهد حي سيشهد يوم القيامة، والعاقل من أخذ أهبته، ووعى كلامها وتحذيرها له قبل القيامة، فلا يعمل عليها إلا الخير لتكون شاهدة بهذا الخير، فلا يفاجأ ولا يعترض عند سماعها، بل يفرح لهذه الشهادة الغالية، بينما الذين غفلوا واقترفوا عليها ما حرمه الله يكونون في ذهول لسماعها وهم يقولون محتجين في ذعر: «ما لها.. ما لها..».
أبو خلاد
درء الحدود ليس تعطيلًا لها
هناك فرق عظيم بين درء الحدود وبين تعطيلها، فالأول من هدي الرسول ﷺ والآخر يقع إما في دائرة الكفر أو الظلم أو الفسق
بقلم: محمد يوسف الجاهوش «*»
الحدود: جمع حد، وهو في الأصل: الشيء الحاجز بين شيئين، وهو في اللغة: بمعنى المنع، وسميت عقوبات المعاصي حدودًا، لأنها في الغالب تمنع العاصي من العودة إلى تلك المعصية «1»، والحد في الشرع عقوبة وجبت حقًا لله تعالى «2».
وقد قرر القرآن الكريم والسنة النبوية عقوبات محددة لجرائم معينة عرفت في الفقه الإسلامي بجرائم الحدود، وهي: الزنى، القذف، السرقة، السكر، المحاربة، الردة، البغي ولكل جريمة من هذه الجرائم عقوبة معلومة الهيئة والكيفية، شرعت بنصوص قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، وأصبحت أحكامها معلومة من الدين بالضرورة، لا مجال فيها لرأي ولا اجتهاد.
وقد أوجب الله تعالى إقامة هذه الحدود، وحذر أشد التحذير من إهمالها وتعطيلها، أو التحايل عليها، كما منع الرسول ﷺ الشفاعة فيها متى وصلت إلى الحاكم فقال: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره «3».
ورد شفاعة أسامة ابن زيد بشأن المخزومية التي سرقت، وقال له: «أتشفع في حد من حدود الله! والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد ﷺ سرقت لقطعت يدها» «4».
ولم يقبل من صفوان بن أمية صفحه عمن سرق رداءه، وقال: «هلا كان قبل أن تأتيني» «5» فالحدود- إذن- لا يملك أحد تعطيلها ولا التنازل عنها، ولا تقبل الشفاعة فيها متى رفع أمرها إلى القضاء.
موقف عمر- رضي الله عنه- في عام الرمادة
مع المسلمات التي ذكرناها- أنفًا- لا يمكننا إلا الاعتراف بأن الخليفة عمر ابن الخطاب- رضي الله- عنه، لم يقطع غلمان حاطب بن أبي بلتعة عندما سرقوا ناقة الرجل المزني في عام الرمادة، وغرم سيدهم ضعفي قيمتها، أفلا يعتبر فعل عمر هذا تعطيلًا لحد من حدود الله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع؟ «6».
ولكي يأتي الجواب سليمًا واضحًا- نفيًا أو إثباتًا - لا بد من التفريق بين أمرين أساسيين في الموضوع:
الأول: تعطيل الحدود.
الثاني: درء الحدود.
والأول: مرفوض قطعًا- كما أسلفنا، والثاني: مقرر شرعًا، ومطلوب ديانة وقضاء.
درء الحدود
فدرء الحدود: التماس وسيلة مشروعة لدفعها عمن ارتكب جريمة ذات حد، ذلك أن الإسلام صان حرمات الإنسان، فلا يحل إضرار إنسان إلا بالحق، ولا يثبت الحق إلا بدليل واضح جلي، لا يتسرب إليه شك ولا تأويل «7».
فمتى وجد شك أو احتمال تأويل سقط الاستدلال، ويتبعه تلقائيًا سقوط العقوبة، حيث لم تعد الجريمة تامة الأركان.
هدى النبي ﷺ في درء الحدود
ومن هدى النبي ﷺ درء الحدود بالشبهات قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار: وقد ورد من الآثار الموقوفة والمرفوعة ما يصلح للاحتجاج على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق شبهة «8».
من ذلك قوله ﷺ: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» «9». وعن الدارقطني عن علي وقد رفعه «ادرءوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود» وقال ﷺ: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» «10».
فهذه أحاديث- مع غيرها- يقوي بعضها بعضًا ويجعلها صالحة للاحتجاج كما ذكر الإمام الشوكاني وغيره.
فما الذي يدرأ به الحد؟
واضح أن الحد إنما يدرأ بالشبهة، وللفقهاء أقوال وآراء في الشبهات، وأقسامها، وما يعتبر منها، وما لا يعتبر.
ولست بصدد معالجة ذلك ولا دراسته وأكتفي منها جميعًا بحالة واحدة هي حالة الضرورة أو الاضطرار.
شبهة الضرورة
من المبادئ الفقهية المسلمة أن: «الضرورات تبيح المحظورات»، وأن: الضرورة تقدر بقدرها.. ولا يعامل المضطر والمكره معاملة أهل السعة والاختيار؟ فهل تبيح الضرورة كل جريمة؟
ما تبيحه الضرورة: لا تبيح الضرورة جرائم القتل والجرح، فليس للمضطر قتل غيره لينجو بنفسه، ولا أن يهلك متاع غيره ليسلم له متاعه، وتبيح الضرورة ما نصت الشريعة على إباحته للمضطر، وهو:
كل ما يختص بالمطاعم والمشارب، فيباح للمضطر أن يتناول من المطعم والمشرب ما يقيم أوده، ويبلغه مصادر الحلال.
وحكم الفعل هنا يدور بين الوجوب والإباحة، والوجوب أرجح «11» قال تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195)
فهذا النوع من الجرائم لا إثم على فاعله، ولا عقوبة ما توافرت فيه شروط الضرورة.
وفيما عدا هذين النوعين، الممنوع، والمباح من الجرائم- فإن المضطر أو المكره إذا أتى الجرائم الأخرى مدفوعًا إلى ارتكابها بالضرورة، فإن العقوبة لا تجب عليه، مع بقاء الفعل محرمًا، وذلك مثل: سرقة الجائع الطعام أو الشراب، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 173)
التكييف الشرعي لموقف عمر- رضي الله عنه
يتضح من هذا العرض الفقهي أن عمر- رضي الله عنه- لم يعطل حدًا وجب تنفيذه، وإنما درء الحد عن السارق بأقوى أنواع الشبهات، وأولاها بالاعتبار «الضرورة» وبين ذلك بقوله: «لا تقطع اليد في عذق- نخلة- ولا عام سنة- أي جدب».
فالجريمة- إذن- لم تكتمل أركانها، إذ إن سارق إنما سرق تحت وطأة الحاجة، وضغط الاضطرار، وقد بينا أثر ذلك سواء في إباحة الفعل- حيث لا جريمة، أم في عدم وجوب الحد، مع بقاء الفعل محرمًا، ورد عين ما أخذ أو قیمته «12».
وفي كلتا الحالتين فإن الحد لم يجب قط، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد- كما ذكره صاحب المغني- ووافقه الأوزاعي، وقال صاحب المغني: وهو مذهب الشافعي «13». قال ابن القيم وهذا- فعل عمر- محض القياس ومقتضى قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة، غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له، إما بالثمن أو مجانًا، على الخلاف في ذلك والصحيح: وجوب بذله مجانًا، لوجوب المواساة وإحياء النفوس، مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، لا سيما وهو مأذون له في مغالبة المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه فدرئ.
نعم، إذا بان أن السارق لا حاجة به، وهو- مستغن عن السرقة قطع «14».
الخلاصة: وهكذا نرى أن سيدنا عمر لم يسقط الحد، وإنما درأه، وفرق عظيم بين الأمرين: فالدرء من هدى سيدنا رسول الله ﷺ ومن قواعد الإسلام.
وتعطيل الحدود: يقع إما في دائرة الكفر، أو الظلم، أو الفسق، كما بين ذلك القرآن الكريم في سورة المائدة: ﴿وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّه...﴾ (المائدة: 47)
ومحاولات ترسيخ مبدأ جواز تعطيل الحدود وإسناد ذلك إلى سيدنا عمر محاولات قديمة مصادرها معلومة، وأهدافها مكشوفة، ولو جاءت من الجهات المشبوهة لما أعرناها كبير اهتمام، لكننا بدأنا نسمعها من الدعاة الذين نحبهم في الله- دون معرفة شخصية- ونثق بدينهم وغيرتهم وحسن دوافعهم، ونقدر مواقفهم وجهدهم، ومجاهدتهم، والغريب أنهم لم يكتفوا بنسبة ذلك لسيدنا عمر، بل اعتبروه من فقه الأولويات.
فليت أحبتنا يتروون ويبذلون مزيدًا من التمحيص، لا سيما في مثل هذه القضايا، حتى لا تعين جهودهم أفكار وجهود الأعداء الذين- نتعبد لله- بمجاهدتهم، وكشف عوارهم، ودحض افتراءاتهم في كل معترك وساح ولكي لا يشوشوا أذهان إخوانهم الذين يثقون بإمكاناتهم، ويحترمون طروحاتهم، إن الأمر- لو حصل التدقيق- من الوضوح بحيث لا يخفى على شادي العلم، فضلًا عن أهل الدراية والاختصاص، فليس عمر بالذي يعطل حدًا من حدود الله، ولا أصحاب رسول الله ﷺ- من حول عمر- بالذين يقرون هذا، ويسكتون عنه.
والذي يقرأ الشبهات الدارئة للقطع في كتب الفقه المذهبي جميعها لا يملك إلا أن ينظر بإجلال واحترام للعقول التي فقهت أهداف الشريعة، وحرصت على سيادة المبادئ العامة للإسلام، وصيانة الأرواح والأجساد، وإن شبهة الضرورة لهي أولى منها جميعًا بالنظر والاعتبار، وهذا ما فعله الفاروق رضي الله عنه .
الهوامش
1- فقه السنة مفردات القرآن.
۲ - رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم.
3- رواه مسلم.
4- رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم.
5- التشريع الجنائي في الإسلام- عبد القادر عودة.
6- وردت القصة كاملة في الموطأ للإمام مالك.
7- التشريع الجنائي- عبد القادر عودة.
8- نيل الأوطار- باب الحدود.
9- رواه الترمذي، والأصح أنه موقوف.
۱۰ - رواه أحمد والحاكم وصححه.
11، 12- التشريع الجنائي- عبد القادر عودة.
13- المغني لابن قدامة ج ص ۲۷۸ -مكتبة الرياض الحديثة.
14- إعلام الموقعين جـ ٣ ص ۲۲- ۲۳ ذكر ذلك د. يوسف القرضاوي في كتابه «عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية» .
«*» كاتب سوري.
كلمة إلى الدعاة
المراعاة والتدرج في ممارسة الدعوة
بقلم: الدكتور علي بادحدح «*»
إن تغيير النفوس ونقلها من ميولها ومألوفها أمر ليس سهلًا، وإن الأعراف التي استقرت في العقول وتواطأ الناس عليها لا تتغير بأمر يصدر أو دعوة توجه، والعادات في السلوكيات التي تجذرت وترسخت لا يتصور اقتلاعها في يوم وليلة، ولذا فلا بد من إدراك حقيقة مهمة للدعاة، وهي أن المراعاة والتدرج لازمان لتغيير وحصول الاستجابة، وكما قيل: «إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع»، وهناك أمور كثيرة يلزم مراعاتها والأخذ بالتدرج فيها، وهذه خلاصة نافعة في هذا الباب:
أولًا: مراعاة الطبائع
إن الناس يختلف بعضهم عن بعض، في علمهم وطبائعهم الشخصية وعوائدهم الاجتماعية، وكل ذلك يحتاج الداعية لمراعاته، وبالنسبة لطبائع الأشخاص فإن المدعوين على ثلاثة أنواع:
1- فمنهم الراغب في الخير ولكنه غافل قليل البصيرة، فيحتاج إلى دعوته بالحكمة.
2- ومنهم المعرض عن الحق المشتغل بغيره، فمثل هذا يحتاج إلى الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتنبيه على ما في التمسك بالحق من المصالح العاجلة والآجلة، وعلى ما في خلافه من الشقاء والفساد.
3- الطبقة الثالثة من الناس من له شبهة قد حالت بينه وبين فهم الحق والانقياد له، فهذا يحتاج إلى مناقشة وجدال بالتي هي أحسن حتى يفهم الحق وتنزاح عنه الشبهة «فتاوی ابن باز 2/ 241».
ومن الناس من طبعه الحدة وسرعة الانفعال، ومنهم من يميل إلى السكينة وطول البال، وكل له مدخل وأسلوب يناسبه، ومراعاة ذلك مهمة في نجاح الداعية.
ثانيا: مراعاة الأفهام
تفاوت الأفهام أمر معروف، وله أسبابه من قلة العلم أو اختلاف البيئة، أو استحكام العوائد ونحو ذلك، قال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ﴾ (الأعلى: 9)، أي «ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله»، ولذلك قال النبي ﷺ: «يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم- قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس وباب يخرجون» وقال ابن حجر في الفتح: «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في منكر أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرمًا» وروي مسلم عن ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»، ولذا ينبغي للداعية مراعاة ذلك وعدم مخالفته لا سيما بالنسبة للعوام، ومن تقصر بهم الأفهام.
وقد عد الشاطبي في الاعتصام هذا التجاوز ضربًا من الابتداع فقال: «ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها، وسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها- وهو الغالب- وهي فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، والعمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئًا وهو أسلم»، وهذه كلمات للشاطبي أضعها أمام عين كل داعية، وأهتف بها في سمعه ليعلم أنه: «ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره إن كان من علم الشريعة ومما يفيد علمًا بالأحكام، بل ذلك ينقسم: فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص»، وأزيد الأمر وضوحًا بذكر القاعدة الضابطة الرائعة التي ذكرها الشاطبي وأرشد إليها مخاطبًا كل عالم وداعية، حيث أوصاه أن يعرض مسألته على الشريعة فقال: «فإن صحت في ميزانها فانظر في مالها بالنسبة إلى حال الزمن وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تتقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على المصلحة الشرعية والعقلية».
ثالثا: مراعاة المقاصد والنيات
قد يتفق اثنان في عمل ما ومع ذلك يختلف الحكم عليهما باختلاف النوايا، فهناك من يفعل الفعل ناسيًا، أو جاهلًا بحرمته، أو متأولاً فيه، أو مكرهًا عليه، ولكل حكمه، ومنهم من يفعل الإثم قاصدًا عالمًا بالحرمة، لكنه مغلوب بضعف عزمه، ووسوسة شيطانه فلا يلبث أن يندم ويتوب ويستغفر، ومنهم قاصد مصر، وآخر محاد الله ورسوله وهكذا، ونحن نعلم أن النوايا مخفية في طوايا القلوب، ولكن بعض القرائن والأحوال تدل عليها، وقد تصرح بها الألسنة فتعرف بوضوح وفي المسائل الفقهية ما يوضح هذا المعنى لا سيما في أحكام الطلاق والإيمان والنذور، إذ يسأل أصحابها عن مقاصدهم وما نووا بكلامهم، ويعول في الحكم على نواياهم ويوكل أصحابها في صدقهم إلى تدينهم لله، وما يعرف عنهم من قرائن وأحوال ولنا الظواهر، ومراعاة مثل هذا من الأمور التي لا ينبغي إهمالها كما قال ابن القيم: «إياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه».
ومن أبرز الأمثلة على اعتبار النيات حديث التائب الذي قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدة الفرح فلم يؤاخذ بذلك، ومثله حديث مسلم في قصة الرجل الذي أوصى أن يحرق ويذر رماده في البر والبحر خشية من عذاب الله، فغفر الله له لهذا المقصد الذي استولى على قلبه.
رابعًا: مراعاة الأحوال الخاصة
سئل النبي ﷺ الوصية والنصيحة من بعض أصحابه فقال لأحدهم: «لا تغضب»، وقال لآخر: «قل آمنت بالله ثم استقم» وقال للثالث: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»، وما ذلك الاختلاف في الجواب إلا مراعاة منه ﷺ للأحوال الخاصة بالسائلين، إذ كان يعلم حاجة كل واحد منهم والجانب القاصر عنده، والأمر اللائق به فأوصى كل واحد بما يناسبه، وجاء شاب إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: أقبل وأنا صائم، فقال: نعم، فنظر الصحابة بعضهم إلى بعض «أي متعجبين من اختلاف الفتوى» فقال ﷺ: «قد علمت نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه»، وهذا واضح الدلالة في التفريق بين حال الشيخ وحال الشاب ومراعاة ذلك في الفتوى والمعاملة والتوجيه.
خامسًا: مراعاة الأعراف والعوائد العامة
إن كل بلد لها أعرافها، وكل بيئة لها عوائدها ومراعاة ذلك بالضوابط الشرعية من ضروب الحكمة وموافقة جوهر الشريعة، وقد امتن الله على البشر بإرسال الرسل، وخص بالمنة كون الرسل من البشر، وامتن على الأقوام بأن جعل الرسل منهم، ينطقون بألسنتهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: 4)
فهذا من لطفه تعالى بخلقه أن يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به، ولذا ينبغي للداعية التنبه لذلك، والحرص على معرفة الأعراف والعوائد في البيئة التي يدعو إليها لتكون دعوته مؤثرة في النفوس، مقنعة للعقول، محببة للقلوب، مناسبة للظروف، قابلة للتطبيق، فإذا جاء في بيئة يغلب عليها الفقر، ويشيع فيها الكسل، فإن المطالبة بالزهد في الدنيا، والترفع عن شهواتها غير مناسب للبيئة وأحوال الناس، وإذا دعا قومًا فاضت الأموال في أيديهم وشغلت الدنيا أوقاتهم، فالحديث عن ضرورة التمتع بالمباح من الدنيا، والحث على ذلك غير ملائم كذلك، كما لا ينبغي في أن يطول الحديث في الإنكار على أمور لا وجود لها في بيئة الدعوة، إذ لا نفع في ذلك، بل ربما ترتب عليه ضرر من حصول تشويش واضطراب، أو حصل تطلع وافتتان بتلك الأمور، قال ابن القيم في إعلام الموقعين منبهًا على هذا الموضوع: «ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وافته به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك»، ثم بين أثر ذلك وضرره فقال: «ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طيب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في الكتب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم» وضرب ابن تيمية لذلك مثالًا عمليًا فقال: «ولو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم «أي الكفار» في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة» .
جرائم اليهود عبر التاريخ
كانت التعبئة النفسية والإيمان بالله والصلة العامرة بين الخالق وخلقه هي الخطوة الأولى في طريق كل نصر عبر المسيرة البشرية من لدن آدم عليه السلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
إن جمال الخديعة، وعمى الألوان، وتفرق السبل، وفراغ القلوب من الإيمان بالله لا يمكن أن يحقق خطوة واحدة إلى الأمام، والأحداث شاهدة على ذلك.
أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم، أخرجوا الغزو الفكري والاستعمار بكل ألوانه السافرة والمقنعة من قلوبكم يخرج من أرضكم، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
إننا في حاجة إلى التحرر الوجداني، التحرر من كل ألوان العبودية حتى تصفو عبوديتنا لله الواحد القهار، وهذا التحرر الوجداني: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).
هذا هو الطريق والطريق الذي لا بديل له والذي يمكن أن نحفظ به بقية مقدساتنا من أن تمتد إليها يد المفسدين في الأرض.
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ﴾ (الأنعام: 153)
إن شراهة اليهود لا تقف عند حد: إن حقد اليهود قديمًا وحديثًا على العرب والمسلمين، بل على الإنسانية جميعًا أمر معروف يتواصون به في ديانتهم التي صنعوها بأيديهم ليحققوا من ورائها أطماعهم السياسية والعنصرية.
جاء في التلمود: إن الله لا يغفر ذنبًا ليهودي يرد للأممي ماله المفقود: وغير مصرح لليهودي أن يقرض الأجنبي إلا بالربا.. ويقولون كذلك: اقتل الصالح من غير الإسرائيليين ومحرم على اليهودي أن ينجي أحدًا من باقي الأمم من هلاك، أو يخرجه من حفرة يقع فيها.
ولهذا السبب لا يتورع اليهود في قتل الأفراد والجماعات، وقد اعترف اليهود في كتابهم المسمى «سدمارون» أن الحاخامات تسببوا في روما في قتل جملة من النصارى.
إن الإمبراطور «مارك أوريل»، قتل جميع النصارى بناء على إيعاز من اليهود، وفي سنة 214 بعد المسيح قتل اليهود مائتي ألف مسيحي في روما وكل نصارى قبرص.
وفي زمن البابا «كليمان»، قتل اليهود في روما وخارجها من النصارى عددًا كرمال البحر.
ومن شعاراتهم: اهدم كل قائم.. لوث كل طاهر.. احرق كل أخضر كي تنفع يهوديًا.. اقتلوا من في المدن من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم بحد السيف.
اقتل أفضل من قدرت عليه من غير اليهود.. العن رؤساء الأديان سوى اليهود ثلاث مرات كل يوم.
وقد علمت اليهود كتبهم الدينية كيف يدعون بهذا الدعاء الغريب: يا إله إسرائيل كما أعنتني على إلحاق الأذى بالحيوانات الناطقة في العام الماضي أكمل علي نعمتك والحق بيدي الأذى بتلك الحيوانات في العام الآتي: هذا قليل من كثير من السموم التي تجري في دمائهم، ولكن المنهج الذي وضعه القرآن الكريم وسار عليه نبينا محمد ﷺ والذين من بعده كان السلاح الوحيد الذي رد كيدهم إلى نحورهم.
يقول القرآن الكريم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة:82)
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
(آل عمران: 71)
﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72)
ولكن محمدًا ﷺ عرف اللغة الوحيدة التي فهمها هؤلاء، يحدثنا التاريخ أنه عندما بلغ الحصار ذروته قام زعماء بني قريظة بعدة محاولات للحصول على ضمان من النبي ﷺ يحقن لهم دمائهم ثم يخرجون من يثرب إلى غير رجعة.
غير أن النبي ﷺ رفض هذا العرض رفضًا باتًا، وتكررت المحاولات وتكرر الرفض ويئس بنو قريظة من الاستنجاد ببقية اليهود من بني خيبر وبني النضير، ومع شدة الحصار وشدة الفزع والانهيار الذي عم حملة السلام من اليهود فقد ظلوا يماطلون في التسليم في انتظار خارقة تدخل لإنقاذهم ولكن هيهات.
وعندما تحركت قطاعات الجيش الإسلامي وتأهبت للهجوم العام واقتحام الحصون سارع اليهود إلى طلب إيقاف الهجوم وأعلنوا الاستسلام والنزول على حكم الرسول ﷺ دونما قيد أو شرط.
هكذا كانت نهاية اليهود في يثرب بعد أن عاشوا زمنًا طويلاً همهم الإيقاع بين قبائل العرب وتحريض الأحزاب على المؤمنين.. وسجل القرآن الكريم هذه الحادثة في أبلغ بيان فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2).
ولقد سار صلاح الدين على نفس المنهج عندما جمع شمل المسلمين، وحرر الأقصى بعد أن زاد عدد الشهداء على سبعين ألفًا في الوقت الذي سبحت الخيول في الدماء إلى سروجها، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا .
محمد أبو سيدو
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل