العنوان تغيرت الأرض ومن عليها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
مشاهدات 85
نشر في العدد 498
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-سبتمبر-1980
تأملات تاريخية
عام الرمادة هو فترة تاريخية، مرت بالمسلمين في الجزيرة العربية بعد (18) سنة من الهجرة النبوية، وفي عهد الخليفة العادل عمر بن الخطاب، وحصلت فيها أزمة تموين ومجاعة شديدة، دامت تسعة أشهر، كانت فيها الريح تهب محملة بالتراب «الطوز» الأسود حتى صارت الأرض سوداء مثل الرماد، ولشدة المجاعة ارتفعت نسبة الوفيات، وهلك الناس فسُميت هذه الفترة عام الرمادة؛ أي عام الهلكة، كان حاكم الدولة الإسلامية عمر أكثر الناس جوعًا، وأقلهم لباسًا ومسكنة، أكثر بؤسًا من مساكين المسلمين، فأرسل عمر إلى عمرو بن العاص حاكم مصر برقية يطلب منه المعونات المادية والغذائية هذا نصها:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، سلام عليك، أما بعد، أفتراني هالكًا، ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟ فياغوثاه! يا غوثاه! يا غوثاه!».
فأجاب عمرو بن العاص ببرقيته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، أتاك الغوث، فلبث لبث، لأبعثن إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي، مع أني أجد سبيلًا أن أحمل في البحر».
هكذا أنقذت مصر مجاعة بلاد النفط، وأنقذت شعب الجزيرة من الهلاك.
أعوام الرمادة اليوم هي الفترة التي تحياها مصر بعد ثورة (23) يوليو؛ حيث الأزمات المستمرة، أزمات تموينية تبدأ بالزيت، وتنتهي بالكبريت، والشعب يتحمل لا يشتعل إلا قليلًا، الإنسان المصري ينظم حياته الأسرية هذه الأيام على أساس تمويني فأحد الأبناء يستيقظ فجرًا حتى يقف في طابور الجمعية ليحصل على فرخة، والأم تتولى فترة الضحى لتقف بطابور السكر، ثم تقف بقية الأسرة في بقية اليوم في طوابير الزيت واللحمة، والسمك، وغيرها.
وفي هذه الأيام، حيث متوسط راتب الموظف المصري ثلاثين جنيهًا؛ أصبح كيلو اللحم يبدأ بجنيهين ونصف، وينتهي بثلاثة، بل قررت الحكومة منع بيع اللحوم لمدة شهر من أجل حل الأزمة، لتعلن بعد انقضاء هذه المدة أن كيلو اللحم يبدأ بجنيهين وأربعين قرشًا، أما ثمن البيضة الواحدة فهو سبعة قروش، فالأسرة المكونة من خمسة أفراد تفطر على الأقل بنصف جنيه بيض، أما طبق الفول فأصبح سعره خمسة عشر قرشًا بعد أن كان بأقل من خمسة قروش، والسمك صارت أسعاره أعلى من اللحم بكثير؛ إنها أعوام رمادية يحياها الشعب المصري، ولكن بأسلوب القرن العشرين، والجزيرة العربية لم ترد الجميل لإنقاذ مصر من مجاعتها، والسبب حاكم مصر الحالي الذي يملك في كل بقعة من مصر قصرًا، ويحرص أن تكتب عنه جرائد العالم أنه أشيك رئيس دولة، هذا الحاكم لم يمد يده للجزيرة؛ إنه يمدها لليهود والنصارى، فضلًا على أن كل آلام الشعب المصري لا تحرك ساكنًا في قلبه.
والسبب الآخر أن الجزيرة تبعثر أموالها في ملاهي لندن، وباريس، وأمريكا، الأرض واحدة، ولكن الوجوه كلها تغيرت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل