العنوان المجتمع التربوي: المجتمع (1318)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
مشاهدات 96
نشر في العدد 1318
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
الداعية الياباني مصطفى كمورا
نذر حياته لخدمة المسلمين في اليابان والبلدان المجاورة.. وألَّف أول مرجع عن تاريخ الإسلام في اليابان ينتظر أن يرى ألنور.
من أفذاذ الدعاة في بلدانهم المسلم الياباني: الحاج مصطفى كمورا، الذي وافاه الأجل في يوم السبت التاسع من شهر ربيع الآخر لهذا العام ١٤١٩هـ ١٩٩٨/٨/١م، لم أعلم بوفاته إلا في سطور سجلت في مجلة المجتمع العدد ١٣١٣.
عرفت بعد ذلك أن هذه السطور التي نشرتها المجتمع، هي المعلومات المختصرة التي بعث بها الأخ الدكتور صالح بن مهدي السامرائي - رئيس المركز الإسلامي في اليابان.
وحيث إني قد حظيت بلقاء الداعية المسلم مصطفى كمورا، عند زيارتي الثانية لليابان، وأخذت منه بعض المعلومات التي تفضل بترجمتها الفورية الدكتور صالح السامرائي، فإني أرى من الوفاء له أن أنشرها ليطلع المهتمون بالدعوة إلى الله على جهود بعض الدعاة المغمورين في العالم الإسلامي.
وهذا هو مضمون المقابلة التي تمت معه رحمه الله.
مولده ونشأته ودراسته:
ولد الحاج مصطفى كمورا سنة ١٩١٢م، في مدينة كويوتو «عاصمة اليابان القديمة»، وكان مع أبيه في كوريا، عندما كان عمره خمس سنين، ثم التقى أحمد أريجا. ويرى أنه أول مسلم ياباني - وتعرف منه على الإسلام وأسلم على يديه، كما تعرف والد الحاج مصطفى علي أحمد أريجا، وفهم الإسلام وأسلم أيضاً وتسمى بعمر.
ذهب الحاج مصطفى إلى منشوريا «شمال شرق الصين»، قبل خمسين سنة، وكانت المساجد في الصين كثيرة، وزار بعض أئمتها، واستمع إليهم، ومكث في منشوريا ثلاث سنين، ثم ذهب إلى منغوليا الداخلية «الصين» ليساعد حركة استقلال تركستان الشرقية «وهي التي تسوم الحكومة الصينية أهلها أقسى أنواع العذاب».
وكان المسلمون الأتراك «الويغور» يحاربون الروس والصين، لكنهم انكسروا فعبروا جبال الهيملايا إلى الهند، ووصل بعضهم إلى شنغهاي بالصين، وتلقفهم اليابانيون، فدربوهم وكونوا منهم عناصر للمقاومة، وكانت اليابان ترفع شعار اسيا الكبرى، لعمل اتحاد أسيوي كبير، وكانت وقتها ذات قوة عسكرية عظمى، وكان الحاج مصطفى ضمن من استقبل هؤلاء المسلمين، وذهبوا إلى غرب الصين لمحاربة الصينيين، ولكن المؤسف أن هذا التخطيط فشل بعد إلقاء القنبلة الذرية الأمريكية على هيروشيما، فاندحرت اليابان، ولم تتحقق آمال مسلمي اليويغور في الاستقلال.
وقال الحاج مصطفى: وقبض الشيوعيون على بعض المسلمين، وعددهم ستة وعشرون وقتلوهم، وقد انسحبنا من منغوليا الداخلية، أنا وعمر ميتا، وسودا، ورجعنا إلى اليابان، وفي العشر السنين التي تلت ذلك، عاش اليابانيون في ضيق شديد، ولم يكن لديهم قوت، وأكل الناس أوراق الشجر وغيرها، ولم يكن هناك ملابس ولا غيرها من الحاجات الضرورية، وبذلك لم تكن هناك دعوة إلى الإسلام، لأن الناس مهتمون بالطعام وغيره مما يحتاجون، ثم بدأ الناس يتنفسون الصعداء، وأسست أول جمعية إسلامية سنة ١٩٥٣م، وبدأنا نفكر في الإسلام والدعوة إليه.
رحلاته ونشاطه في الدعوة:
عزم الحاج مصطفى على العمل في منطقة كويوتو، في غرب اليابان، التي ولد بها، فكون جمعية، سميت بجمعية الصداقة الإسلامية اليابانية، لجمع الناس، وبدأت بذلك صحوة، وكانت جماعة التبليغ تعمل في اليابان، ولكنهم رجعوا إلى باكستان سنة ١٩٦٠م، ويقول الحاج مصطفى: ذهبت معهم إلى لاهور، وملتان، وبشاور. وبعد أن رجعت من باكستان ذهبت إلى السعودية مع عمر ميتا سنة ١٩٦٤م، وفي مكة المكرمة، ترجم عمر ميتا معاني القرآن الكريم بإشراف رابطة العالم الإسلامي، وكنت معه أساعده في ذلك، والذي حدث أن المهندس عبد الرشيد أرشد وهو من كبار جماعة التبليغ، جاء إلى اليابان سنة ١٩٥٩م، واهتدى على يده خيرة الناس في اليابان، فلما سمع أن عمر ميتا بدأ في ترجمة معاني القرآن الكريم للغة اليابانية، أراد أن تتم الترجمة تحت إشرافه وبمساعدته، وكان يحفظ القرآن الكريم، فتكلم في ذلك مع الشيخ محمد سرور الصبان واستدعت الرابطة عمر ميتا، لعمل ذلك في سنة ١٩٦٢م، وبعد أن قضى عمر ميتا مدة في مكة استدعاني عن طريق الرابطة لمساعدته. (١)
ورجعنا من مكة بعد أن انتهت مسودة الترجمة، وفي اليابان تم ترتيبها وتنقيحها، وطبعت أول طبعة لها في سنة ١٩٧٢م، وساعد الملك فيصل -رحمه الله- بمبالغ. مازالت إلى الآن تنفق على طباعة الترجمة كلما نفدت طبعتها.
ثم بدأت مرحلة النشاط، فاتصلنا أنا وعمر ميتا بالدكتور صالح السامرائي سنة ١٩٦٦م، وبدأت الدعوة في اليابان، وكنا نقضي الليالي والأيام في جنوب اليابان نحاول نشر الإسلام بين الناس، وهم يطردوننا مثل الكلاب، حتى استطعنا أن ندخل جامعات اليابان بسبب النظام العلماني، وبدأ العمل باسم التبليغ ولم يكن هناك مركز ولا مساعدات، وكان كل واحد ينفق على نفسه من كيسه.
إسهامه في إنشاء المركز الإسلامي في اليابان:
وبعد حرب البترول (٢) بدأ الناس يتساءلون عن الإسلام، وتذاكرنا مع د. صالح السامرائي، واتفقنا على إنشاء قاعدة تدعم العمل للإسلام، وانبثق عن ذلك فكرة إنشاء المركز الإسلامي، وفي سنة ١٩٧٥م، فتح مقر المركز في غرفتين متجاورتين، ودعونا إلى المركز عمر ميتا وخالد كيبا، وأنشأت مسجدًا صغيرًا في أوساكا مع مشاركتي في العمل في طوكيو.
أول كتاب ألف عن الإسلام في اليابان ومكثت ثماني سنوات أكتب عن تاريخ اليابان، فيما يتعلق بالإسلام، وكان معي اثنان يساعدانني، وهو جاهز للطبع، وهذا أول كتاب يكتب عن تاريخ الإسلام في اليابان من مسلم ياباني، ولم يكتب أحد مثله، ولا يستطيع أحد أن يكتب مثله - هكذا قال، ثم ابتسم (٣) - والكتاب مكون من ستة أجزاء، وهو باللغة اليابانية.
ويتذكر الحاج مصطفى: إن كباشي -أحد المسلمين اليابانيين- ذهب إلى الأزهر قبل خمسين سنة، ودرس هناك، وذهب إلى إندونيسيا، عندما استعمرها الأوروبيون، أصيب في حادث طائرة هناك واستشهد.
وقال الحاج مصطفى: إنني أشعر بالألم، لأن المسلمين اليابانيين الآن أسماؤهم إسلامية، ولكن بعضهم لا يحمل غير الاسم، بخلاف جيلنا قبل الحرب العالمية الثانية، كان عددنا قليلاً، ولكن كان عند هذا الجيل همة ونشاط، وكان هدفنا الإسلام لا الماديات، وإن من المؤسف أن الشباب المسلمين اليابانيين الذين يذهبون إلى بلدان المسلمين لدراسة اللغة العربية والدين الإسلامي، كثير منهم يحمل العربية كتابة وتحدثًا، ولكن لا نرى منهم من يضحي في سبيل الإسلام، وأعتقد أن الإخلاص في العمل ومراقبة الله هي أهم الصفات للداعية، ولا بأس أن يتعلم الياباني اللغة العربية، ويعمل في شركة، ولكن لابد من أن يخصص شيئًا من وقته للدعوة إلى الإسلام.
وقد تجشم الحاج مصطفى كمورا عناء الأسفار متنقلًا من مدينة إلى أخرى، مع كبر سنه، وقلة ذات يده، ليتمكن من الاجتماع بنا كلما أتيحت له الفرصة، وذلك لأمرين:
الأمر الأول: معرفته حرصنا على أخذ ما أمكننا من المعلومات عن الإسلام والمسلمين في اليابان.
الأمر الثاني: حرصه على حث الزائرين من البلدان الإسلامية على الاهتمام بالمسلمين في اليابان.
لذلك، ما كنا نصل إلى مدينة من مدن اليابان، إلا وجدناه فيها، إما أن يكون سبقنا، وإما أن يكون وصل بعدنا بيوم أو ساعات، وجدناه في توكوشيما، وفي هيروشيما، وفي كوبي، وفي أوساكا.
مؤامرة بوذية:
والبوذيون يتحركون ضد الإسلام، ومنهم قسم يسمى «سوكاجاكّاي» أي السلام العالمي، وزعيمه يسمى إيكيدا -اسم لبحيرة في الأصل- وهو مقيم في طوكيو، وأتباعه في طوكيو عشرة ملايين، وله أتباع كثير في العالم، ما عدا العالم العربي، فليس له فيه أتباع، ولذلك فهم يحقدون على الإسلام والمسلمين، وقد خططوا للقيام بعمل ضد الإسلام في أوساكا، فقد كان الحاج مصطفى كمورا في حاجة إلى مال لإقامة مركز إسلامي، فتسلل شخص من البوذيين باسم الإسلام، وعرض على الحاج مصطفى مبلغ عشرة ملايين ين، فأخذها منه، وأقيم مركز إسلامي كبير في وسط مدينة أوساكا، وتم تجهيزه، وبعد ذلك بسنة أرادوا استرداد المال، وقد نفد، فصاروا يهددون الحاج مصطفى كمورا بالقتل، فاضطر إلى الاختفاء وأغلق المركز، وأصيب المسلمون بخيبة أمل.
مسجد كوبي:
وعن مسجد مدينة كوبي، يقول الحاج مصطفى: إن هذا المسجد أنشئ سنة ١٩٣٥م، وكان قد جاء إلى المدينة مسلمون من الهند وبريطانيا، وعددهم تسعون، وكلهم من أصل هندي، ثم جاء بعض الأتراك وعددهم مائة وثلاثون شخصًا تقريبًا، وكان أكثر الهنود تجاراً، وعندما زاد عدد المسلمين، فكروا في مقر يقيمون فيه شعائر دينهم، فعزموا على إنشاء المسجد، وقد أدار شؤون المسلمين في ذلك الوقت الأخ فيروز الدين.
وكانت قيمة أرض المسجد كلها، التي أقيم عليها المسجد والتي تحيط به واحداً وعشرين ألف ين ياباني، وبدأ تعمير المسجد على شكل يشابه «تاج محل» في الهند، أما القنديل الوحيد المعلق في وسط المسجد فهو من تركيا. وعندما افتتح المسجد حضر بعض المصريين، وبعض المسلمين من الصين وإندونيسيا، وكثير من البلدان الإسلامية، حفل افتتاحه.. وهذا هو أول مسجد يبنى في اليابان، وقبله بأربع سنوات كان الأتراك قد بنوا محلاً صغيراً للاجتماع وللصلاة في مدينة ناجويا، بين مدينة كوبي وطوكيو، وفي خلال الحرب العالمية الثانية، هدمت كل المباني حول هذا المسجد، ولكنه سلمه الله، ولما لم يكن للأتراك خلال الحرب مساكن، فقد سكنوا فيه سنتين. (٤)
واشترى الأتراك الأرض المجاورة للمسجد، وبنوا فيها مدرسة دينية للأطفال، وأكثر الأتراك رجعوا إلى تركيا، وذهب بعضهم إلى أمريكا، ولم يتبق منهم هنا إلا أسرة واحدة، وكان أبوهم إماماً، وقد توفي بعد أن أم الناس في المسجد عشرين عاماً، واسمه حسين كلكي، كما رجع الهنود إلى بلادهم، وبعضهم توفي هنا، والمسلمون المقيمون في كوبي عشر أسر تقريبًا.
وأسأل الله تعالى، أن يكون الحاج مصطفی كمورا قد فارق الدنيا على طاعة الله ورضاه، وأن يكون قد أحسن الله خاتمته.
ولعل مما يبشر بحسن خاتمته، ما ذكره الدكتور صالح السامرائي في آخر نعيه له حيث قال: «فقد لازمه حب القرآن الكريم، إلى آخر لحظة من حياته، حيث كان يضع التسجيلات القرانية بجانبه، وفي أذنه سماعة المسجل التي لم تفارقه».
د. عبد الله قادري الأهدل - المدينة المنورة
الهوامش:
١- يقول الدكتور صالح السامراني: في سنة ١٩٦٤م، ذهب عمر ميتا، وأرشد، ومصطفى إلى المدينة المنورة، وعند رجوعهم منها إلى مكة، أحرموا بالعمرة، ورأوا رجلين باكستانيين في الطريق، وكان أرشد يقود السيارة، فأراد أحد الباكستانيين أن يساعده في القيادة، وقد انقلبت بهم السيارة. ومات عبد الرشيد، وانكسرت ترقوة عمر ميتا، وجرح مصطفى، وأدخلوا المستشفى في مكة.
٢- يقصد حرب ١٩٧٣م، وما صاحبها من أزمة بترولية تسامع بها العالم.
٣- وقال الدكتور صالح: إن هذه ابتسامة أسف، لتعبه، وعدم مساعدته في الطيع، والياباني يبتسم في أحرج الظروف على قول الشاعر:
لا تحسين رقصتي في الهوا طربًا
فالطير يرقص مذبوحًا من الألم
وقال الدكتور صالح: لقد فتشت عن وثائق في جامعة واسيدا، ووجدت أربعة صناديق مملوءة بوثائق باللغة اليابانية عن المسلمين في اليابان، وقد اختار الحاج مصطفى منها ما يخصه في كتابه.
٤- كنت أتساءل عن مصير هذا المسجد عندما دمر زلزال خطير هذه المنطقة في فجر ١٤١٥/٨/١٦ ه الموافق ١٩٩٥/١١/١٧م، وجاء الجواب في جريدة المسلمون على لسان يصالح السامواني: مسجد ياباني يقف في وجه الزلزال.
وقفة تربوية: زخارف الدنيا
يقول الإمام الحافظ أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني:
«صرت إلى مالك، فرأيت ثم من الحجَّاب والفرش شيئاً عجيباً، فقلت: ليس ذا من أخلاق العلماء، فمضيت وتركته، ثم ندمت بعد» سير أعلام النبلاء 10/324.
مظاهر الدنيا عندما يضعها الربانيون لا تؤثر فيهم، بل يتسامون عليها، وغيرهم يصير لها عبداً، ومن الخطأ النظر للجميع بمنظار واحد، هذا ما وقع فيه أبو اليمان عندما قرن عبيد الدنيا بالإمام مالك، فخسر أخذه للعلم منه، ولم يفطن إلا بعد وفاة الإمام مالك، حيث ندم على ظنه القديم.. والفقر والغنى ومظاهره قضية نسبية، فقد يكون بعض الفقراء أو الزهاد في مجتمع أغنياء في مجتمعات أخرى، ومن يملك سيارة هي في بعض المجتمعات ضرورة حياتية، ومع ذلك قد يصنف من الأغنياء في مجتمعات أخرى، والأصل في ذلك هو النظر إلى سلوك من يملك هذه الزخارف، هل صار عبداً لها، وغيرت من سلوكه وإيمانه، وتعلقه بالآخرة، أم أنه وضعها في يده ولم يدخلها في قلبه؟
أبو خلَّاد
نحو تطبيق إسلامي معاصر لوظيفة الحسبة
عودة المحتسب إلى وظيفته المزدوجة كعالم ومصلح تجدد الفعالية في وظيفة أساسية من الوظائف الإسلامية القيادية
بقلم: محمد عودة سلمان (*)
بدأ مصطلح الحسبة يشق طريقه مرة أخرى في حياتنا المعاصرة، بعد أن توقف عدة قرون، والحسبة في مضمونها العام، أمر بمعروف ونهي عن منكر، وقد نستطيع أن نبدأ بالجانب الثاني فنقدم النهي عن المنكر على أساس القاعدة الأصولية القائلة: «إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، وعلى أي حال، فإن عودة وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر عظيم يصلح كمؤشر لاستئناف دورنا الحضاري في التاريخ، فهذه وظيفتنا ومناط خيريتنا كأمة كل أفرادها مكلفون بالحسبة فضلاً عن أن تكون هناك صفوة مختارة لأداء هذه المهمة.
وقد أجمع الفقهاء على ضرورة تحقيق بعض الشروط في تلك الصفوة المختارة لوظيفة الحسبة، من أهمها: العلم بالشريعة والفقه بها، والحزم في تنفيذ أحكامها على المخالفين حزماً لا تضيع معه الفائدة الإصلاحية العامة، والعفة عما بأيدي الناس من الأموال، والتورع عن الهدايا - ولاسيما الهدايا المشبوهة - والرشاوى الصريحة وغير الصريحة.
سلوك المحتسب:
أما أهم الشروط -في رأينا- فهو سلوك المحتسب ومظهره، فظهور هذا المحتسب بمظهر المصلح الاجتماعي والأخلاقي وليس رجل الشرطة، وظهوره بمظهر الطبيب، وليس المحارب، وابتعاده عن القسوة إلا عند الضرورة الموجبة لها، وثقافته الإسلامية الرفيعة، فضلاً عن حسن هندامه ووضوح نظافته الخارجية والداخلية، وطلاقة وجهه، ولين أخلاقه، هذا السلوك... وهذه الصورة الطيبة، من شأنهما أن يسهلا للمحتسب أداء مهمته، ومن شأنهما كذلك أن يجعلاه طبيبًا، وأخصائيًا اجتماعيًا، ومرشدًا إسلاميًا، أكثر من كونه قاضيًا أو شرطيًا -كما شاع عنه في كثير من أدوار حضارتنا- حتى انفصل نفسيًا ووجدانيًا وعمليًا عن المجتمع، وهرب منه وتحايل عليه المنحرفون والمخطئون.
لكن الأمر الجدير بالمناقشة هنا هو: كيف يتحقق أداء هذه الوظيفة على النحو الملائم للغة العصر مع احترام كل هذه الشروط؟
إن المفهوم الذي شاع مفهوم يدور في إطار نظري بحت، مفهوم يعتمد على تكلف الأقوال المتشابهة، والمواعظ المؤكدة الدائرة بين الترغيب والترهيب، والأثر الفردي والاجتماعي والأخروي، وما إلى ذلك من مفاهيم تنتمي إلى منهج لا غبار عليه إذا هو اعتمد على أرض الواقع، وسار متكئًا على معاناة للمشكلات الحية التي يراد علاجها، سواء بالحث على المعروف أو النهي عن المنكر، ونحن لا ننكر أبداً دور الكلمة الواعية المخلصة الذكية، أما أن يظل علاجنا للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية محصورًا في إطار الكلمة لا يتعداها، فذلك أمر لن يصل بنا إلى شيء.
فإذا فسد بعض الشباب واتجهوا إلى محاولات الاعتداء على الفتيات، فإن الحل -في رأينا- ليس الكلام، مهما كانت قيمة هذا الكلام، وإذا اتجه مئات الآلاف من الشباب إلى الكرة على حساب أساسيات أخرى، وبطريقة لا تناسب حجم الكرة في نشاطات الحياة، فليس العلاج في إنكار هذا المنكر بالكلام.
وإذا ظهرت الفتيات متبرجات فليس العلاج بالكلام.
وإذا انتشرت الأغاني المائعة والتمثيليات الخليعة، فليس العلاج برفضها وتقبيحها ولعن القائمين عليها وحسب، فهذا العلاج الكلامي لن يؤدي إلى النتيجة الصحيحة.
وإذا انتشرت البنوك الربوية، فليس العلاج بتقبيحها، لأن الناس قد يضطرون للتعامل معها بطريقة أو أخرى ... وهكذا عشرات المشكلات الأخرى.
إن الحسبة في رأينا أن تكون دعوة بالبدائل، وإننا لنفهم ذلك من قول الرسول ﷺ: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي.
والغريب أن هذا الحديث الشريف قد ظلمه بعض المسلمين من جانبين:
- جانب فهمهم للتغيير باليد، فهم يظنون أن المنع يكون باليد أي بمعنى الضرب أو الزجر أو الحبس مع أننا نرى أن هذا علاج مؤقت.
- وجانب تغليبهم للتغيير باللسان مع أنه في الدرجة الثانية، حتى أصبح هذا التغيير باللسان هو المسيطر على وظيفة النهي عن المنكر، وقد وقعوا في هذا، نتيجة تقصيرهم في فهم التغيير باليد وحصره في دائرة المنع بالضرب والزجر.
إن التغيير باليد، بمعنى الزجر والحبس هو تغيير يتفق وأساليب «الشرطة» وهو واجب عندما يرتكب حداً، يوجب هذا اللون من التقدير، لكن أكثر المنكرات قد لا تدخل في هذه الحدود الظاهرة، فضلاً عن أن المقصود من وظيفة الحسبة في الدرجة الأولى هو درء المفاسد قبل وقوعها... وبالتالي فالتغيير باليد الذي يجب أن يمارسه الفقهاء والمصلحون والدعاة هو تغيير من نوع آخر، تغيير يتفق وأساليب المصلحين التي يجب أن تتميز بمخاطبة الفطرة وبالعلاج الحاسم الدائم.
التغيير بالبدائل:
هذا التغيير باليد الذي يجب أن يمارسه المصلحون هو التغيير بالبدائل.. ففي مواجهة مشكلة الاعتداء على الفتيات في الطرقات مثلاً يجب أن ندرس عدة نقاط، ونبحث لها عن حل عملي يخضع لأساليب علم الاجتماع، ومن هذه النقاط:
١- مشكلة ضعف الوازع الديني لدى الشباب.
٢- مشكلة وقت الفراغ.
٣- مشكلة غلاء المهور وتعذر الزواج أحيانًا.
والحل يمكن أن ينتهي بنا مثلاً إلى بناء أندية إسلامية للشباب، أو عمل ندوات، أو إقامة مشروع شبابي «اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي».
كما أنه يمكن أن ينتهي بنا إلى تقديم حلول اجتماعية شعبية، مع طلب مساعدة الدولة لحل مشكلة غلاء المهور وصعوبة الزواج... المهم أن أسلوب العلاج لن يكون مجرد الكلام الذي قد ينتهي تأثيره بعد الخطاب، ثم لا يترك تأثيرًا على مسيرة السلوك الشبابي.
وفي علاج مشكلة «التبرج» و«الكرة» يجب أن نلجأ إلى تحليل عملي لكلا الظاهرتين والأسباب المؤدية لهما، مستعينين بعلماء الاجتماع حتى تنتهي إلى البديل المقترح.
وفي مواجهة الأغاني المائعة والتمثيليات الخليعة، يجب أن نبحث في أمر الفنون الإسلامية البديلة، والعمل على إقامة الشركات والمؤسسات الإسلامية التي يجب أن تنشأ لتقديم الفنون الإسلامية في المسرح والسينما والتليفزيون، وما إلى ذلك في إطار شرعي مدروس.
وفي مواجهة البنوك الربوية، يجب أن نبدأ في تشجيع ظاهرة البنوك والمؤسسات الإسلامية التجارية، وحبذا أن تنشأ هذه المؤسسات بالجهود الفردية، بحيث تكون أشبه بمشروعات اقتصادية محلية تحقق لونًا من التكافل الاجتماعي.
تطوير الأساليب:
وكما يجب تطوير أساليب الحسبة، والانتقال بها إلى الأساليب العصرية، ونعني بها أسلوب البدائل وأسلوب العمل بروح جماعية وأسلوب استخدام معطيات العلم الحديث، كذلك يجب تطوير واجبات الحسبة وتوسيع مساحتها في المجتمع الإسلامي.
ولن يتحقق تطوير مساحة الخدمات التي تقوم بها الحسبة إلا إذا تحقق للمحتسبين الالتصاق الكامل بأفراد المجتمع، وذلك يتحقق عندما يتحول المحتسب إلى أخصائي اجتماعي ومصلح شعبي في أن واحد.
فعودة المحتسب إلى وظيفته المزدوجة «كعالم ومصلح» إنما هي عودة الفعالية إلى وظيفة أساسية من الوظائف الإسلامية القيادية، وعلى سبيل المثال فإن مساجد المسلمين -بعد أسواقهم- في حاجة إلى محتسبين لإعادة النظر في جمالها ونظافتها وملاءمتها لمستوى النظافة الحديثة في عصر أصبح فيه الاهتمام بالجمال أداة من الأدوات الضرورية، وأصبحت القذارة رمزاً للهمجية والتخلف.
وديننا قد سبق هذه الحضارة الحديثة، وأمر بالوضوء عند كل صلاة، وبالاغتسال في كثير من الحالات، وهذه مهمة جديدة يجب أن توكل مراقبتها إلى المحتسبين، ونظافة الشوارع والمرافق العامة، بل ونظافة الناس في صلاة الجمعة والعيدين والاجتماعات العامة... هذه المهام يجب أن توكل كذلك إلى المحتسبين، والنظر في المظالم غير المنظورة كتعويق مصالح الناس أو الإبطاء فيها وطغيان بعض الجيران على بعض، وفوضوية الشارع الإسلامي، وكثرة الصخب واللعب فيه، مما يحول دون الإنتاج والتحصيل، ويجعل الشوارع ملاعب للصغار ولبعض الكبار، إن هذه وظائف جديدة تُضاف إلى مهام المحتسب ولا يستهين أحد بهذه الوظائف، ولا يقولن إن غير المحتسبين يتولونها، فالحق أن منهج المحتسبين غير منهج غيرهم، ووظيفتهم تمهيد قوي لإنجاح كل الوظائف الأخرى.
(*) كاتب أردني
أهمية الإنفاق في سبيل الله
بقلم: د. فهد العصيمي (*)
الإنفاق في سبيل الله له أجره سواء كان من الإنفاق الزكاة المفروضة أو من صدقة التطوع أو الوقف الخيري.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّها الَّدِينَ آمنُوا أَنفقُوا مِمَّا رَزَفْناكُمْ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيعَ فِيهِ وَلا خُلَّةَ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرونَ هُمَ الظَّالِمونَ﴾ (البقرِة: 254) وهذا دليل على أهمية البذل والإنفاق في سبيل الله وقال: ﴿ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ ﴾ (آل عمران ١٣٣) وقوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة:261) فعندما تبذل شيئاً بسيطاً تجد نتائجه وفوائده مضاعفة، وهذا نعمة من الله، كذلك ما ورد عن رسول الله في فضل الإنفاق «ما نقصت صدقة من مال بل تزده بل تزده» وما ورد أيضاً: «أنه يقف ملكان في كل صباح فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً» وما روي عنه: «ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على الذين من قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم».
نعم فالله يعطينا الغنى والمال ليختبرنا ماذا عملنا به؟ هل نصرنا به الإسلام والمسلمين؟، هذا المال الذي ورد فيه أنه خضرة حلوة من أخذه بحق فنعم المعونة، ومن أخذه بغير حق كان كالذي يأكل ولا يشبع.
متى يذمِ المال أو يمدح؟ يذم المال في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التُّكَاثُرُ حَتَّى زرتم المقابر ﴾ (التكاثر:1،2) وما روي عن الرسول في ذم المال والدنيا: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله» وهناك أدلة لا تمانع جمع المال: ﴿وآخرون يضرِبون في الأرضِ يبتغون مِن فَضْلِ اللهِ﴾ (المزمل: ٢٠) وقوله عليه السلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح».
فالجواب عن السؤال واضح حيث إنه متى ما كان المال شاغلًا عن ذكر الله وطاعة الله فهو جيفة وبئس المال، ومتى ما جمعته وصرفته في غير حله، أما إذا لم يشغل عن طاعة الله.. وذكره وجمعته وأنفقته بما فيه نصرة للإسلام وما أوجب الله عليك فنعم المال الصالح.
فنحن نختبر بوجود المال عندنا فلا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ماله من أين أخذه وفيم أنفقه.. هل صرفنا المال فيما يرضي الله ويفيدنا في الدين والدنيا ونؤجر على ذلك، أم صرفناه فيما يغضب الله ويجعله هزيمة شكر نعمة المتفضل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾
- تعويد النفس على البذل والعطاء وتهذيبها واجتثاث صفات الشح: ﴿ومن يُوق شح نفسه فَأولئكَ هُم المفْلِحُون ﴾ (الحشر:9) «لا يجاورني فيها بخيل».. - الإنفاق من أسباب التيسير لليسرى ﴿فأمَّا من أَعْطَى واتّقى وصدّق بالحُسْنَى فسيسره لليُسرى ﴾. (الليل5:7)
- من أسباب البعد عن النار: «اتق النار ولو بشق تمره».
- من أسباب الرزق والنصر وكما روي «وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا أو تنصروا أو تجبروا».
- من أسباب زيادة العمر، واختلف فيه العلماء، فمنهم من قال إنها زيادة حقيقية. وقيل الأعمار مقدرة، وإنما هو زيادة للبركة والخير والحسنات.
- سبب من أسباب استظلال المسلم في ظل الله ففي الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقته يمينه» «المؤمن يستظل بصدقته يوم القيامة».
- يساعد على التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع ويدعو للتعاون بينهم ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.. «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».
- سبب في دفع البلاء والمصائب عن الفرد والمجتمع ودفع ميتة السوء: «الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء».
- من أسباب الشفاء من الأمراض والأسقام، فإذا نويت بهذه الصدقة وجه الله، وتطلب من الله أن يعافيك من مرض ابتليت به: «داووا مرضاكم بالصدقة».
- من أسباب استمرار الأجر لك حتى بعد وفاتك: «إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث، ذكر منها عليه السلام صدقة جارية».
- تنمية الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة والتطهر من دنس الذنوب والمعاصي فهو يخفف من هذه الذنوب ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
﴾ (التوبة: ١٠٣).
- إضعاف الحسد والبغضاء والحقد في نفوس الناس، لأن الفقراء إذا رأوا الأغنياء ينفقون عليهم تخف الحقد والحسد ويحل الوئام والأخوة.
- من أسباب البركات ونزول الخيرات ومضاعفة المال.
وعن الإنفاق ينبغي أن تتوافر عند المسلم، النية الصالحة: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرئ ما نوى».
كما أن السرية في النفقة أبعد عن الرياء وإذا أعلن فإنما يكون ذلك تشجيعًا للآخرين ليبذلوا بشرط أن تكون نيتك خالصة لوجه الله: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي﴾ وفيه فتح أبواب مغلقة للناس. لأن الإسلام يأمرنا أن نتعاون.
(*) أستاذ جامعي – المملكة العربية السعودية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل