العنوان رسالة إلى.. زوجة الابن
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 58
السبت 05-فبراير-2011
إلى من جعلها الله تعالى سببًا في تقارب الأسر وتعارفها والتقائها، وجعل منها الأولاد والحفدة والذرية.
إلى من انضمت بزواجها إلى عائلتها الجديدة - عائلة زوجها - وصارت جزءًا من نسيجها ولبنة من لبناتها.
إلى من صارت بزواجها من ذلك الابن في مقام البنت لأمه وأبيه، وأضيفت إلى تعداد أسرته وبناتها.. وصارت واحدة من أعضائها تشارك في السراء والضراء والعسر واليسر والمنشط والمكره..
إليها وهي الزهرة الندية والوردة المتفتحة التي يحبها أبناؤنا وتزدان بها بيوتهم وبيوتنا..
إلى زوجة الابن أينما كانت.. وحيثما حلت.. وقد جعلها الله تعالى سكن أبنائنا ومودة قلوبهم وراحة أجسادهم ومحل وطرهم وأرض حرثهم...
أتدرين من أنت يا بنيتي..؟
أنت من اختارك القلب وانشغل بك العقل، فملكت الفؤاد وأسعدت النفس، ولم لا وأنت قرة عين ولدنا وزوجة ابننا الغالي وحبيبة قلبه، ومن بعد ذلك أم ولده ومنجبة الحفيد والحفيدة، لذا فأرعني سمعك بنيتي وافتحي لي قلبك قليلًا، فلعل كلماتي البسيطة الصادقة تخترق جدرانه فتسكن فيه وتقر. لقد صرت الآن زوجة أصبحت مسؤولة وأمامك مسؤوليات عدة وواجبات كثيرة وحقوق مطلوبة، وعلى رأس هذه الحقوق كيفية التعامل مع عائلتك الجديدة من أهل زوجك والاندماج معهم والانصهار في بوتقة حبهم والولاء لهم، وأولهم أمه «أي حماتك»..
فأين أنت من هذه الحقوق؟
هلا شعرت بالأمومة وتذوقت طعمها وعشت معناها..
أعيني زوجك على بر أمه...
إن الخير في الحياة هو الأصل وهو الفطرة السليمة التي ارتضاها الله تعالى لعباده في كل شيء، في علاقاتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، وإن هناك نماذج مشرفة حفلت بها الحياة لزوجات أبناء كن بحق البنات، يصدق فيهن القول: رُبِّ بنت لك لم تلديها، فكم من زوجة ابن رعت حماتها في حياتها وهي عجوز مسنة، خدمتها دون أن تتأفف لا تريد منها جزاء ولا شكورًا، وأخرى خيرًا من جعلت من سمعها وبصرها ولسانها ويديها جوراح لحماتها حين ضعفت منها الجوارح وغيرها لا يهدأ بالها حتى يطمئن الابن على أمه ويقوم بواجب البر معها وتعينه على ذلك دائمًا وتذكره به.
وغير هذه الصور المضيئة ما لا يحصى من قصص الوفاء والحب والعطاء، لكن هذا لا يمنع من وجود حالات غير مرضية وقصص لا يحبها الله ولا يقرها العرف أو يرضى عنها، ولمثل هؤلاء كانت رسالتي تلك تذكرة وحبًا ونصحًا، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، ودعوة للصلح والتصالح، ووفاء لحق الزوج وأهله، ومن قبل ذلك رضا لله عز وجل الذي لا تخفى عليه منا خافية.
فهنيئًا لكل زوجة أحبت زوجها بحق فأعانته على برّ أمه وصلة رحمه ودفعت عن وجهه نار العقوق والقطيعة.
أمك.. أمك.. أمك..
هذه الكلمات الثلاث أمك.. أمك.. أمك كلمات جاءت على لسان الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ تذكرة للأزواج حتى لا يميلوا كل الميل لزوجاتهم ويتركوا أمهاتهم كالمعلقات، حال الواحدة منهن لا يسرّ، فلا هي أم توصل وتُبرّ، ولا هي غير ذات ولد فتهدأ وتستقر. قالها حين سأله رجل وقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك». قال: ثم من؟ قال: ثم أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك» «رواه البخاري».
لكن الزوج قد يسمع هذه الكلمات الثلاث: أمك، أمك، أمك، كل يوم عدة مرات وشتان بين سماع وسماع فليست كما سمعها ذلك السائل، وإنما تخرج وسط الآهات والدموع والصياح والضجيج من زوجته المتظلمة دائمًا المتمردة أبدا المتربصة باستمرار.. وتتوالى التوصيات للزوج سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا وحده وأمام الأطفال.
أمك.. أمك.. أمك.. إنها تتدخل فيما يخصنا وذلك إن تجرأت أمه وسألت عن شيء، ولو كانت السائلة أمها لأفاضت لها في الحديث وأفشت الأسرار ما طلبت منها وما لم تطلب.
أمك.. أمك.. أمك.. إنها تنصحني كثيرًا وتتهمني بالتقصير هذه فضيحة وجرأة وتدخل في شؤوننا، وما درت هذه الزوجة أن النصيحة واجبة وأنها دفعًا لسؤال الله عز وجل يوم العرض والسؤال، وأنها براءة من إثم الكتمان لأن الدين النصيحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
أمك.. أمك.. أمك.. لا تترك الأولاد عندها.. إنها تدللهم.. إنها تفسد على أبنائي. فإن قالت الجدة للحفيد: افعل ولا تفعل، قل ولا تقل ثارت ثائرة الزوجة وأخذتها الحمية، أنا حُرّة في تربيتهم أربيهم كما أشاء وكيف أريد، دعيني وشأني مع أولادي، إن هذه تربية قديمة لا تتماشى مع العصر! ولو أنصفت الزوجة لاستفادت منها ولو أقل القليل، فهي وإن تخرجت من أرقى الجامعات؛ فإنها لم تتخرج بعد من أعظم جامعة تخرجت منها حماتها جامعة الحياة ومدرستها.
أمك.. أمك.. أمك.. إنها تزورنا كثيرًا، إنها تأخذك مني لا تذهب إليها وتتركني، لا تعطها مصروفًا، فقد كبرت ولا تحتاجه ونحن أولى به إنها تطلب مني مساعدتها ليس ذلك شأني ولست به ملزمة، أنا لست لها خادمة.
أمك.. أمك.. أمك، أريد ترك الأولاد عندها كل يوم لكنها تتظاهر بالتعب حتى لا تحضنهم، ونسيت تلك الزوجة أنها في هذا العمر لا تقوى على ذلك، وقد أن لها أن ترتاح بعض الشيء، أو أن عندها ما يشغلها هي الأخرى.
أمك.. أمك.. أمك. إنها تحرضك على إنها لا تحبني، تعاملني سيئا، لقد قالت وقالت وقالت..
لك الله أيتها الأم، لقد ربيت أولًا وأخيرًا لوجه الله فلا عليك، لا تنتظري ثوابا من ابن أو زوجة.. فهكذا هو الإخلاص شاق وصعب ولا يقوى عليه إلا أهل الصبر والعزائم وحينها يوفون أجورهم بغير حساب. وتظل الزوجة تردد هذه الكلمات الثلاث؛ حتى تصبح من أكثر الكلمات جلبًا للقلق والشقاء عند الابن في بيته، بعد أن كان مجرد سماعه لكلمة «أمي» تلقي في نفسه الهدوء والراحة والسكينة والاطمئنان، وتأبى تلك الزوجة إلا أن توقع زوجها في العقوق أو الهجران، وتصل به إلى طريق مسدود لا تجعل له فيه خيارًا مناسبًا، وتقول بلا استحياء لقد تزوجتك ولم أتزوج أمك، فإما أنا وإما هي فاختر لنفسك؟! وما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ولمثيلاتها من الزوجات:
لقد صرت الآن زوجة وأمامك مسؤوليات كثيرة وحقوق مطلوبة وعلى رأسها كيفية التعامل مع عائلتك الجديدة
لا تذكري حماتك بسوء أمام أولادك مهما تكن الأسباب فللجدة منزلة وأثر كبير في نفوس الأحفاد
اعلمي أن في خدمتها عند الحاجة أجرا ساقه الله إليك ولكل أجر ثمنه وضريبته
«أعظم الناس حقًا على المرأة زوجها، وأعظم الناس حقًا على الرجل أمه» «رواه الحاكم وصححه السيوطي».
تذكري يا بنيتي أن الأيام دول...
إن الله تعالى جعل الأيام دولًا، وجعل من سمات دنيانا التغير وعدم الثبات، وقد تضطر الأم أن تقيم مع ابنها وزوجته في بيت واحد المرض جسم أو تقدم سن أو وحدة مملة أو حاجة ملحة وهنا تتأفف بعض الزوجات وتطلب من زوجها أن يُسكن أمه وحدها في مسكن خاص بها، أو يضعها في دار المسنين أو تأخذها ابنتها المتزوجة إلى بيتها، ولا أدري من أحق بتلك الأم وبخدمتها ورعايتها والإنفاق عليها؛ إن لم يكن لها زوج أو مورد رزق أو راع أو مأوى، أهو ابنها أم زوج ابنتها.. لا شك يا زوجة الابن أن وجودها معك لا بد منه، وأن رضاك عنها وصبرك عليها وخدمتك لها له أجر كبير عند الله، ولو نظرت لنفسك ورأيت الأمر بالمعكوس، وكنت أنت مكان حماتك، ماذا تراك تنتظرين من زوجة ابنك؟ وماذا لو كان هذا حال أمك أنت مع زوجة أخيك؟ وماذا لو كانت أمك هي التي تعيش معك لا حماتك؟ أكنت تتأففين منها ومن خدمتها واحتوائها ورعايتها.. إلا فاحذري فإن المرء كما يدين يدان، وبالكيل الذي به يكيل يكتال.
إليك يا زوجة الابن.
- لا تذكري حماتك بسوء أمام أولادك مهما تكن الأسباب فللجدة منزلة وأثر كبير في نفوس الأحفاد، ولا تحرميهم أو تحرميها من زيارتهم بين حين لآخر.
- كوني عادلة في أقوالك وأفعالك ولا تخسري الميزان فتندمي في الدنيا قبل الآخرة.
إياك وإفشاء سرها، واحذري غيبتها في المجالس والتشكي منها للأهل والصديقات. فما هكذا يكون الصبر.
- اعلمي أن في خدمتها عند الحاجة أجرًا ساقه الله إليك ولكل أجر ثمنه وضريبته.
- تخيري الأوقات المناسبة لترك أولادك عندها، ولا تثقلي عليها وقدري حالها وستها وصحتها.
- قومي بإكرامها وخدمتها بنفسك كلما زارتك في بيتك، ولا تنتظري منها أن تخدمك هي في بيتها بل شاركيها في ذلك.
- لا تغاري منها إن أحسن زوجك معاملتها وأظهر حبه لها، فكم هي في حاجة المن يشعرها بحاجته إليها في هذه المرحلة الحرجة من حياتها.
- لا تحاولي رفع الصوت عليها أو الصياح معها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يوقر الكبير»، «رواه الطبراني».
- حاولي رد إساءتها بالكلمة الطيبة والعفو والتسامح، واسألي عنها أو اتصلي بها من وقت لآخر، ولا تنسي الهدية الرمزية المعبرة.
- لا يكن كل همك هو مصلحتك أنت فقط، وتخلقي معها بأخلاق الإسلام من رحمة وحب وتعاول وتضحية وكرم وإيثار.
- لا تبخلي بكلمات الثناء والمدح والشكر، وقولي لها من كل قلبك: جزاك الله خيرًا يا أمي.. ولتسلم لي هذه الأم التي تعبت سنين عددًا في سبيل تربية زوجي حتى كبر وصار رجلًا، ثم زوجًا صالحًا لي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل