العنوان الحرف الذي يعبدون الله عليه
الكاتب جاسم المسلم
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يناير-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 511
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 13-يناير-1981
إن القلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه، لا يمكن أن يرتد عنه ارتدادًا حقيقيًّا أبدًا.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ۚ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾. (الحج: 13-11).
تبين الآيات نموذجًا من الناس، كان يواجه الدعوة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مكرر في كل جيل، ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة، ويظنها صفقة في سوق التجارة وينسى أن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة، وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيثبت هو بالصخرة التي لا تتزعزع، ويتهاوى من حوله الناكصون فيستند هو إلى الله الذي لا يحول ولا يزول.
هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن، ومن ثم يجب أن يستوي عليها، متمكنًا منها، واثقًا بها، ذلك أنها الحِمَى الذي يلجأ إليه، والمسند الذي يستند إليه، فهي تفتح القلب للنور والعقل للهدى، ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها ويطمئن بها. هي ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع، ويستبد بهم القلق، بينما هو بعقيدته مطمئن القلب ثابت القدم، هادئ البال، موصول بالله مطمئن بهذا الاتصال.
أما الذي يعبد الله على حرف فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة، فإن أصابه خير اطمأن به وقال إن الإيمان خير، فها هو ذا يجلب النفع، ويدفع الضر، ويكفل الرواج، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه ولم يتماسك ولم يرجع إلى الله فيه، وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه وتراجعه عن عقيدته وانتكاسه عن الهدى الذي كان ينعم فيه.
إن القلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه لا يمكن أن يرتد عنه ارتدادًا حقيقيًّا أبدًا إلا إذا فسد فسادًا لا صلاح له، وليس لمسلم عذر في أن يخنع للدنيا وينكص على عقبيه فيترك دینه ويرتد عن إيمانه وإسلامه ويرجع عن الحق الذي ذاقه وعرفه. ولكن من يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم، وتبرد فيها حرارة العقيدة، وتنطفئ شعلتها، لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن دون جلاء.
فالزاد هو الذي يخلص الضمير مما يكبله من أوهام الشهوات وأغلالها وركام الجاهلية وتصوراتها، أما حين يسترسل المسلم بلا ذكر لله تخشع القلوب له؛ تصبح تلك القلوب مجدبة قاسية لا تلين ولا تندى، ولا تنبض بخشية ولا تقوى.
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه الذين كانت تنزل عليهم آيات الله قصة ذلك الرجل الذي آتاه الله من علمه فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعًا ذليلًا للشيطان وغرضًا له لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام، فانحرف عن سواء الفطرة ونقض عهد الله الذي أخذه عليه، ونكص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها... وتعرّى عنها ولصق بالأرض، واتبع الهوى وأمسى مطرودًا من حِمَى الله، لا يهدأ ولا يطمئن ولا يسكن إلى قرار... وهل أسوأ من هذا مثلًا؟ وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ أن ينسلخ ويتعرّى من الهدى ويلصق بالأرض ويتبع الهوى ويلهث لهاث الكلب؟ أبدًا.
إنه مَثلٌ لا ينقطع وروده ووجوده، وما هو بمحصور في قصة وقعت في جيل من الزمان.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. (الأعراف:175-178).
وفي مثال آخر يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. (الأنعام: 71).
«ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرأت هذا النص... ولكنه مجرد تصور... حتى رأيت حالات حقيقية، يتمثل فيها هذا الموقف ويفيض منها العذاب... حالات أناس عرفوا دين الله وذاقوه- أيًّا كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق- ثم ارتدوا إلى شهادة الآلهة الزائفة، تحت قهر الخوف والطمع... ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير... وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة وماذا يعني هذا التعبير؟».
والله يغلظ جريمة من كفر بالله من بعد إیمانه لأنه عرف الإيمان وذاقه ثم ارتد عنه إيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة.
ومتى آمن القلب بالله فلا يجوز أن يُدخل عليه مؤثرًا من مؤثرات هذه الأرض، فللأرض حساب وللعقيدة حساب ولا يتداخلان، وليست العقيدة هزلًا، وليست صفقة قابلة للأخذ والرد، فهي أعلى من هذا وأعز. ذلك أن العقيدة أمر عظيم لا هوادة فيها ولا ترخيص. وثمن الاحتفاظ بها فادح. وهي أمانة لا يؤتمن عليها إلا من يفديها بحياته وهانت الحياة عليه وهان كل ما فيها من نعيم، أما الضعاف مُشوَّهو الإيمان فيغريهم البريق الخادع.
إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن، وليس أبشع من تفريط المستحفظ، فالذين خلت قلوبهم من اليقين هم الذين يتلكأون ويلتمسون المعاذير، فما يتردد ويتلكأ إلا الذي لا يعرف الطريق أو الذي يعرفها ويتنكبها اتقاء لمتاعب الطريق. وإن أصحاب هذه القلوب الحائرة لهم الخطر على مسيرة الدعوة؛ فهم يبثون الخور والضعف في الصفوف بهممهم الساقطة وقلوبهم المرتابة، وهم مع ذلك يفرحون بالسلامة والراحة ويحسبون أن السلام غاية يحرص عليها الرجال ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. (التوبة: 81).
هؤلاء نموذج لضعف الهمة وطراوة الإرادة.. هم يتساقطون أعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العازمة بتكاليف الدعوات... إن الكفاح والجهاد فطرة في المؤمن، وإنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال.. إنهم يختارون الذل والمهانة هربًا من هذه التكاليف الثقال؛ فيعيشون تافهين رخيصين مفزعين قلقين، يعجزون عن احتمال تبعة الرأي بما ارتضوه لأنفسهم من الخمول والبلادة والوهم والاحتجاب عن مزاولة النشاط الحركي المتفتح المنطلق الوثاب.
والمؤمن يعبد ربه شكرًا له على هدايته إليه وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به، فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من الله ومنة؛ استحقاقًا على الإيمان أو العبادة، والمؤمن لا يجرب إلهه فهو قابل ابتداء لكل ما يقدره له. مستسلم ابتداء لكل ما يقسمه له، راضٍ ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء، وليست هي صفقة بين بائع وشارٍ، إنما هو إسلام المخلوق للخالق، صاحب الأمر فيه.
هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم. وهو الحال اللائق بالإيمان المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده، والثقة بكلمته وعهده، والمعرفة برحمته وفضله، والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم، وقدره المغيب ومن تقليب القلوب في الليل والنهار، والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله، فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار... والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال، وقيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش، وقيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة، وقيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة، وقيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، وقيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو والاهتمامات الصغيرة التافهة الحقيرة... ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد... ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال، كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة، وكما يشفق من ذاق نداوة الضلال أن يعود إلى الهجير المحرق، وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة... وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال.
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يدعو بقوله: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فتسأل عائشة: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فيقول: «ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء يزيغه أزاغه».
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. (آل عمران: 8-9).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل