; المجتمع التربوي- العدد (1343) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد (1343)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1343

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 23-مارس-1999

وقفة تربوية

صورة مصغرة من «وقفة المحشر»

شاء الله تعالى أن يُري المؤمنين صورة مصغرة من أرض المحشر، وما يحدث فيها، من التزاحم عند الطواف بالكعبة، فالداخل في تلك الزحمة يرى أفواجًا من البشر بشتى أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، منهم البيض والحمر والصفر والسود، وما إلى ذلك، ويرى قصار القامة وطوالها، ويرى النساء والرجال والغلمان والشباب: يهطل العرق من أجسامهم، ولا تكاد تستطيع مسحه لكثرته، وترتفع يد هذا ليدفعك، ويد ذاك ليبعدك، وقدم هذا تطأ قدمك، وهذا يصرخ في وجهك يقول: «اتق الله»، وآخر يقطب بوجهه في وجهك، ويسمعك كلامًا لا تفهمه، وتتقاذفك الأمواج البشرية ميمنة وميسرة، وتكاد في بعض الأحيان تكون معلقًا بين الناس، هم الذين يسيرونك في تيارهم، لا أنت الذي تسير بإرادتك.

وكذلك الحشر يوم القيامة، يتجمع الناس في أرض المحشر ملايين الملايين على أرض واحدة، وفي بقعة واحدة، العمالقة والأقزام، والإنس والجن، والإنسان والحيوان، والملائكة كلهم محشورون في أرض واحدة، جميعهم عراة غرل لا ينظر الرجال للنساء، ولا النساء للرجال، لشدة هول الموقف، ثم تنزل الشمس على مقربة ميل من الرؤوس، ويعرق الناس، ويذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم، فيعرقون لشدة حرارة الشمس وقربها منهم، ولشدة الزحام وشدة الضجر لطول ذلك اليوم الذي يبلغ خمسين ألف سنة من أيامنا.

هكذا الصورة عند الطواف في الدنيا على شكل مصغر، وكذلك هي في الآخرة على شكل مكبر، ولو تفكر الحاج بمطابقة الصورة التي هو فيها مع صورتها بالآخرة لما توقفت دموعه عن النزول، أو توقف جلده عن الشعور بقشعريرة روعة هذا التقابل بين الصورتين.

أبو خلاد

خطب الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج.. وصايا نبي مودع«2من3»

تأملات في خطبة يوم النحر

  • الدماء والأموال قوام الحياة.. والاعتداء عليهما من أكبر المفاسد.
  • دعوة النبي ﷺ للبلاغ.. دعوة للحفاظ على صحة الأمة العقلية والفكرية.

عبد القادر أحمد عبد القادر

ألقى الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم  ثلاث خطب في حجته الوحيدة قبل وفاته، وقد تناولنا في العدد الماضي بالتحليل القواسم المشتركة بين هذه الخطب الثلاث، وما انطوت عليه أولاهما وهي خطبة يوم عرفة من دروس ومعان وعبر، واليوم نستعرض الخطبة الثانية، وهي التي ألقاها النبي صلى الله عليه وسلم في يوم النحر، من هذه الزاوية نفسها.

روى البخاري وأحمد عن أبي بكرة- رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، فقال: «أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس هذا يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليست البلدة؟ «يعني البلد الحرام»، قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم، وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعد كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ثم قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».

وروى الترمذي وابن ماجة أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبته تلك: «ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا إن الشيطان قد ينس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به».

في ظلال الخطبة

استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب الاستفهام المتكرر لإثارة انتباه المسلمين، ثم أمرهم وأوصاهم بأمور دينهم المهمة، مبتدئًا بالدماء والأموال؛ لأن بهما قوام الحياة، أليست المفاسد الكبرى في دنيانا هي إزهاق الأرواح أو إذلال النفوس، وأكل الأموال بالباطل؟ ثم جاءت أهم مضامين الخطبة في النقاط التالية:

  1.  حرمة النفس أعظم من الكعبة!

لنتدبر هذه النصوص:

عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه، وإن نظن به إلا خيرًا»([1])، فماذا يقول سفاكو دماء المسلمين؟وقال صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»([2]).

  1. اللصوص الكبار والصغار:

أما ما يتصل بجرائم الأموال التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد عميت للأسف على جميع مستويات الناس، فلقد ولغ البعض في المال الحرام، والمفترض أنهم الحراس عليه، فضلًا عن الربا والرشاوى، والقمار وتزييف العملات، والاحتيال على السذج، واغتصاب مواريث النساء والإخوة الصغار، والتجارة في المخدرات، والأدخنة، والخمور .... إلخ. 

قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:188).

من العجب أن ترى فريقًا من النهابين للأموال يذهبون إلى بيت الله الحرام ليؤدوا فريضة الحج، أو شعيرة العمرة، يخدعون أنفسهم، أو ربما توهموا أنهم يخدعون الله، وهو خادعهم.

بقيت الإشارة إلى ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وإلى الاتفاقات الماكرة على احتواء ثروات العالم الإسلامي، مع أن هذا النظام الجديد هو عينه «القديم»، فالجديد بقيادة أمريكا، هو القديم بقيادة بريطانيا وفرنسا، واتفاقات الجات هي كومنولث متطور، والنظامان يطويان العالم في معدة ربوية تكاد تعتصره عصرًا.

  1. واجب دعوي:

المسلمون جميعًا مطالبون بالتبليغ عن رسول الله «بلغوا عني ولو آية»([3])، فليبلغ المسلم- وكذلك المسلمة- تبليغًا صادقًا صحيحًا، فإذا كان السامع مجرد حافظ فليبلغ ما حفظه، وما أكثر وسائل التبليغ في عصرنا، بل ما أسرعها، ونحن مكلفون بتبليغ النص، والمتلقي «المبلَّغ» قد يكون عالمًا مجتهدًا فيستنبط ما لا يخطر على بال السامع «المبلِّغ»، وهذه الحالة واقع نلمسه.

لنتصور مليارًا وربع المليار من المسلمين يبلغ بعضهم بعضًا، كيف سيكون حال أمتنا فقهيًا وثقافيًا؟ إن دعوة النبي للتبليغ إنما هي دعوة إلى تنشيط الأمة علميًا وثقافيًا، لنحافظ على صحتها العقلية، والفكرية، ولمحو الأمية.

  1.  نهي عن الاقتتال:

من أنواع الكفر قتل المسلم «فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله فهذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: فإنه كان يريد قتل أخيه»([4])، وقال صلى الله عليه وسلم: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار»([5]).

5- النظام الزمني:

إن تغيرات زمانية قد حدثت في الحالة الزمنية للأرض، وقد أجمل النبي صلى الله عليه وسلم تلك المعلومات في قوله: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض». إن هذه الإشارة معناها- والله أعلم- أنه قد حدث تناسق زمني معين بين الليل والنهار، وبين الفصول مثلما كان الحال عليه عند خلق السماوات والأرض، وللعلماء في هذا الأمر كلام كثير، فليرجع إليه من شاء.

والحديث عن التناسق الزمني يجرنا إلى الحديث عن التقويم الزمني المعتمد إسلاميًا، «التقويم الهجري»، فهو التقويم الوحيد الدقيق المنتظم، إذ يبدأ الشهر بظهور الهلال وينتهي بمحاقه، أما التقويم الميلادي، ففيه خلل شديد وأسبابه هي:

  1.  انتهى يوم ٤ من أكتوبر عام ١٥٨٢م، فاستيقظ الناس في اليوم التالي، فإذا بهم في اليوم الخامس عشر من أكتوبر([6])، فهل بعد هذا العبث يكون التقويم الميلادي دقيقًا؟!

ب - اختلاف النصارى في يوم ميلاد المسيح عليه السلام. 

ج - الخلل في عدد أيام الشهور الميلادية 28.29.30.31  يومًا! 

إن الزمن خلق من خلق الله، فلا ينظمه إلا الله ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك: ١٤)، وتدير هذه الآية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (التوبة: ٣٦).

 يقول صاحب الظلال رحمه الله: «إن هذا النص القرآني يرد معيار الزمن وتحديد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره الله عليها، وإلى أصل الخلقة، خلقة السماوات والأرض، ويشير إلى أن هناك دورة زمنية ثابتة مقسمة إلى اثني عشر شهرًا، ويستدل على ثباتها بثبات عدة الأشهر، فلا تزيد في دورة وتنقص في دورة، وأن ذلك في كتاب الله- أي في ناموسه- الذي أقام عليه نظام هذا الكون، فهي- أي عدة الشهور- ثابتة على نظامها، لا تتخلف، ولا تتعرض للنقص والزيادة، لأنها تتم وفق ناموس ثابت، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده الله يوم خلق السماوات والأرض».

وقد حدث الخلل في عدد أيام الأشهر الميلادية لسبب مضحك، هو أن الرومان الذين نظموا تلك الأشهر جعلوا الأشهر المتميزة ٣١ يومًا بأسماء الطواغيت والعظماء وآلهتهم من الدرجة الأولى، والأشهر الثلاثين للدرجة الأقل، ولما وجدوا فبراير شهر شوم وعواصف- بزعمهم- جعلوه ٢٨ يومًا، وزادوه كل أربع سنوات، وأخذوا منه يومًا لأغسطس حتى يتساوى مع يوليو المسمى باسم يوليوس قيصر.

6- لا ضرر ولا ضرار:

حديث شريف وقاعدة شرعية، وهما في حق الأصول والفروع أوجب، إن العلاقة الحميمة التي تربط الآباء بالأبناء، وتربط الأبناء بالآباء، قد تتعرض لهزات بسبب الماديات، أو بسبب بعض التفاعلات الاجتماعية الفاسدة، من أجل هذا وغيره قال صلى الله عليه وسلم: «لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده».

إن الجناية على الولد تبدأ منذ لحظة اختيار الأم، وتمضي مع الانحراف في تربية الأولاد، وليس مجرد التقصير في النفقة المالية، إن التقصير في تعليم الأولاد جناية في التأديب، في تعليم الحرفة لكسب المعيشة، وفي المعاونة على الإعفاف بالزواج للولد والبنت، وغير ذلك كلها من الجنايات.

والجناية على الوالد- فضلًا عن العقوق- جريمة تمنع الولد من الإرث إذا كانت قتلًا، وتمنع من خلوص الروح عند الموت إن كانت مجرد عقوق، كما أنها من كبائر الذنوب.

أما بر الوالدين فيعد الأرضية الصالحة، والعمود الأكبر في النظام الاجتماعي، فإذا لم يتوافر في المجتمع فعليه العفاء.

  1. شيطان مندحر لكنه يحاول:

الشيطان لقي اندحارًا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه يراوغ الأمة فيما تراه ذنوبًا حقيرة، إن الحقائر إذا اجتمعت صارت كالكبائر، وهنا يرضى إبليس بهذا الركام، خاصة إذا كانت تلك الصغائر في الشهر الحرام بالبلد الحرام، والشيطان أدرى بجرم الصغيرة في الزمان والمكان، فليحذر المسلمون المخالفات التي حذرهم نبيهم منها: «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون

من أعمالكم فسيرضى به» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الهوامش

([1]) ابن ماجه.

([2]) رواه البخاري.

([3]) البخاري والترمذي وأحمد والدارمي.

([4]) رواه الترمذي بسند حسن.

([5]) رواه ابن ماجة بسند حسن.

([6]) القس مرقص عزيز خليل– جريدة الوفد 15/1/1989م.

 

تجنبًا للمشقة والزحام.. علماء الشريعة يدعون للتيسير في:

رمي الجمار قبل الزوال.. وإنابة المريض و المسن والمرأة

كتب: رجب الدمنهوري

العناء الذي يتجشمه الحاج في شعيرة مثل رمي الجمرات- استنادًا إلى الرأي الفقهي القائل بأن الرمي لا يصح إلا بعد الزوال- يؤدي إلى التزاحم الشديد والتدافع، لذلك فإن علماء الشريعة يجمعون على جواز الرمي قبل الزوال، وإنابة المريض وكبير السن والمرأة فيه.

في البداية يرى د. حامد أبو طالب- أستاذ مادة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر- أن أمر الرمي فيه توسعة حتى لا يحدث ما يحدث من مهالك، وقد أجاز بعض المذاهب الرمي قبل الزوال، كما يمكن الرمي من صلاة الفجر، أما الإنابة في الرمي فهي جائزة، إذ يجوز للنساء والشيوخ والمرضى والضعفاء وذوي العاهات وأصحاب الأعذار أن يوكلوا أحد القادرين على الرمي ولا شيء في ذلك نهائيًا، بل تجوز الإنابة لمن ليس لديه عذر.

يسِّر.. وبشِّر

أما الشيخ منصور الرفاعي عبيد– من علماء الأزهر- فيقول: يجب رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس، ويوم الحادي عشر من ذي الحجة برمي الجمرة الصغرى بعد الزوال، ثم يتوجه الحاج إلى الجمرة الوسطى فيرميها أيضًا، وفي اليوم الثاني عشر يرمي جمرة العقبة، وإذا كان من السنة تحديد مواعيد الرمي بعد الزوال، إلا أنه يجوز للنساء والضعفاء أن يرموا جمرة العقبة من نصف ليلة النحر، وفي اليوم الثالث أجاز أبو حنيفة الرمي قبل الزوال.

من جهته يقول الدكتور عبد المعطى بيومي عميد كلية أصول الدين: إن كثرة الحجيج والتزاحم الشديد لا يمكن الحجاج من أداء جميع السنن والمندوبات، ومن بين ذلك الرمي بعد الزوال، وهو الأمر الذي يقتضي أصلًا تخفيض عدد حجاج التطوع؛ حتى لا يزاحموا غيرهم من مؤدي الفريضة، لكن إذا ظل الحال على ما هو عليه، فالرمي قبل الزوال جائز ولا حرج فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195).

وفي السياق نفسه يبدأ الدكتور محمد عبد المنعم البري- رئيس جبهة علماء الأزهر سابقًا- حديثه تاليًا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)، مؤكدًا أن إرادة الله هي التيسير بالعباد، والفقيه المتبصر يأخذ بالأيسر، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري لدعوة أهل اليمن إلى الإسلام، وزودهما بثلاث وصايا فتح الله بها اليمن كلها بدون جندي واحد، الأولى: «يسرا ولا تعسرا»، والثانية «بشرا ولا تنفرا»، والثالثة «تطاوعا ولا تختلفا».

ويوضح الدكتور أحمد يوسف- أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر- أنه بالنسبة لتوقيت الرمي، قال بعض الصحابة ومنهم ابن عباس: خرجنا مع زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفجر، ورمينا قبل الزوال تفاديًا للزحام»، وإذا كان من السنة والأكثر ثوابًا أن يكون الرمي بعد الزوال، فلماذا لا نأخذ بالرخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

افعل ولا حرج

ویرى الدكتور عبد العظيم المطعني- الأستاذ بجامعة الأزهر- أن الرمي يجوز في أي وقت يستطيعه المسلم دون التقيد بوقت الزوال، فبعد النزول من عرفة يبدأ الرمي لليوم الأول حتى قبل صلاة الفجر، أما بالنسبة لليومين التاليين، فإذا كان البعض يقول بالرمي بعد الزوال وحتى الغروب، فإن هذا الوقت كان يناسب عدد الحجيج في ذلك الوقت، فقد كانت حجة الوداع- وهي أكثر الحجات عددًا- قوامها ١٤ ألفًا، وعدد الحجاج اليوم يزيد على المليونين، ومن هنا فالفرق كبير.

هناك مرتكز يمكن الاتكاء عليه، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما سئل يوم حجه عن شيء قدمه حاج أو أخره إلا قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»، وما أمر مسلمًا أن يعيد شيئًا فعله مقدمًا أو مؤخرًا، وكأنه يعطي ضوءًا أخضر للفتوى بالتيسير في موسم الحج.

في فضل عشر ذي الحجة

اجتماع أسباب الأجر.. وتجسيد وحدة الأمة 

كثيرًا ما نعيش أيامًا ذات مزيات مغايرة للأيام العادية، فقد شرف الإسلام بعض الأزمنة على أخرى، وهذه الأفضلية تأتي الاستفادة منها في مجالات التطبيق للحصول على عظيم الأجر، إذ كثيرًا ما نرى من لا يتمثل في فعله ما كان يتمثله في قوله عندما تطرق هذه المواسم أبواب الحدوث المسنون في طبيعة الأيام!.

وما هذا من أخلاق المؤمنين في شيء، ذلك أن الإسلام جمع بين القول والفعل، والإيمان اعتقاد وقول وعمل، ومن أراد الاكتفاء بأحد هذه الثلاثة دون غيرها فقد خدع نفسه، وجلب لها أسباب البوار والفساد.

وها نحن قد حل بدارنا أيام قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (رواه الترمذي عن ابن عباس- رضي الله عنهما- وصححه الألباني، صحيح سنن الترمذي برقم605 ،ورواه غيره، واللفظ له).

عشر ذي الحجة موسم فيه من اجتماع أسباب الأجر الشيء الكثير، إذ هي أيام تجسد وحدة الأمة الإسلامية، الحجاج في صعيد، وبقية المسلمين من جانب، فترى أولئك في تلبية وأداء للمناسك، وهؤلاء في تكبير وتهليل وصيام وذكر لله، قد وقف الحجيج بعرفات، وصام غيرهم مشاركة في الأجر والمثوبات، عن أبي قتادة- رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» (رواه مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من الشهر، ويوم عاشوراء، والإثنين، برقم ۱۹۷)، فما أجمله من حافز، وما أجزله من أجر، لعل ذوي البصائر في نظر، ولعل مسرفي الذنوب على موعد توبة، ولعل التائبين إلى قبول.

أيضًا ومن تمام العقد وسمو جماله، ختام المسك لهذه العشر: يوم النحر.. جعله الله عيدًا سعيدًا للمسلمين قاطبة، تشهد به أقوالهم لفعالهم، إنما هو يوم يفرح به المتأسي، ويبادله إخوانه أمارات الفرح والسرور.

تلكم هي أيام العشر، وتلكم مزية من مزياتها، فهنيئًا لمن شعر، وهنيئًا لمن خرج منها ناصع بياض القلب، راجعًا كيوم ولدته أمه.

أبو حفص البشير الصديقي

حافظ على مكتسبات الحج

  • تعميق الإحساس بحرمات الله...والمداومة على الأعمال الصالحة... والتعاون على البر والتقوى

بقلم: د. زيد محمد الرماني

الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾(آل عمران:97).

فالحج- على هذا- فرض على كل مسلم بحسب الاستطاعة والقدرة، وفي الصحيحين: «بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (متفق عليه).

ومن تأمل مناسك الحج وشعائره وأعماله وجدها- في جملتها- تربي في المسلم مكارم الأخلاق وجلائل الخصال، وتعمق فيه نوازع البر والتقوى، وتغرس فيه وازع الدين.

حتى إذا رجع الحاج من البلد الحرام، وقضى نسكه بعد أن عاش أيامًا معلومات في أحب البقاع إلى الله، في بلد الله الحرام وفي الشهر الحرام، وعاين تعظيم المسلمين حرمات الله، وتعظيمهم شعائر الله، رجع إلى بلده، وابتدأ صفحة جديدة، وسلك نهجًا قويمًا في العبادات والمعاملات والأخلاق، فأصبح إنسانًا متسمًا بصدق التعامل، وكثرة الخير، وبذل المعروف، وصفاء القلب.

ومن جلائل الدروس والعظات التي يتضمنها الحج استشعار المسلم عظم حرمة أخيه المسلم، وأنها حرمة لا تقل حرمة عن البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام.

يقول الدكتور عبد الرب نواب الدين في كتابه «مائة درس من السيرة النبوية»: «لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم المسلمين وتذكيرهم بهذه الحرمة اهتمامًا كبيرًا، وكان يتحين لذلك المناسبات والأوقات؛ لتكون أبلغ في الفقه والاستيعاب، وأوصل إلى أعماق الضمير، ومن ذلك تذكيره بهذه الحرمة العظيمة إبان حجة الوداع».

إن رعاية الذمة، ووجود الإحساس بحرمات الله، وتعميق هذا الإحساس في النفوس لهو من مقاصد الحج؛ لهذا نجد الله- تبارك وتعالى- ينوه بالتقوى وبتعظيم حرمات الله، ولا سيما في مواطن الحج ومواقع أداء المناسك من مثل قوله عز وجل: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ  ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ  (الحج : 27-30).

في ظلال هذه الآيات يقول الدكتور عبد الرب نواب الدين: «ذكر الله اجتماع المسلمين من كل الأصقاع، ونوه بما يحصل لهم من منافع دينية ودنيوية في هذا الاجتماع العظيم، وأمر- سبحانه- بذكره وشكره وإطعام ذوي الحاجة، وإتمام المناسك، ثم جعل ذلك كله من حرمات الله التي يجب تعظيمها، وحسبنا في فضل الحج قوله صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (متفق عليه).

وهذا يوم عرفة، يوم عظيم من أيام الله- تبارك وتعالى- المباركة المشهودة، له من التوفيق والمغنم، وفضله يعم الحاج وغيره من المسلمين، فالحج تكتنفه رحمة الله في هذا اليوم، وغير الحاج بصومه والاستباق إلى الطاعات والصالحات.

ومن فضل هذا اليوم العظيم أنه يكثر فيه عتقاء الله من النار، كما ورد في الحديث: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من من النار من يوم عرفة»، (رواه مسلم في صحيحه، والنسائي وابن ماجة في سننهما).

ولفضيلة هذا اليوم يشرع صومه لغير الحاج، إذ صومه يكفر الله تعالى به سنتين السنة الماضية والباقية، وفي هذا مزيد فضل وإنعام.

وحسب المسلم دلالة على فضل يوم عرفة أنه يوم الحج الأكبر، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (التوبة: ٣).

ومن تيسير الله- تعالى- على الحجاج أنه يصح حج من وقف بعرفات الله ساعة من نهار اليوم التاسع أو ساعة من ليلة العيد.

إن رحلة الحج رحلة إيمانية أخلاقية تربوية، كما أن للحج أثرًا في سلوك الحاج، وفي تعامله مع الآخرين واستقامته، بل وفي حياته كلها، من حيث تغير حاله وسلوكه إلى الأحسن، والتوجه إلى الاستقامة والصلاح.

وقد ذكر علماؤنا أن من علامات قبول الحج تبدل حال الحاج إلى الأحسن والأفضل في أمور الديانة خاصة، وحسب الحاج فضلًا ومنة ما ينتفع به في رحلة الحج الميمونة من الفوز بمرضاة الله- تعالى- وغفرانه، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، (متفق عليه)، لذا ينبغي أن يكون اهتمام الحاج المحافظة على مكتسبات الحج ومنها: الاستقامة، والصلاح، وكرم الأخلاق، وبذل الندى، وكف الأذى، واستشعار حقوق الأخوة، والتعاون على البر والتقوى.

وهنا يرد سؤال مفاده: ماذا ينبغي على الحاج فعله بعد أدائه الفريضة الحج؟!

يقول علماؤنا: إنه من علامة قبول العمل الصالح إتباعه بالعمل الصالح، ومن ثم ينبغي على الحاج بعد رجوعه إلى بلده سالمًا غانمًا- بحول الله- أن يلتزم جانب التقوى والبر والإحسان، والتعاون والتكافل، والاستغفار والتوبة والإنابة، والمداومة على الأعمال الصالحة، فطوبى لمن يقبل حجه، ويتبدل حاله بعد الحج إلى أحسن حال، ويخرج من حجه بدروس في الأخلاق، وتزكية النفس، وفقه مقاصد هذه الفريضة العظيمة.

اللهم اجعل الحج مبرورًا، والسعي مشكورًا، والتجارة رائجة لا تبور، یا عزیز یا غفور.

التربية العسكرية للمسلم في الحج

  • يقترن الجهاد بالحج في كثير من الأحاديث باعتبارهما أفضل الأعمال عند الله بعد الإيمان.
  • القواسم المشتركة كثيرة بين الحج والجهاد منها :
  • التجرد من الزينة واللباس الفاخر .
  • هجر لذيذ الطعام والشراب والنوم.
  • كثرة السفر والتنقل والإقامة في الخيام.
  • طاعة الأوامر وتنفيذها فورًا.

خالد الشنتوت

التربية العسكرية هي إعداد الناشئة للجهاد، الأمر الذي يتطلب تربية روحية: تجعلهم يستعلون على الدنيا، وفكرية: تعرفهم بمكانة الجهاد في الإسلام، ونفسية: تجعلهم يعتادون على متطلبات الجهاد من بذل الروح والمال في سبيل الله، وبدنية: تجعل أجسادهم متينة تتحمل أعباء الجهاد في ميدان القتال، على أن تبدأ التربية العسكرية منذ الصغر على جميع المستويات: الروحية والفكرية والنفسية والجسدية.

إذا كانت التربية تحقق أهداف المجتمع، فإن أهم أهدافه المحافظة على وجوده، لذا يجب على المربين في المجتمع المسلم المعاصر إعداد «المجاهدين» الذين يدافعون عن وجود هذا المجتمع.

والمسلمون- اليوم- مهددون من الشرق والغرب فكريًا وحضاريًا وعسكريًا، ومن أوضح الأمثلة: الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وأحلام اليهود في إقامة مملكة سليمان من الفرات إلى النيل، والتواجد الروسي في الجمهوريات الإسلامية، والخطر الباطني الحاقد على المسلمين عامة، والعرب خاصة.

والجهاد «فريضة» إسلامية تناساها بعض المسلمين، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:216).

إن مدلول هذه الآية- في فريضة الجهاد- لا يختلف في المدلول عن فريضة الصوم في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).

وقد وصل بعض المسلمين إلى حالة «الوهن» التي يعيشونها اليوم؛ لأنهم تركوا هذه الفريضة، فصاروا غثاء كغثاء السيل.

المجتمع المسلم مجتمع مجاهد، فقد روى ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» (متفق عليه)، والخيل هي أهم آلات الحرب آنذاك، ويقابلها اليوم الطائرات والدبابات والبوارج الحربية، وغيرها.

وعن أبي أمامة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يغزُ أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة» (رواه أبو داود بإسناد صحيح).

ولا بد من عودة المسلمين للإسلام، والالتزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتربية الناشئة تربية إسلامية، والتربية الإسلامية تربية عسكرية «جهادية»، ومؤسسات التربية الإسلامية هي البيت والمدرسة والمسجد والمجتمع، وجميع العبادات تصقل المسلم من الناحية العسكرية، فالصلاة والصيام والزكاة والحج مدارس عسكرية لإعداد الناشئين، وسنقصر الحديث هنا على الحج، والتربية العسكرية.

دور الحج في التربية العسكرية:

 عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم  أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» (متفق عليه).

ويقترن الجهاد بالحج بأنهما من الأعمال المقربة إلى الله- عز وجل- وهما من أفضل الأعمال بعد الإيمان.

وعن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، ترى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» (رواه البخاري)، وفي رواية: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» (رواه ابن خزيمة).

يبدأ الحج بالإحرام والتجرد من الثياب المخيطة، وتجنب استعمال العطور طيلة مدة الإحرام، على أن يلبس الحجاج لبسًا موحدًا هو الإزار والرداء من اللون الأبيض، وفي الإحرام مظهران من التربية العسكرية هما:

  1. التجرد من الزينة واللباس الفاخر، وهكذا تكون الحياة العسكرية الحقيقية.
  2. اللباس الموحد إذ تذوب الفوارق الاجتماعية، والعرقية، ويقف الجميع سواسية كأسنان المشط، وفي الحياة العسكرية تتوحد الألبسة، وتتميز حسب الأسلحة.

وفي الحج السفر والخيام، وما فيهما من مشقة وجهد، والتنقل من أساسيات الحياة العسكرية، إذ يصعب تأمين المساكن الثابتة في أماكن المعسكرات.

وفي الحج يترك المسلم ما تعوده من طعام وشراب، ويأكل ويشرب ما تيسر له دون كلفة أو مشقة، وفي الحياة العسكرية تمر أيام وأيام لا يأكل فيها المقاتلون سوى ما بحقيبتهم من «البسكويت» المجفف، أو المعلبات، وهو ما يسمى بإعاشة الطوارئ، ووجه المقارنة هو التجرد من سيطرة العادات في المأكل والمشرب والنوم، ففي المأكل اعتاد كثير من المسلمين على تعدد الأصناف وترتيبها على طاولة الطعام من مقبلات، وفواكه، وغيرها، كما اعتادوا على وقت محدد للغداء وآخر للعشاء.

كل هذه العادات عوائق لدى المجتمع المجاهد، لأن الحياة العسكرية لا توفر تلك الأصناف من المقبلات، والفواكه والمرطبات في الصحاري والجبال، حيث تعسكر الوحدات المقاتلة، أما في ميدان القتال فالوحدات التي يصل إليها الطعام الساخن مرة في اليوم تدل على تفوق الأقسام الإدارية فيها، كما اعتاد كثير من المسلمين على تعدد أصناف الشراب من المرطبات والماء المثلج، مما يصعب توفيره في الميدان. كذلك اعتاد كثير من المسلمين على النوم في أوقات محددة، وعلى فرش وثيرة، ووسادة بعينها، فإن تغيرت تلك الوسادة أرق، وطار منه النوم، فأين هذا من المجاهدين الذين يتوسدون الحجارة، أو أحذيتهم عندما يتاح لهم أن يخلعوا أحذيتهم من أرجلهم، ويرقدون ويدهم على الزناد دقائق معدودة، ولا يتاح لهم أن يناموا في فراش واحد أكثر من أيام قليلة، ثم يرتحلون إلى مكان آخر؟

فالحج يعود المرء على التحرر من سيطرة عادات الطعام والشراب والنوم المتحكمة في كثير من المسلمين، وذلك عندما يتغير أسلوب الطعام ونوعيته على الحاج، وكذلك الشراب والنوم.

الطاعة والتنفيذ: من أهم مقومات الحياة العسكرية طاعة المرؤوس لأوامر رئيسه دون مناقشة، ولا يشترط للمرؤوس أن يفهم الغاية من هذه الأوامر؛ لأن عقله قد لا يدرك ذلك، وعندما يأمر القائد الجندي بأن يأخذ هذه الرسالة إلى القائد الآخر، ويسلمها خلال ثلاث ساعات على الأكثر، فينبغي للجندي أن ينفذ الأمر دون أن يتسائل لماذا؟ أو ماذا يوجد في هذه الرسالة؟ أو لماذا ثلاث ساعات؟.. ذلك أن طبيعة الحرب تفرض أن تبقى الأهداف القريبة «التكتيكية» سرية لدى القادة الكبار فقط، وحتى الضباط الصغار لا يدركون تلك الأهداف، ومع ذلك ينفذون، ويأمرون مرؤوسيهم بالتنفيذ دون إدراك لتلك الأهداف.

وفي الحج أمثلة كثيرة على ذلك، أشهرها رمي الجمرات، إذ ينفذ الحاج ما أمره ربه- سبحانه وتعالى- به من رمي سبع حصيات على جمرة العقبة الكبرى صباح يوم العيد، ثم يعود في اليوم الثاني ويرمي الجمرات الثلاث بسبع حصيات لكل واحدة، مبتدئًا بالصغرى، ثم يعود في اليوم الثالث ويكرر ما فعله في اليوم الثاني، وهكذا.

ولا يتساءل الحاج لماذا سبع حصيات؟ ولماذا ترمى العقبة الكبرى وحدها يوم النحر؟ ولماذا يرتب الرمي بدءًا من الصغرى وليس من الكبرى؟ لا يتساءل الحاج مثل هذه الاسئلة؛ لأن عقله لا يحيط بذلك، ولأنه ينفذ ما أمره به الله- عز وجل- طاعة له، وهكذا فالحج- مثل الجهاد- تدريب للنفس على الطاعة، وتنفيذ الأوامر.

وأخيرًا نجد الأعداد الكبيرة من الناس في مكان واحد في الحج وفي الجيش، وعند ازدحام الناس تنشأ صعوبات عديدة، تجعل الحياة أكثر صعوبة، ففي الحج يجتمع مليونان «سجل عدد الحجاج في السنوات ١٤٠٣هـ- ١٤٠٧هـ هذا الرقم حسب إحصائيات وزارة الأوقاف والحج في المملكة العربية السعودية» من البشر في عرفات، ويتوزعون بين منى والمسجد الحرام في يوم النحر وأيام التشريق.

وهذا العدد الكبير من الناس يمثل ازدحامًا في التنقل، وكذلك المشاة، إذ ترى سيلًا متصلًا من الحجاج في طريقهم من عرفات إلى الحرم، وترى شدة الازدحام عند رمي الجمرات.

وفي الجيش تجد هذا الازدحام وخاصة عند التنقل، وكذلك في ميدان المعركة عندما تقل سيطرة القادة، ويفقد بعض الوحدات الصغيرة الاتصال بقائدها، فترى المكان يعج بالوحدات «الصديقة»، إلى درجة تعيق تنفيذ مخطط المعركة على الوجه الذي رسمه القادة في مكاتبهم.

وفي الجيش النظامي تجد الوحدة الكبيرة مقسمة إلى وحدات صغيرة، ويتم التحرك بهذه الوحدات الميدانية، وفي العروض العسكرية أثناء الاحتفالات، أو المناورات «التدريبات الميدانية» تجد دقة التنظيم والانسجام بين الوحدات الصغيرة فيما بينها، وعندما يشترك في «التمرين» عدة أسلحة تذهلك روعة التنسيق عندما ترى الطائرات تبدأ غاراتها على العدو ثم يعقبها التمهيد المدفعي، ثم يبدأ زحف المدرعات يتلوها المشاه.. إلخ، وأي خلل في ذلك قد ينتج عنه إصابة المقاتلين بنيران وحداتهم.

وفي الحج نرى أحيانًا بعض الحجاج المسلمين من عدة أقطار منتظمين في مجموعات، ولكل مجموعة مشرفون يدبرون أمرها، ويتفقدون أحوالها، خاصة عند التحرك من مكان إلى آخر، وهذه بوادر طيبة، وعندما تنتظم مجموعات الحجاج يتسع المكان لأضعاف هذا العدد، ويكون أداء المناسك أكثر يسرًا.

ومن أهم نقاط التنظيم في رمي الجمرات التقيد بالطريق الخاص للقادمين للرمي، والطريق الخاص بالخارجين من الرمي؛ لأن المشكلة تحصل عند اصطدام هذين التيارين من الحجاج، وأحدهما قادم والآخر راجع، بحيث يحصل الاصطدام والازدحام، أو التنظيم، فلا يكون إلا بعد توزيع الحجاج على شكل وحدات تنفذ تعليمات قادتها في التحرك والانتقال.

وهكذا يتشابه الحج والجهاد في أن كليهما يدرب المسلم على التربية العسكرية المؤدية إلى النصر والسعادة في الدارين .

صل رحمك.. أحسن إلى جارك اولًا:

يكثرون الحج.. ويرجعون محرومين!

قال أبو حامد الغزالي: إن المعصية ظاهرة، والطاعة ظاهرة، وإنما الغامض تقديم بعض الطاعات على بعض، ومثال ذلك: هناك بعض الناس يحرصون على إنفاق المال في الحج؛ فيحجون مرة بعد أخرى، وربما تركوا جيرانهم جياعًا.

قال ابن مسعود: في آخر الزمان يكثر الحج بلا سبب.. يهون عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، ويرجعون محرومين مسلوبين، یهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار، وجاره إلى جنبه لا يواسيه!

وقال أبو منصور النمار: إن رجلًا جاء يودع بشر بن الحارث، وقال: قد عزمت على الحج، فتأمرني بشيء؟ فقال له: كم أعددت للنفقة؟ فقال: ألفي درهم، قال بشر: فأي شيء تبتغي بحجك؟ تزهدًا واشتيقًا إلى البيت أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: ابتغاء مرضاة الله! قال بشر: فإن أصبت مرضاة الله وأنت في منزلك، وتنفق ألفي درهم، وتكون على يقين من مرضاة الله- تعالى- أتفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: اذهب فأعطها: مديونًا يقضي دينه، وفقيرًا يرم شعثه، ومعيلًا يغني عياله، ومربيًا يتيمًا يفرحه، إن إدخالك السرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان، وكشف الضر، وإعانة الضعيف، أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام،  قم، فأخرجها كما أمرناك، وإلا فقل لنا ما في قلبك.

فقال: يا أبا نصر.. سفري أقوى في قلبي.. فتبسم بشر- رحمه الله- وأقبل عليه، وقال له: المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي به وطرًا، فأظهرت الأعمال الصالحات، وقد آلى الله على نفسه ألا يقبل إلا عمل المتقين.

وقال الغزالي في كتاب «الغرور»: من لا يفي ماله بنفقة الوالدين والحج، ربما يحج وهو مغرور، فهذا ينبغي له أن يقدم حقهما على الحج.

وقال أبو حامد في موضع آخر: «وفرقة أخرى اغتروا بالحج، فيخرجون إليه من غير خروج عن المظالم، وقضاء الديون، واسترضاء الوالدين، وطلب الزاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجة الإسلام، ويضيعون في الطريق الصلاة والفرائض، ويعجزون عن طهارة الثوب والبدن، ولا يحذرون في الطريق من الرفث والخصام، وربما جمع بعضهم الحرام، وأنفقه في الطريق، وهو يطلب السمعة والرياء، فيعصي الله- تعالى- في كسب الحرام أولاً، وفي إنفاقه بالرياء ثانيًا، فلا هو أخذه من حله، ولا هو وضعه في حقه، ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق، وذميم الصفات» «إحياء علوم الدين- بتصرف».

وقال الحسن البصري: يقول ابن آدم أحج أحج، قد حججت، صل رحمًا، نفس عن مغموم، أحسن إلى جار «الزهد لأحمد بن حنبل».

ما أحوجنا لفقه الموازنات والأولويات حقًّا.

د. سید جويل- الرياض

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 131

144

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره