; دراسة فقهية: الحج.. مؤتمر المسلمين الأكبر | مجلة المجتمع

العنوان دراسة فقهية: الحج.. مؤتمر المسلمين الأكبر

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996

مشاهدات 94

نشر في العدد 1196

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 16-أبريل-1996

* فرض الله- سبحانه وتعالى- الحج لغايات وحكم سامية... منها ما تدرك حكمته، ومنها ما لا تُدرك.

* السعي هو هذا المظهر المشهود الذي يربط الدين الواحد من لدن إبراهيم – عله السلام - إلى محمد صلى الله عليه وسلم

قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ * لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰت﴾ (الحج: ۲۷ -۲۸).

لقد وثق الإسلام عرى الترابط الجماعي بين المسلمين بواسطة العبادات والمناسبات؛ فشرع الصلاة جماعة في المسجد، يجتمع المسلم بأخيه خمس مرات في اليوم، ثم شرع اجتماع أهل الحي في صلاة الجمعة كل أسبوع، وشرع للمسلمين الأعياد: عيد الفطر حيث يجتمع المسلمون على مستوى محلي أكبر، ثم شرع الإسلام على المستوى الإسلامي العالمي هذا اللقاء العظيم المهيب عيد الأضحى عيد الحج، شرعه رب العالمين، فحدد زمانه ومكانه ومدته ووسائله وأهدافه، ونظم ورتب أعماله؛ بحيث تؤدى بكيفية معينة في صيغة الامتثال والطاعة والتسليم، لا تردد في التنفيذ، ولا تعليق للتنفيذ على الفهم وإعمال العقل، فالامتثال مطلوب، سواء تحصل المعنى والحكمة أم لم تتحصل، ولم تعقل، وسواء أكان ذلك على مستوى الفرد أم الجماعة.

يجتمع المسلمون في هذا المكان مرة في العام، وهم أجناس وألوان مختلفة، يمثلون القارات، كلهم جاءوا من كل فج عميق ما جمعتهم مصالح خاصة، ولا مغانم زائلة، ولا سمعة ولا رياء، تحملوا المشاق المادية والبدنية ليشهدوا هذا اللقاء العظيم الذي دعا له رب العالمين، اجتمعوا على غير نسب بينهم إلا نسب ووشيجة هذا الدين الذي جمعهم متساوين أمام الله تعالى، وما أجمل قول شوقي وهو يصور هذا الموقف المهيب:

لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم *** لبيت طهور الساح والعرصات 

أرى الناس أصنافًا ومن كل بقعة *** إليك انتهوا من غربة وشتات

تساووا فلا الأنساب فيها تفاوت *** لديك ولا الأقدار مختلفات 

حضروا بناء على هذه الدعوة والأذان تاركين ديارهم وأموالهم وأهليهم، وجاؤوا ليحوزوا على ما وعد الله تعالى به المتقين، جاؤوا لذكر الله ودعائه، جاؤوا لمغفرة الله وجناته، رغبة في وعده، وخوفًا من وعيده، جاؤوا ضيوفًا على ربهم الرحمن، وحق على المضيف أن يكرم زائره، جاؤوا محملين بالذنوب والمعاصي؛ ليعودوا أحرارًا كما ولدتهم أمهاتهم، تائبين نادمين عازمين على عدم العود معاهدين الله على ذلك.

اجتماع المصالح والتكافل

وكما يجتمع المسلمون لهذه المصالح والمنافع الذاتية، يجتمعون لحكمة وغاية وهدف أشمل وأعم، وهو من أكبر المنافع التي لا تتحصل إلا بمثل هذا اللقاء، إنها منافع المسلمين العامة وأخبارهم، وأحوالهم السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، إنها مناسبة لبث الشجون وعرض المشكلات، إنها اجتماع لتدارس شؤون المسلمين في إطار إيماني، وأسلوب ووسائل إيمانية، وهذا من أخص المنافع التي من أجلها يجتمع المسلمون في هذا المكان وهذا الزمان، ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰت﴾ (الحج: 27-28).

 لقد قدم القرآن الكريم هذه المنافع بصفة عامة، قدمها على الذكر، لبيان أهميتها، وهي منافع عامة إيمانية وفكرية وسياسية واقتصادية وما إلى ذلك، وجاء بصيغة التنكير ليستوعب كل فائدة على مر الزمان، وفي جميع الأحوال، والمسلمون اليوم في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استثمار هذا اللقاء المبارك، فلقد دالت دولتهم، وتفرق جمعهم، وتبددت ثروتهم، وغزاهم عدوهم؛ ففرقهم عن حبل ربهم المتين، وهدي دينهم القويم، واستبدل القوانين بقرآنهم الحكيم، وبث فيهم داء الأمم السابقين، فحزبهم أشتاتًا ذات اليمين والشمال، وظهر كل فريق عدوًا لفريق، فاحتدم الخصام بينهم، ثم العداوة، ثم القتال، وفاز باللذة والمغنم العدو اللدود، العدو الحقيقي الخبيث عدو الله والدين. 

إن المسلمين اليوم كثر بين أمم الأرض، تتمتع بلادهم بكل مسوغات الحياة والتقدم والحضارة والريادة، لكنهم خِلوٌ من هذا كله، إنهم في حاجة إلى جمع الكلمة، في حاجة إلى مثل هذا اللقاء الأكبر، في حاجة إلى أن يكونوا على مستوى الحدث العظيم، ونخشى أنهم إن اجتمعوا هذا الاجتماع العام بعد العام، ولم يفطن بعضهم لحال بعض، ولم يتدارسوا أحوالهم، ويكمل بعضهم بعضًا، نخشى أن لا يحققوا مقاصد هذا اللقاء المرتجاة من ذكر الله، ولم يستجيبوا للأذان الداعي إلى تحقيق المنافع ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ﴾ (الحج: 28).

ألا ما أعظم هذا اللقاء المهيب لو أحسن المسلمون وأنصفوا حالهم، كم من بلاد سيرفع عنها ظلم الظالمين، ويرفع عنها كيد الكائدين، كم من بلاد ستخرج كنوزها فتفيد وتستفيد، وكم من عقول نابغة ستنشط، وتساهم في ركب حضارة أمتها، كم من مشرد سيأوي إلى حصن حصين، وكم من مهاجر سيعود إلى بلاده يعمل ويقدم نتاج فكره وعلمه، وكم.... وكم.... وكم...... وهذه المعاني كلها والأفكار المتتالية تعرض نفسها على المسلم حين يزور تلك الديار المباركة، فيزور بيت الله كعبة وقبلة المسلمين، ثم يزور رسول الله، فيفيض دمعه أسى لما يرى من حال المسلمين، ويتذكر عند قبر هذا الرسول الكريم عزة الإسلام وقوة المسلمين، ولا أبلغ من قول شوقي في تجسيد هذه المشاعر والمعاني:

إذا زرت– يا مولاي– قبر محمد *** وقبلت مثوى الأعظم العطرات

وفاضت مع الدمع العيون مهابة *** لأحمد بين الستر والحجرات

فقل لرسول الله: يا خير مرسل *** أبثك ما تدري من الحسرات 

شعوبك في شرق البلاد وغربها *** كأصحاب كهف في عميق سبات

بأيمانهم نوران: ذكر، وسنة *** فما بالهم في حالك الظلمات؟

وذلك ماضي مجدهم وفخارهم *** فما ضرهم لو يعملون لآت؟

وهذا زمان أرضه، وسماؤه *** مجال لمقدام كبير حياة 

مشى فيه قوم في السماء وأنشؤوا *** بوارج في الأبراج ممتنعات

فقل رب وفق للعظائم أمتي *** وزين لها الأفعال والعزمات

امتثال مطلق

الحج عبادة عملية بدنية، إلى جانب كونه عبادة قلبية، يؤدي المسلم الشعائر ممتثلًا طائعًا، وإن لم تظهر له الحكمة من كثير من هذه الشعائر، فيؤديها امتثالًا لقول النبي: «خذوا عني مناسككم».

وهذا الامتثال نوع من أنواع العبودية الخالصة، فإن العبودية كما تكون فيما تظهر حكمته، تكون– وهذا أولى– فيما لا تظهر حكمته للعبد المسلم، ولذا قال عمر بن الخطاب– رضي الله عنه– حين قبل الحجر الأسود: «والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك»، فعمر ينفي الضرر والنفع الذي كان يعتقده العرب في جاهليتهم للأحجار والأوثان، وهذا لا ينفي أن في تقبيله تعظيمًا لأمر الله- تبارك وتعالى- وحصول الأجر والثواب، وفي قول عمر– رضي الله عنه– معنى الاستسلام والطاعة والالتزام بامتثال الأمر، وإن لم تكن الحكمة ظاهرة، وهذا هو روح العبادة الحقة.

الحج تجرد الظاهر وصفاء الباطن

الحج شعور المسلم بأنه مقبل على الله- تبارك وتعالى- يناجيه جهارًا وإسرارًا ملبيًا «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، إنه إعلان بصوت عال بالبراءة من كل شرك، وإخلاص العبودية لله وحده، وهذا هو الشعور الحقيقي الذي يريد الإسلام أن يرسخه في باطن المسلم، وتظهر آثاره على ظاهره، فالكل أمام الله- تعالى- في صعيد واحد ومظهر واحد، هدفهم واحد وإن اختلفت أحوالهم بين غني وفقير، واختلفت أجناسهم ولغاتهم، والتفاضل بينهم على كل حال إنما هو بمخبرهم لا بمظهرهم.

الحج تلبية وأذان

الحج تلبية لنداء أبينا إبراهيم الخليل– عليه السلام– حين قال: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ (إبراهيم:٣٧).

والحج في ذات الوقت دعوة وأذان من إبراهيم بلغه لنا النبي عن الله: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ * لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰت﴾ (الحج: 27-28).

وإن هذه التلبية والأذان إنما يمثلان ربط الماضي بالحاضر المستمر إلى يوم الدين، ويعلنان أن دين الله واحد، دين الحنيفية السمحة، يلتقون في قبلة واحدة، وقيادة واحدة هي قيادة المصطفى البشير محمد، وما زالت دعوة أبينا إبراهيم ونبينا محمد- صلوات الله وسلامه عليهما- قائمة مباركة، فما زالت أفواج المسلمين تفد وتهوي أفئدتها إلى بلد الله الحرام، وما زال المسلمون تتحرق نفوسهم شوقًا كلما نادى منادي الحج، وحان موعد اللقاء الأكبر؛ فيتركون كل غال، ويتحملون المشاق والصعاب في سبيل هذا اللقاء.

الحج إعلان للوحدانية

كان الحج على عهد أبينا إبراهيم- عليه السلام- خاليًا من مظاهر الشرك وشوائبه، فقد كان دين الحنيفية السمحة ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(البقرة:135)، ولما بعد العهد بدين إبراهيم- عليه السلام- زين الشيطان للناس ألوانًا من البدع والمنكرات؛ حتى دخلوا في دائرة الشرك، فأدخلوا الأصنام بيت الله- تعالى- فوضعوها حول الكعبة وفوقها، واختلطت شعائر الحج ومناسكه وأصبحت شركًا كلها، فلما بعث الله محمدًا بدين الحنيفية والوحدانية، كان أول ما قام به حين فتح مكة تطهير البيت من الأوثان والأصنام بأمر الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ (إبراهيم:٢٦)، وكان شعار المسلمين- ولا زال- هو شعار إعلان الوحدانية، وحرب الشرك وأهله، «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وأزال النبي– صلى الله عليه وسلم- الأوثان والأصنام بيده الشريفة، وأعلن مجيء الحق وزهوق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا، وأمر المسلمين أن يتلقوا الشعائر عنه­ صلوات الله وسلامه عليه- مباشرة، فقال: «خذوا عني مناسككم..»، فتم الحج نقيًا صافيًا كما أراده المولى- عز وجل- خالص العبادة مفردًا الله- تبارك وتعالى- بالألوهية والربوبية تمامًا كما كان الحال على عهد أبينا إبراهيم عليه السلام.

مشروعية الحج

فرض الله- تبارك وتعالى- الحج لغايات وحكم سامية، منها ما تدرك حكمته ومنها ما لا تدرك، وكلها تجتمع في تربية المسلمين على السمع والامتثال والتسليم لأمر الله، عقل المسلم المعنى وأدرك الحكمة أم لم يدركها، فإن أداء العبادة مع عدم إدراك الحكمة أبلغ في الامتثال، وسوف نبين بعض ما يمكن معرفة الحكمة منه، والفوائد التي يحوز عليها المسلمون من مناسك الحج، قال تعالى: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ﴾ (إبراهيم:٢٨).

النية

إن أول ما يبدأ به المسلم أن يعزم النية على الحج بنية خالصة لله- عز وجل- وهو مدرك لمشاق الحج وتكاليفه المالية والبدنية، وفي هذا تدريب على الطاعة والكلفة، رغم ما يعلم ويوقن المسلم من مشاق تواجهه، وإن مما يلحظه المسلم حينما يعزم على الحج، ويبدأ به، أن يجد من نفسه خفة ونشاطًا، ويؤدي مناسك الحج بهمة ونشاط قد لا يعهدهما من نفسه وصحته وبنيته، رجلًا كان أو امرأة، ولو كانا كبيرين، وهذا من بركة وإخلاص النية لله تبارك وتعالى. 

وإن مغادرة الوطن، وترك الأولاد والأهل نوع من التحمل النفسي، فإن غايته ليست إلى دنيا يصيبها، أو متعة من متع الدنيا يحوزها، أو سياحة إلى أرض يرتاح في ربوع جمالها، وإنما يترك وطنه وأهله إلى أرض خالية من هذا كله، وإلى مساحة من الأرض ضيقة صغيرة، تجتمع فيها مئات الألوف على صعيد واحد، إنه يرتحل إلى مشاق لا شك سيلاقيها في أدائه للمناسك، بل ويعرض نفسه– رجلًا كان أو امرأة– لمخاطر عديدة، مخاطر الطريق، مخاطر الزحام، ومخاطر الأمراض وما إلى ذلك، وهذا كله يعرفه ويسمعه ممن حج قبله، أو ربما عايشه في حج سابق، ومع ذلك لا يرد على ذهنه شيء من ذلك، بل يرد عليه شيء واحد، هو تلبية الدعوة، تلبية النداء، تسبقه أشواقه إلى مرضاة الله- تبارك وتعالى- ورضوانه وعفوه، فكل شيء ملك لله، المال والصحة والأولاد والدور والقصور، فله الملك كله، والنعمة والحمد كله «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك..».

الإحرام...

والإحرام نوع من اللباس الذي لم يعهده المسلم في حياته العادية، فيتنظف ويغتسل استعدادًا له، ثم يلبس هذين الثوبين الأبيضين اللذين لم تدخلهما صفة الخياطة والتطريز والنقوش، ولا مظهر فيهما من مظاهر الحياة والعمل في هذه الدنيا، بل ليس فيهما جيوب يضع فيهما ما يستعين به على الحياة، صفته البساطة، يلبسه المسلم فيذكره بالموت، فهذه حاله حين يغادر هذه الدنيا، يلف بثياب بيض ليس لها جيوب، فقد ترك كل مال وعقار وأبناء وأهل خلفه، وأقبل على ربه وحده، بعمله فحسب، فهكذا الإحرام، يتجرد المسلم من مظاهر الدنيا وزينتها، مكتفيًا بما يستر عورته، وما يشترك في القدرة على تملكه صاحب الملايين، وصاحب الدنانير والفلوس، الكل أمام الله في مظهر واحد، والتفاضل والتفاوت بينهم إنما يكون بمقاماتهم، فمنهم المخلص المخبت المطيع التائب الآيب لأمر ربه، ومنهم من هو دون ذلك بقليل أو كثير. 

وكما أن الإحرام تجرد من مظاهر الترف والزينة الظاهرة، هو في الحقيقة يعني التجرد واقعًا من كل ما يغضب الرب- تبارك وتعالى- إنه يعني التجرد من المعاصي واقتراف الذنوب، فحينما يرفع المسلم الدعاء والنداء «لبيك اللهم لبيك» ينبغي كي يجد جواب هذه التلبية من الله- تبارك وتعالى- أن يكون مطعمه ومشربه وكل أمره حلال وغذي بالحلال، وأن يكون واقعه ظاهره وباطنه ملبيًا أمر ربه، مجتنبًا نهيه على الحقيقة، أو أنه يعزم عزمًا أكيدًا على التوبة والإخلاص، ويعبر بلسانه عن عزمه «لبيك اللهم لبيك»، فهكذا ينبغي أن يتفق الظاهر والباطن، وكذا شعائر الله كلها في الإحرام، وفي الطواف والسعي والرمي والوقوف بعرفة، وسائر الشعائر.

الطواف...

الطواف أن يعبد الله- تبارك وتعالى- بأسلوب وطريقة غير معهودة له في عبادته اليومية، فالطواف صلاة، لكنه يختلف عن الصلوات المعهودة، صلاة عملية، يدور المسلم فيها حول محور واحد- مهما كثرت أعدادهم- محور واحد هو هذا البيت العتيق بيت الله الكريم، إنه عنوان التعلق بالله الواحد القهار، عنوان التفاف المسلمين حول راية واحدة مهما تباعدت أقطارهم وديارهم، واختلفت أجناسهم وألوانهم، يبتدؤون من نقطة دوران واحدة من الحجر الأسود، وينتهي كل شوط عنده أيضًا.

السعي

السعي هو هذا المظهر المشهود، هذا التحرك الجماعي من نقطة إلى نقطة، مظهر ترى فيه العزم والتصميم، وترى فيه الهمة والقوة، مظهر فيه ربط الماضي بالحاضر، مظهر الدين الواحد من لدن أبينا إبراهيم- عليه السلام- إلى نبينا محمد– صلى الله عليه وسلم- مظهر المشاعر الواحدة بالجموع الهادرة، ترتفع الأصوات، وتختلف اللغات واللهجات، ولكن المعاني واحدة معاني العبادة والدعاء والتضرع إلى الله تبارك وتعالى.

الوقوف بعرفة.

إلى عرفات الله يا خير زائر.....عليك سلام الله في عرفات

إن هذه العبادة لون آخر يختلف عن بقية مشاعر الحركة الدائبة غير المستقرة كعبادة الطواف والسعي، إنها عبادة الوقوف أو الثبات في مكان واحد يجمع الحجاج كلهم في وقت واحد، في ساحة واحدة، بعد أن كان بعضهم في طواف، وبعضهم في سعي، وآخرون في غير ذلك من العبادات اجتمعوا في هذا الصعيد، صعيد عرفات، الكل هاهنا، لا أحد يختلف، والكل متكاتف مثل كتلة بشرية واحدة متراصة، إنها عبادة الابتهال الجماعي، مظهر لا يتكرر في أرض الناس جميعًا في كل قاراتهم إلا يومًا في السنة وساعات معدودة في هذه السنة.

مئات الألوف في هذا المكان في هذه البقعة المحدودة، الكل على موعد هاهنا، فالحج عرفة، لا يمكن أن يتخلف أحد عن شهود هذا التجمع الرهيب، فمن فاته الوقوف فاته الحج، فلا يتخلف إلا صاحب عذر قاهر ليس له من دونه قدرة ولا شأن.

في عرفات الله ترتفع الأكف، وتبح الحناجر بالدعاء والابتهال إلى الله الكريم، والألوان والأجناس واللغات واللهجات كلها مختلفة، لبت ذاك الدعاء القويم، ثم النداء الكريم دعاء أبينا إبراهيم، هذه هي الأفئدة ترد من كل مكان، وها هم يلبون أذان النبي- صلى الله عليه وسلم- مبلغًا عن ربه دعوة إبراهيم- عليه السلام- قد وفدوا من كل فج عميق؛ ليشهدوا مصالحهم ومنافعهم الخاصة والعامة والفردية والجماعية.

رمي الجمار.

ويرمون إبليس الرجيم فيصطلي *** وشانيك نيرانًا من الجمرات

إن رمي هذه الحصيات الصغيرات رمز معاهدة المسلم لربه على السمع والطاعة والإقبال عليه، ومخالفة هوى النفس، وعدم اتباع الشيطان، إنها شعيرة من الشعائر فيها معنى الإصرار العملي على النبذ والترك بقوة، فإن من يرمي هدفًا محددًا فإنما يعلن عدم رضاه، بل ومعاداته له معاداة لا لقاء بعدها، وفي ذات الوقت هو عهد لمن أمر بهذا الفعل بأن يسمع له ويطيع، فهو جهة التلقي في كل أمر وشأن، في المحبوب والمكروه، في القليل والكثير، فيما تظهر حكمته وما لا تظهر، إنه موقف ليس فيه خيار، إما طريق الله أو طريق الشيطان، طريق الهداية أو الغواية، طريق الحياة، أو طريق الموت، طريق الجنة والخلود أو طريق النار والخلود. 

وهكذا شعائر الحج كلها حكم ظاهرة وخفية، وحينما يقدم المسلم على فعلها لا يربط هذا الفعل بما فيها من حكم وفوائد، وإنما يفعلها لأن الله - تبارك وتعالى- أمر بها؛ ولأن رسول الله اداها، وأمر بأدائها، فالحج هو العبادة التي جمعت كل العبادات، ففيه الدعاء والصلاة، وفيه الامتناع عن مباحات وشهوات مشروعة، وفيه البذل من الجهد والوقت والمال، ولذا كان الحج جهادًا، وكان المقبول فيه يعود صفحة بيضاء، مولودًا جديدًا في هذا الكون، ويا رب هل تغني عن العبد حجة  وفي العمر ما فيه من الهفوات

وأنت ولي العفو فامسح بناصح*** من الصفح ما سودت من صفحاتي

جعلنا الله وإياكم من المقبولين، إن الله سميع الدعاء مجيب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 131

144

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره

نشر في العدد 1343

68

الثلاثاء 23-مارس-1999

المجتمع التربوي- العدد (1343)