العنوان المجتمع التربوي: العدد 1310
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998
مشاهدات 60
نشر في العدد 1310
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 28-يوليو-1998
وقفة تربوية
هل تحب طفلك ؟ (1)
قد يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء. فَمَنْ من الناس لا يحب ولده الصغير؟ وهو عين الصواب، حيث لا يتصور أن أبًّا أو أمًّا لا يحبان أطفالهما، إلا في الحالات الشاذة القليلة التي لا تُؤخذ بعين الاعتبار، ولكن العنوان قد يكون أقرب للصواب عندما نوجه سؤالًا آخر للوالدين، وهو: هل استطعتما إيصال هذا الحب للأطفال؟ وهل شعروا بوصول هذا الحب أم لا؟
إننا لا نختلف في حقيقة حب الوالدين لأطفالهما، ولكن المشكلة التي يقع فيها الكثير من الوالدين هو الجهل بآلية إيصال هذا الحب للأبناء، وبالتالي فإن الأطفال وهم ينمون لا يفهمون ما في بواطن والديهم. وإنما يفهمون فقط السلوك الظاهري تجاههم، وإذا كان هذا السلوك لا يبدو في ظاهره وسائل الحب، فإنهم يستقبلون في عقلهم الباطن ما يدل على حب والديهم لهم. حتى تترسخ من قناعة عند شبابهم أن والديهم لا يحبانهم، ومن هذه البوابة تبدأ رحلة الانحراف والتمرد واللامبالاة.
وقد يتساءل القارئ الكريم عن علاقة الحب وإعطائه للأطفال، وقضية الانحراف والتمرد.
لا يمكن لبشر خلقه الله أن يتقبل من الآخر حرفًا واحدًا أو يتأثر به، ويغير سلوكه من أجله إلا إذا «تقبله»، وهذا التقبل أو الاستعداد للتغير لا يتم عند هؤلاء الأطفال أو غيرهم إلا إذا «شعروا» أن الطرف الآخر الذي يريد إحداث هذا «التغيير» يحبهم فإذا أراد الوالدان صياغة أبنائهما بالطريقة التي يريدانها، فلا مفر من إيصال رسائل الحب للأبناء بتدفق دائم لا ينقطع، ولكن كيف توصل هذه الرسائل؟ هذا ما سنعرفه من المقال القادم .
أبو خلاد
سمات لابد منها
مما تميز به عصر النبوة وتابعيهم عن غيرهم من الأمم التالية إلى عصرنا هذا، بكاؤهم على الذنوب التي ارتكبوها، وإن كانت صغيرة لا تذكر، ليس كما هو الحال في المادية الطاحنة والرأسمالية الماحقة التي نعيشها اليوم.
كانوا رجالًا حريصين على نظافة سجلهم الأخروي من أدران الدنيا ومائها الكدر، رجالًا لم يتركوا للنفس فرصة كي تألف الذنوب والمعاصي، وذلك بدوام التفتيش فيها وصرمها بالطاعات والقربات، وإلزامها بالتصبر على المتع الفانية رغبة في المتع الخالدة الباقية.
ولنا في هذا المضمار سجل حافل بصورة تحث وتدعو إلى استشعار الذنب قبل وأثناء وبعد ارتكابه، ونماذج تشفق عليها من كثرة البكاء جرّاء خطأ وقعت فيه ثم ندمت، فكانت العين بدموعها دليلًا على التوبة والحسرة على ما أقدمت به الجوارح.
قال عقبة بن عامر: قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك ».. ومن أغرب القصص في هذا المجال ما قاله مسمع بن عاصم :انطلقت أنا وعبد العزيز بن سليمان إلى ناشرة بن سعيد الحنفي - وكان قد بكى حتى أظلمت عيناه - فاستأذنا عليه، فأذن لنا، فدخلنا عليه، فسلم عليه عبد العزيز، فقال له ناشرة: أبا محمد؟ قال: نعم ،قال: ما جاء بك؟ قال: جئنا لتبكي ونبكي معك تقدم من سالف الذنوب، قال: فشهق شهقة خر مغشيًا عليه، وجلس عبد العزيز يبكي عند رأسه، وتنادى أهله، فجعلوا يبكون حوله وهو صريع بينهم، فلما رأيت البكاء قد كثر، أنسلت فخرجت... ولا أدري لماذا تمنع العين أن تبكي. أهذا عيب يعير به الرجال؟! حري بمن تشرب قلبه الإيمان والنور أن يبكي على خطرات القلب الفاسدة، وعلى لحظات العيون الخائنة، وعلى لمسات الأيادي المحرمة، وعلى سقطات اللسان الجارحة.
سمع عن أبي جعفر القارئ في جوف الليل وهو يبكي قوله:
ابك لذنبك طول الدهر مجتهدًا *** إن البكاء معول الأحزان
لا تنس ذنبك في النهار وطوله *** إن الذنوب تحيط بالإنسان
عدنان القاضي
لا تنس نفسك
القدوة من أهم الصفات التي يجب أن يحافظ عليها المربي خلال معايشته لإخوانه، فبدونها يصبح كلامه لا وزن له، ويذهب أدراج الرياح، وهذه هي حكمة من حكم إرسال الرسل للناس ليكونوا لبني جنسهم قدوة ومثالًا عمليًّا في تطبيق شريعة الله في واقع الحياة، ولذلك قيل: «فعل رجل في رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل» أي أن ميدان العمل والحركة هو المحك الحقيقي للداعية، فإن كان ممن يجيد تصفيف الجمل والعبارات فقط، فستكشف عورته ويتبين زيفه عندما ينتقل من ميدان الكلام الذي يتقنه الكثير إلى ميدان حياته اليومية بعيدًا عن الشعارات البراقة!!
قل لي بربك يا أخي... أي بناء نرجوه من ذلك المربي عندما يراه إخوانه أول المخالفين لما يدعوهم إليه، خذ على ذلك مثلًا: مربي ينبه إخوانه إلى ضرورة الاهتمام بالوقت والالتزام بالمواعيد، وهم يرونه في الوقت نفسه أكثر المضيعين لأوقاتهم فيما لا يجدي، وأكثر من لا يلتزم بالموعد، فهل تتوقع ممن هم تحت يده إلا التخلق بأخلاقه والتطبع بطباعه؟!
كتب أحمد بن إسماعيل بن الخصيب إلى آخر، ناصحًا: «والناس أشد تحفظًا على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء لأفعاله، وتتبعًا لمعايبه، وتصفحًا لأخلاقه، فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذنب يكبر منه، وقليل الدم يسرع إليه».
ولا بن هندو في هذا المعنى:
العيب في الرجل المذكور مذكور *** والعيب في الحامل المستور مستور
كفوفة ([1]*) الظفر تخفى من مهانتها *** ومثلها في سواد العين مشهور[2]
فانظر وتأمل حفظك الله ورعاك
عبد اللطيف محمد الصريخ
الفوف: البياض الذي يكون في الأظفار، والمفرد : فوفة. (1)
الإمتاع والمؤانسة ج ١، ص ٦٣. (2)