; المجتمع التربوي- العدد 1289 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد 1289

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 78

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 24-فبراير-1998

وقفة تربوية

يكره ترويع المسلمين

     جاء في ترجمة عبد الله بن عوف بن أرطبان التابعي الذي درس على أنس -رضي الله عنه- أنه كانت له حوانيت يكريها، فكان لا يكريها للمسلمين، فقيل له في ذلك، فقال: إن لهذا إذا جاء رأس الشهر روعة، وإني أكره أن أروع المسلم (صفة الصفوة ٣/310).

     هذا الإحساس المرهف الذي يملكه هذا التابعي الجليل الذي تربى على يد الصحابي الجليل خادم النبي ﷺ أنس- خلق عظيم يحتاج إليه دعاة اليوم أكثر من أي وقت مضى، فالإحساس بمشاعر الآخرين ومراعاة هذه المشاعر خلق يفقده الكثير من الناس، بل إن هذا الإحساس يتجاوز عند أصحاب التقوى البشر إلى الحيوان، ليعلمنا الرسول ﷺ ويؤصل فينا هذا الخلق الكبير، فقد جاء في الصحيح أن بغيًا من بني إسرائيل غفر الله لها بسبب إحساسها بعطش كلب فسقته الماء، وأن امرأة دخلت النار في هرة لم تطعمها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، وأن رسولنا العظيم ﷺ أوقف جيشًا كاملًا بسبب قبرة أحس بفقدها لولدها، فأوقف الجيش ليسألهم عمن نكب هذه القبرة بولدها، ولم يأذن بتحرك الجيش حتى خرج من أخذ ولد تلك القبرة، إن الإحساس بالآخرين وبمشاكلهم وهمومهم صفة كبيرة من صفات الدعاة من ملكها ملك القلوب، ومن فقدها فقد القلوب. أبو خلاد

نماذج من مواطن الشكر في القرآن الكريم. 

بقلم: محمد يوسف شاهين. 

     شكر النعمة محمود في المواطن كلها، لا سيما عند تجدد النعم ورفع البلاء، وهو أشد طلبًا لدى التوفيق إلى الطاعات، وأداء واجب الدعوة والنهوض بأعبائها، ولقد ذكر القرآن الكريم الكثير من المواطن التي تستوجب الحمد والشكر، نستعرض نماذج منها:

 الشكر عند تجدد النعم: إذا أكرم الله المؤمن بنعمة من نعمه -عز وجل- فإن أول واجباته أن يبادر إلى شكرها، وحمد خالقه على ما وهب وأنعم، وتوجيه ذلك في طاعة المنعم، والبعد عن معاصيه، وقد طبق هذا المنهج الرسل الكرام كما حكاه لنا القرآن الكريم.

سيدنا إبراهيم يشكر ربه -تعالى- على نعمة الولد: لقد رزق سيدنا إبراهيم الولد على الكبر، فكان أول صنيعه التوجه إلى خالقه بالشكر والثناء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (سورة إبراهيم:39)، كما دعا ربه على الإثر أن يوفقه وذريته لأداء ما فرض عليهم من حقوق الله -تعالى- بأن يرزقهم المغفرة، ويعم المؤمنين جميعًا ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (سورة إبراهيم:40-41)

     داود وسليمان -عليهما الصلاة والسلام- قابلا نعمة الله بشكرها، وشكر واهبها، وأعلنا ذلك، ليكونا أسوة للمؤمنين: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (سورة النمل:15).

      فكم ممن آتاه الله فهماً في كتابه وعلمًا بأحكامه وإدراكًا للكثير من مرامي السنة النبوية نقول: كم من هؤلاء من يؤدي شكر ما وهب قولًا وعملًا؟ إن أكثرهم أعرض عن شكر نعمة الله، ورضي أن يسخرها لخدمة من حاد الله ورسوله، طمعًا في مغنم عاجل، أو تحصيل لعاعة من دنيا فانية، إن لم تزل عنه في حياته فهو زائل عنها لا محالة.

     ولقد أمر الله -تعالى- سيدنا محمدًا ﷺ أن يشكره، ويسبح بحمده في مواطن كثيرة ومتعددة حكاها القرآن الكريم. من ذلك: 

عند القيام بواجب البلاغ وتوصيل الدعوة إلى الآخرين: ولا شك أن هذا نوع من النعم عظيم، وثوابه عميم، وقلما يجد المسلم في صحيفته أعمالاً توازي مواقف نصرته لدعوته، سواء أكان ذلك ببيان محاسنها، أم برد شبهات الأعداء وبيان كذبهم في مهاجمتها، فلنتأمل موقف الرسول ﷺ وهو يخاطب قومه: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (سورة النمل:91-92).

عند التوفيق لأداء التكاليف وتطبيقها: وقد أمره ربه -عز وجل- بعد هذا مباشرة أن يتوجه بالحمد والشكر إلى خالقه -سبحانه- وأن يعلن هذا في قومه ويجبههم به من غير خشية ولا مداراة ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سورة النمل:93).

النهوض بالتكاليف: تطبيقًا وسلوكًا، ثم الحرص التام على نشر الدعوة، والقيام بواجب البلاغ كل هذا مهمة الدعاة بعد الرسل، فهم مطالبون بالنهوض بأعبائه، وتحمل كل عناء في سبيل تخفيفه غير مبالين بصدور الناس وإعراضهم، أو لومهم وإعناتهم، فالمؤمن الصادق محروس بعين الله معان بتوفيقه -سبحانه- فإذا نهض الداعية بما أنيط به من الواجبات صابرًا شاكرًا، فقد سلك سبيل أصحاب الدعوات، واهتدى بهدي أولي العزم من الرسل، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ  وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ (سورة الطور:48-49).

 عند دفع البلاء وإحباط كيد الأعداء: وهذا من المواقف التي تستحق جزيل الشكر وعظيم الثناء على الخالق -عز وجل- فكم من كربة ضاقت واستحكمت حلقاتها، حتى ليظن المبتلى أنه قد وكل إلى نفسه، وأن ما أصابه ذاهب به لا محالة، فإذا بالفرج يأتيه على قنوط منه وإياس، وخير ما تقابل به هذه النعم هو شكرها، والإذعان لواهبها -عز وجل- وهذا ما وجه الله -تعالى- نبينا ﷺ إلى فعله، قال -تعالى-: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (سورة الحجر:95-98).

     ويتكرر هذا التوجيه الرباني في أماكن متعددة من القرآن كما في قوله -تعالى-: ﴿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (سورة ق:39). 

عند إذعان الأعداء واعترافهم بصدق مبادئ الإسلام: وهذه من النعم الجزيلة التي تستحق شكر الخالق -عز وجل- وهل هناك من أمنية أغلى -عند المسلم- من اعتراف الناس بعظمة هذا الدين وتصديق ما جاء به صاحب الرسالة ﷺ قال -تعالى-: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (سورة العنكبوت:63).

     وتتكرر مشاهد الإذعان من أعداء الله -تعالى كما في سورة لقمان- ويكون الأمر الإلهي -فيها جميعًا- مطالبة رسوله بالشكر والثناء على الخالق، كما ورد في سورة العنكبوت سواء بسواء.

عند توضيح مهمة الداعية، وإعذاره للمدعوين ببيان طبيعة دعوته، ونزاهة موقفه واستغنائه عن أموالهم وثرواتهم: قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (سورة الفرقان:56-58).

عند إقبال الناس على اعتناق الإسلام ودخولهم في دين الله أفواجاً ونبذهم ما عداه من الأديان: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (سورة النصر:1-3).

عند القضاء على الشرك وأهله، وإزالة الفساد ومحو معالمه من الأرض: قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (سورة الأنعام:44-45).

عند النجاة من الأعداء الظالمين والطغاة المتجبرين: فما برح الدعاة -منذ فجر الرسالات- مستهدفين من أعداء الله، يقصدونهم بالأذى مواجهة، أو يكيدون لهم في الخفاء، ويؤلبون عليهم أهل السفاهة والجهالة، ولا يتركون وسيلة للنيل منهم والإساءة إليهم إلا اتخذوها، ولكن الله -تعالى- لا يتخلى عن أهل طاعته، وحملة رسالته فيمن عليهم بالفرج من حيث لا يشعرون، ويأتيهم النصر من حيث لا يحتسبون.

     وقد أمر الله -تعالى- أولياءه بالمزيد من الحمد والشكر عندما توافيهم أسباب النجاة، ويتحقق لهم موعود الله عز وجل، وقد حكى الله -تعالى- لنا صورًا كثيرة من ذلك في القرآن الكريم من تلك الصور: استجابته لنبيه نوح ﷺ وأمره له بالحمد والشكر، قال -تعالى-: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ  فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (سورة المؤمنون:27-28).

     نعم إنها منة كبرى أن ينجو المؤمن من كيد أعدائه، وينطلق لتبليغ دعوة ربه، ونشر تعاليمها وهو آمن في سربه مطمئن إلى مصيره ومستقبله، إنها نعمة تستحق الشكر والثناء على الخالق، بل مهما شكرها صاحبها فلن يبلغ كفاء ما يجب عليه؛ لأن الشكر ضرب من العبادة، وتأديته في مواطنه فرض لا يعذر تاركه.

     عند اطمئنان القلب بالتوحيد الصادق، والعقيدة السليمة، وإفراد الله -عز وجل- بصفات الجلال والكمال، وتنزيهه عما لا يليق به -سبحانه- والركون القلبي إلى أن الله -تعالى- أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، قال -تعالى-: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (سورة الإسراء:111).

     أخرج الإمام أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ- آية العز: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (سورة الإسراء:111).

     نعم إنه لعز وأي عز، إنه العيش في كنف الإيمان، والاطمئنان إلى القوة العادلة ومصدر الخير كله، إنه الركون إلى فضل الله -سبحانه- والعيش في ظلال رحمته، فهل ثمة عز يوازي ذلك أو يدانيه، اللهم وفقنا لطاعتك، وألهمنا شكر نعمائك. 

وقفات مع النفس: 

     لا بد للمسلم من أن يحاسب نفسه، وأن يقف معها بين الحين والآخر، بل عليه أن يخصص جزءًا من يومه وليكن آخره ليراجع هذه النفس العجيبة التي هي كالرضيع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مقدمة طويلة طالما اعتدنا سماعها من فوق المنابر وفي ثنايا الكتب ومقدمات الدروس، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ما مدى تطبيقنا العملي لهذا الأمر في أرض الواقع؟ أعتقد أن الإجابة لدى قطاع عريض من المسلمين دون المستوى المأمول، وجوانب المحاسبة للنفس كثيرة، أهمها صلة هذه النفس بخالقها وبارئها وموجدها من العدم، والتي فرطت في جنبه كثيرًا، وتناست في الأولى الفانية ما عند الله في التالية الباقية، فتمردت واستأسدت وانطلقت لا تلوي على شيء، وهاجت وماجت وجربت كل ما عُرض لها من الشهوات والملذات الدنيوية، ثم أدركت أن مردها إلى الله سبحانه، ولكن هذه النتيجة قد لا تصلها النفس إلا بعد فوات الأوان، فهل من رجعة يا نفس؟

     وهناك جانب مرتبط بهذا، ألا وهو ماذا قدمت هذه النفس لدينها ومعتقدها الذي تفخر وتباهي بالانتساب إليه؟ هل قدمت الصراخ والعويل والبكاء، كما قدم غيرها الشجب والتنديد والاستنكار؟ هل ألقت اللوم على الآخرين عندما تصاب أمتها بنكسة أو بلاء أو كارثة؟ هل تعامت أو عميت عن واقع أمنها المرير وما آلت إليه من تشرذم وتفرق؟ هل... هل... أسئلة كثيرة تطرح أمام هذه النفس، وجانب آخر هو جانب التعامل مع الآخرين ذلك الميزان الوثيق الذي قلما يضبطه الإنسان فتراه يقذف بالكلمات هنا وهناك، لا يلقي لها بالًا، وينسى في غمرة هذا البريد الشيطاني الذي يوصلها إلى المقابل بأسماء كثيرة، فيقول له: لقد استهزأ بك بهذه الكلمة، بل لقد أراد أن يفضحك، بل ربما أحسب أن يكشف عيوبك، وتتواصل هذه الرسائل عن طريق هذا الناقل الموبوء، وقد تجد لها مرتعًا خصبًا في قلب المقابل، تعشعش فيه بفضل سوء ظنه، وتحميله الكلام ما لا يحتمل، وعدم سلامة صدره، فتحدث الجفوة التي بدورها تؤدي إلى التقاطع والخصام، هذه بعض الوقفات التي ينبغي أن يقفها المرء المسلم مع نفسه، وعليه أن يكون صريحًا مقدامًا مؤثرًا ما عند الله، راجياً عفوه وتوفيقه، وما ذلك على الله بعزيز، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. فيصل ناصر الهاجري

تعال نؤمن ساعة:

إعمال الفكر طرق كسب الثواب.

     من الدعاة من يبتكر الحيل الذهنية لجذب الناس إلى الدين، كذلك الداعية الذي أراد دعوة طبيب مشهور فدفع قيمة الفحص، ولما جاءت نوبته دخل عليه فتهيأ الطبيب لفحصه، فإذا به يخبره أنه ليس بمريض، وإنما يرغب أن يذكره بالله، وينصحه في الدين، وراح يفعل ذلك حتى رق قلب الطبيب، وتأثر بموعظته، وأراد أن يرد عليه قيمة الكشف فأبي قائلًا: هذه قيمة ما استغرقته من وقتك. 

     فحب الدعوة واستشعار فضلها وعظمها دفع بهذا الداعية إلى تلك الفكرة التي ربما فتحت بابًا من الخير كبير، وعن شيبة بن نعامة قال: كان علي بن حسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به.

     وعن عمرو بن ثابت قال: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره فقالوا: ما هذا؟ فقالوا: كان يحمل جراب الدقيق ليلًا على ظهره، يعطيه فقراء أهل المدينة، وكان أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين.

     فهم الآخرة إذا ما تشربته النفوس وتملكها، وكان هاجسها وغاية مطمحها توالت أفكار الخير تتري، يتحدر منها سيل البركات وجميل الخيرات، وتتفتح أبواب الخير مشرعة، فمن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية عند ربه بإذن الله مشرقة.

      ما أعظم هؤلاء الهواة، وما أزكاها من هواية تتجاوز سفاسف الأمور، وتتسامى بصاحبها إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين!

محمد عبد الله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1213

125

الثلاثاء 20-أغسطس-1996

المجتمع المحلي- العدد (1213)

نشر في العدد 1334

76

الثلاثاء 12-يناير-1999

المجتمع المحلي (العدد 1334)

نشر في العدد 1279

87

الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

المجتمع التربوي عدد 1279