; المجتمع التربوي : العدد1407 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي : العدد1407

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-2000

مشاهدات 74

نشر في العدد 1407

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 04-يوليو-2000

وقفة تربوية

أريد سماع هذه الأغنية!

كان صوت الموسيقى والأغاني الغربية يصم الآذان، وقد جلس ذلك الشاب الصغير في سيارته غارقًا في مقعدها وهو يستمع إليها.

شاهده أحد الدعاة الحكماء الحلماء فلم تطاوعه نفسه أن يمضي دون إنكار فتقدم نحو ذلك الشاب، وسلم عليه وابتسم في وجهه وهو يقول له: أتأذن لي في أن أجلس بجانبك واستمع إلى هذه الأغنية فرحب به وأذن له، وعندما استقر بجانبه، وتعرف إليه، قال له: ما أجمل هذه الأغنية، ولكن هل فهمت منها شيئًا؟

قال الشاب: لم أفهم. 

فقال له: إذا كنت لا تفهم فلماذا تسمع ما لا تفهم؟

 أو لا تعلم أنه قد يكون فيها كلام فاحش أو كلمات جارحة.. يا بني أنت مسلم، وتنتمي لهذا الدين العظيم، تنتمي لهذا القرآن الكتاب المقدس الوحيد الذي لم يتغير، تنتمي إلى ذلك التاريخ العريق فكيف ترضى بأن تقلد ذلك الغربي الذي لا يملك من الأخلاق شيئًا؟

 هل سماعنا للأغاني الغربية علامة من علامات التقدم؟

شعر الشاب بحياء كبير، وفهم الرسالة، وشكر للداعية حديثه، ثم غادر الداعية سيارة ذلك الشاب، وهو يدعو له بالهداية.

 إننا نريد نمطًا من الدعاة يملكون مثل هذه الحكمة، وسعة الصدر في استيعاب الأمور، وحسن التعامل معها.

أبو خلاد

albelali@bashaer.org

يفقد المرء انسجامه الذاتي حينما يخفي حقيقة الواقع بإطار من الأكاذيب

التبرير.. سلاح الضعفاء والقاعدين

التبرير مرض نهايته مؤسفة، ونتيجته مرة على صاحبه، فهو بمداومته على التبرير ينصرف عن إصلاح ذاته، ويفقد انسجامه الذاتي، وعندها يخوض في داخله حربًا هو ساحتها وأدواتها، ومحاربوها والنتيجة تدمير الفرد والجماعة[1]

تعريف التبرير: التبرير كلمة حديثة لا توجد في قواميس العرب الأصيلة، لكن مرادف التبرير هو «التسويغ» لذلك في القاموس المحيط «سوغ أي أجاز لنفسه.....»

ويقول ابن منظور في لسان العرب»: «سوغته: أي جوزته»[2]

ويعرف التبرير كمصطلح نفسي بأنه «العملية التي يختلق بها الإنسان لما يأتيه من سلوك أو ما يراوده من أفكار وأراء، وذلك لكي تحل محل الأسباب الحقيقية»[3]

فالتبرير عملية ستر للواقع والحقيقة بستار تقبله النفس، وتستسيغه بدون أي ردة فعل.

التاريخ يحكي سير المبررين

ويحكي  التاريخ بعض النماذج للمبررين، منها ما جاء في القرآن الكريم، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي  أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا  وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (التوبة: 49). 

يذكر الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: قال محمد بن إسحاق قال رسول الله الله للجد بن قيس لما أراد الخروج إلى تبوك: يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر، تتخذ من سراري ووصفاء؟ فقال الجد: لقد علم قومي أني مغرم بالنساء وأني أخشى إن رأيت بني الأصفر أن أفتن فلا تفتني وائذن لي في القعود، وأعينك بمالي، فأعرض عنه النبي الله وقال: «قد أذنت لك».

ولما علم الجد بن قيس مشقة السفر إلى تبوك.

وصعوبة مواجهة الروم والقتال معهم أراد أن يبرر موقفه، ويحمي ذاته، فاصطنع سببًا وهميًا لذلك هو غرامه بالنساء، وخشيته أن يترك الصف المسلم لأنه لا يستطيع أن يصبر عنهن فيقع في فتنتهن. 

ويعلق شيخ الإسلام أحمد بن تيمية على هذه الواقعة لما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن مما يتعرض به المرء للفتنة صار من الناس من يتعلل لترك ما يجب عليه من ذلك بأن يطلب السلامة من الفتنة كما قال تعالى في المنافقين.. الآيات «الفتاوى ٢٨/ ١٦٦». 

وكذلك اعتذر صنف آخر من الناس بأنهم لا ينفرون في الحر، لذلك قال تعالى عنهم. قال تعالى عنهم ﴿وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ  قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا  لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: 81)

ويقول الأستاذ سيد قطب- يرحمه الله- في ذلك: «فإما كفاح في سبيل الله فترة محدودة في حر الأرض وإما انطراح في جهنم لا يعلم أمره إلا الله».

التبرير قد يطوي المؤمنين

في الأمثلة السابقة بعض النماذج قد لا تكون من مجتمع الصفوة المسلم، لكن الواقع يقول: إن التبرير قد يطول حتى بعض المؤمنين الصادقين يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ  وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: 54).

ذكر القرطبي في هذه الآية ما ورد في صحيح مسلم عن علي أن النبي ﷺ طرقه ليلًا وفاطمة فقال: ألا تصلون؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ثم سمعته وهو مدير يضرب فخذه ويقول: ﴿ َكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: 54) «الجامع لأحكام القرآن ٦/٦». 

قال ابن عاشور يريد النبي أن الأولى بعلي أن يحمد، ويشكر إيقاظ رسول الله ﷺ إياه ليقوم من الليل، ويحرص على تكرار ذلك، وأن يسر ربما في كلام رسول الله من ملام، ولا يستبدل به ما يحبذ من نومه، فذلك محل تعجب رسول الله ﷺ من كلام علي- رضي الله عنه «التحرير والتنوير 15_17\349».

إن العقبة الرئيسة في التبرير عدم الصراحة مع النفس، ذلك أننا نفشل في أن نحدث أنفسنا عن واقعنا، وهذا يرجع إلى أننا تعلمنا منذ طفولتنا وصبانا أن نرتفع إلى مستويات أخلاقية، وصفات سامية، وعالية، لا يسهل علينا الوصول إليها غالبًا.

ولذلك نعمد إلى إخفاء حقيقتنا في إطار من الأكاذيب على النفس حددته أساليب تربيتنا الأولى[4]

إن الصدق مع النفس هو الطريق الواضح والسبيل اليسير، حتى لا تدخل في متاهات التبرير. فمحاسبة النفس على التقصير والوقوف على خطئها يقيها كثيرًا من مصارع السوء، ولا يجعلنا نراكم الأخطاء والواقع أن الصدق مع الذات من أعلى مراتب الصدق وأصعبها.

مروان صالح الصقعبي- الدمام

الهوامش

[1] فصول في التفكير الموضوعي، دبكار، ص ۷۰

[2] لسان العرب، دار الفكر ابن منظور، ج۸/ ٤٣٦

[3] سيكولوجية التبرير محمد عيسوي

[4] قراءة في مشكلات الطفولة ١٤٩

الرابط المختصر :