; آفات على الطريق ٢٨ ( ٣ من ٤).. أسباب الانهزام النفسي وآثاره | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق ٢٨ ( ٣ من ٤).. أسباب الانهزام النفسي وآثاره

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

مشاهدات 110

نشر في العدد 1122

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

·       امتن الله على عباده بمنهاج معصوم فيه صلاح الدنيا وسعادة الآخرة ومن شك فيه يقف وحيدًا أمام حزب الشيطان

في الحلقة الماضية عرض الدكتور سيد نوح لبعض أسباب الانهزام النفسي وبواعثه، وفي هذه الحلقة يستكمل تلك الأسباب ثم يتعرض لآثاره الضارة وعواقبه المهلكة سواء كان ذلك في مجال العاملين أو في مجال العمل الإسلامي.

8- عدم الثقة بالله وبمنهجه

وقد يكون عدم الثقة بالله، وبمنهجه من بين الأسباب التي توقع في الاحتقار والانهزام النفسي:

ذلك أنه سبحانه ذو الكمال والجلال لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وقد امتن على عباده بمنهاج معصوم فيه سعادة الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 57-58)، ووعد بإعلاء شأن هذا المنهج والتمكين له في العالمين، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: 28)

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًاۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًاۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).

وطلب سبحانه منهم أن يصدقوا ذلك تصديقا لا شك فيه ولا ريب أبدا، فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَاۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (التغابن: 8).

ومن شك في الله وفي منهجه، ولم يثق بهما وكله الله إلى نفسه بحيث يبقى وحيدا أمام حزب الشيطان، وحينئذ لا يسعه إلا أن ينهار وأن ينهزم نفسيًا، وربما انقلب فصار من حزب هؤلاء الخاسرين..

9- عدم إدراك نعمة الله في النفس وفي الكون

وقد يكون عدم إدراك نعمة الله في النفس وفي الكون من بين الأسباب التي توقع في الاحتقار والانهزام النفسي:

ذلك أن الله قد امتن علينا في أنفسنا بنعم لا تعد ولا تحصى من السمع والبصر والفؤاد، واعتدال القامة، والأيدي والأرجل، واللسان والشفتين ومن الأعضاء الداخلية ما لا يعلمه إلا هو، كما امتن علينا بمثلها في الكون المحيط بنا من الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب، والأنهار والبحار والهواء، والأرض والسماء، وهلم جرا... فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78) ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 8-10)، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (النحل: 12)

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: 13-16).

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 20-21)، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: 20)، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: 34). ومن غفل عن هذه النعم، أو لم يدركها إدراكًا حقيقيًا، ورأى انتفاع الأعداء واستثمارهم لها، فإنه يصاب لا محالة باليأس والإحباط أو الانهزام النفسي.

10- الغفلة عن العواقب المترتبة على الاحتقار أو الانهزام النفسي

وقد تكون الغفلة عن العواقب المترتبة على الاحتقار أو الانهزام النفسي من بين الأسباب المؤدية إلى الوقوع في الاحتقار أو الانهزام النفسي، إذ من غفل عن العواقب الضارة والآثار المهلكة لأمر ما، وقع في هذا الأمر لا محالة، ومن أجل هذا جاءت طائفة كبيرة من المنهيات والمحظورات مقرونة بعواقبها، وآثارها كي يخاف الناس، ويحذروا، بل ويتجنبوا الوقوع في هذه المنهيات، وتلك المحظورات.

11- الوقوع في المعاصي والسيئات مع الإصرار وإهمال التوبة

وقد يكون الوقوع في المعاصي والسيئات مع الإصرار وإهمال التوبة من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار أو الانهزام النفسي.

ذلك أن للمعصية مع الإصرار عليها وإهمال التوبة عواقب ضارة في الدنيا والآخرة. ولعل من أبرز العواقب الدنيوية الابتلاء بالاحتقار أو الانهزام النفسي.

وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30) ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (الحج: 10).

12- قياس واقع الأعداء اليوم بحاضرنا مع الغفلة عن ماضينا

وقد يكون قياس واقع الأعداء اليوم بحاضرنا مع الغفلة عن ماضينا من بين الأسباب المؤدية إلى الاحتقار والانهزام النفسي:

ذلك أن واقع الأعداء اليوم بالقياس إلى حاضرنا ينطق بأنهم يتربعون على عرش البشرية، ويوجهونها كما يريدون، وأننا لا نعدو أن نكون ذيولًا أو أذنابًا لهم، ولكن هذا الواقع يتغير، ولا يتجاوز أن يكون صفرًا بالإضافة إلى ماضينا المشرق الزاهر الذي يصوره الشاعر بقوله:

ملكنا هذه الدنيا قرونًا                                  وأخضعها جدود خالدونا

وسطرنا صحائف من ضياء                         فما نسي الزمان ولا نسينا

حملناها سيوفا لامعات                                غداة الروع تأبى أن تلينا

إذا خَرَجَتْ من الأغماد يومًا                         رأيت الهول والفتح المبينا

وكنا حين يرمينا أناس                                   نؤدبهم أباة قادرينا

وكنا حين يأخذنا ولي                                      بطغيان ندوس له الجبينا

تفيض قلوبنا بالهدى بأسا                           فما نغضي عن الظلم الجفونا

بنينا حقبة في الأرض ملكا                             يدعمه شباب طامحونا

شباب ذللوا سبل المعالي                               وما عرفوا سوى الإسلام دينا

تعهدهم فأنبتهم نباتا                                     كريمًا طاب في الدنيا غصونا

هم وردوا الحياض مباركات                          فسالت عندهم ماء معينا

إذا شهدوا الوغى كانوا كماة                         يدكون المعاقل والحصونا

وإن جن المساء فلا تراهم                             من الإشفاق إلا ساجدينا

شباب لم تحطمه الليالي                               ولَمْ يُسلم إلى الخصم العرينا

ولم تشهدهم الأقداح يوما                          وقد ملأوا نواديهم مجونا

وما عرفوا الأغاني مائعات                            ولكن العلا صنعت لحونا

وقد دانوا بأعظمهم نضالا                           وعلما، لا بأجرئهم عيونا

فيتحدون أخلاقًا عذابًا                                 ويأتلفون مجتمعا رزينا

فما عرف الخلاعة في بنات                           ولا عرف التخنث في بنينا

ولم يتشدقوا بقشور علم                            ولم يتقلبوا في الملحدينا

ولم يتبجحوا في كل أمر                                 خطير، كي يقال مثقفونا

كذلك أخرج الإسلام قومي                          شبابًا مخلصًا حرًا أمينا

وعلمه الكرامة كيف تبنى                              فيأبى أن يقيد أو يهونا(1)

ومن يقيس واقع البشرية اليوم بحاضرنا ناسيا أو متناسيا أو مهملا ماضينا، ولم تكن لديه ثقة تامة بالله وبمنهاجه فإنه يصاب لا محالة بالاحتقار أو الانهزام النفسي إلى غير ذلك من الأسباب.

رابعًا: آثار الاحتقار أو الانهزام النفسي

وللاحتقار أو الانهزام النفسي آثار ضارة وعواقب مهلكة سواء على العاملين، أو على العمل الإسلامي:

أ- على العاملين:

أما على العاملين فكثيرة، وأهمها:

1- مداهنة بل الارتماء في أحضان الظالمين:

ذلك أن من ابتلي بالاحتقار أو الانهزام النفسي يتصور أن الظالمين والجبارين بمقدورهم أن يعملوا له شيئا، فيداهنهم بل ويرتمي في أحضانهم، على نحو ما نشهده في عالم المسلمين اليوم من مداهنة وانحناء قيادات وتمريغها لوجهها، وأنفها في التراب لا لشيء إلا الخوف والرجاء من هؤلاء الظالمين المتجبرين وأولئك في حقيقة الحال لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورًا فضلًا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم من الخلق.

2- الغزو في النفس وفي الحرمات:

ذلك أن الاحتقار أو الانهزام النفسي يفتح الطريق أمام الماكرين والمتربصين لغزو هؤلاء المحتقرين أو المنهزمين نفسيًا، في أنفسهم وفي حرماتهم، ومقدساتهم من دين، ونسل، وعرض ومال، وأوطان على نحو ما يصنعه أعداؤنا بنا اليوم في فلسطين، وفي غيرها من كل بقاع العالم، وإذا غُزي الإنسان في نفسه، وفي حرماته فماذا بقي له، وما قيمة الحياة بعد ذلك؟

3- زيادة الرصيد من الإثم

وذلك أنه باحتقاره أو انهزامه نفسيًا قد فتح الباب أمام كثيرين ممن لديهم استعداد للوقوع في مثل هذه الآفة كي يحاكوه ويصنعوا مثله، لاسيما إذا كان هو في موقع الأسوة والقدوة ويتحمل هو إثم هؤلاء جميعا انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم: «.... ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»(2).

4- الخسران المبين في الآخرة ما بقي الإصرار ولم تكن توبة:

إذ هو بتضييعه لنفسه، ولغيره قد حمل وزرًا وإثمًا عظيمًا ويلقى ربه بهذا كله، ولا إقلاع ولا توبة فتكون النار والعياذ بالله وهذا هو الخسران المبين حقا، إلا أن تتداركه رحمة الله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ. لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (الزمر: 15-16).

ب- على العمل الإسلامي:

وأما على العمل الإسلامي فكثيرة أيضًا، وأهمها:

1- قلة كسب الأنصار والمؤيدين:

ذلك أن الناس يتأثرون ويقتدون بالأقوياء الواثقين من أنفسهم وبربهم ومنهاجهم، أما المحتقرون أو المنهزمون نفسيا فإن الناس لا يأبهون بهم، ولا يستجيبون لهم، وبذلك يقل حجم الأنصار والمؤيدين.

2- الفرقة والتمزق:

إذ وجود الاحتقار أو الانهزام النفسي في داخل الصف يحدث انقسامًا في هذا الصف ما بين مؤيد نصير وظهير، وما بين معارض منكر وعنيد، الأمر الذي يفتح الباب أمام المتربصين من أعداء الله للولوج والإطباق والتطويق.

3- كثرة التكاليف وطول الطريق:

وهذا شيء بدهي ونتيجة حتمية طبيعية لقلة كسب الأنصار والمؤيدين، ولشيوع الفرقة والتمزق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- أبيات مختارة من قصيدة شباب الإسلام، للشاعر: هاشم الرفاعي: ديوانه ص 383 - 384 وقد ألقاها في ندوة أقيمت بجمعية الشبان المسلمين بمصر مساء التاسع من فبراير سنة تسع وخمسين لمناقشة انحراف الشباب، وأبان في هذه القصيدة عن: خصائص شباب الإسلام.

2- الحديث أخرجه البخاري مختصرا في الصحيح «الترجمة» كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب إثم من دعا إلى ضلالة، أو سن سنة سيئة 9/127. ومسلم في الصحيح كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة 4/201 رقم 2674 (16) وأبو داود في السنن: كتاب السنة باب لزوم السنة 4/201 رقم 4609 والترمذي في السنن كتاب العلم باب ما جاء فيمن دعا إلى هدی 5/43 رقم 2674، وابن ماجه في السنن المقدمة باب من سن سنة حسنة أو سيئة 1/130- 131، وأحمد في المسند 2/397، 505 كلهم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا به ونحوه، وتمام لفظه كما في مسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 71

123

الثلاثاء 03-أغسطس-1971

في البناء

نشر في العدد 216

120

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

نداء إلى شباب الإسلام

نشر في العدد 216

138

الثلاثاء 03-سبتمبر-1974

بريد المجتمع (216)