العنوان المجتمع التربوي (1399)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-2000
مشاهدات 86
نشر في العدد 1399
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 09-مايو-2000
■ وقفة تربوية
■ المثاليون!
فئة من الناس، تراهم في شريحة الدعاة، وفي شرائح المجتمع الأخرى، يطلبون في الآخرون المثالية، فإذا كانوا في صفوف الدعاة، أرادوهم كالأنبياء والصحابة، لا يقبلون منهم أي ضعف بشري، أو أي درجة أقل من المثالية، وإذا كانوا بين الرياضيين فإنهم يطلبون أعلى المواصفات الرياضية فيمن يحتكون بهم.
أما إذا أرادوا الزواج فإنهم يطلبون مواصفات أجمل نساء العالم.. يريدون الولاة كعمر بن الخطاب t ويريدون الشعوب في مستوى الصحابة- رضي الله عنهم.
جاء واحد من هؤلاء إلى الإمام علي رضي الله عنه فقال له: «لماذا كثرت الفتن في عهدك، ولم تكن في عهد عمر رضي الله عنه؟
فقال له علِي رضي الله عنه لأن عمر كان يعتمد على رجال مثلي، أما أنا فأعتمد على رجال مثلك».
كثيرو التأفف من الأوضاع.. وكثيرو الانتقاد.. بينما واقعهم بعيد كل البعد عما يطالبون به من مثالية.. إن أمثال هؤلاء لا يصلحون لتبليغ الدعوات.
أبو خلاد.
■ فقه الأخوة في الله (1 من 2)
• الأخوَّة فريضة شرعية وضرورة حياتية
• المؤاخاة أساس رئيس لبناء الدولة الإسلامية ووقود دافع لسفينة العمل الإسلامي
•تنمو بـ: الحب.. سلامة الصدر.. المكاشفة.. وأدب الخلاف
وليد شلبي
نعيش في هذه الأيام تحديات شتى، لعل أبرزها سيادة المادة في العلاقات الإنسانية، الأمر الذي يتطلب أن نجد معه «فقه الأخوة في الله، لنعرفه، ونعمل به على مستويات العمل كلها، باعتباره الوقود الدافع لسفينة العمل الإسلامي، والروح التي لن نستطيع الصمود بغيرها أما تحديات العصر الراهنة.
أعني بـ «فقه الأخوة» كيف نتعامل بعضا مع بعض، وكيف يفهم بعضنا بعضا، وكيف يعذر بعضنا بعضا، وكيف يحب بعضنا بعضا، بل وكيف نختلف بعضا مع بعض، تحت مظلة الحب في الله؟.
إن العمل الإسلامي في حاجة ماسة لهذا الفقه حتى لا يتسع الخلاف بين أفراد الصف الواحد، وحتى لا تضيع جهودنا جميعا، فالأخوة ليست شعارا يرفع ولا كلمات تردد، ولكنها عمل وفعل وتطبيق، إنها نظام حياة، وتعاون، وتكامل، وتكافل، إنها المرآة التي يرى كل منا فيها نفسه بصراحة، وشفافية، ووضوح، إنها اليد التي تغسل الأخرى، إنها التواد، والتعاطف، والتراحم، إنها الجسد الواحد، والبنيان المرصوص.
فإذا وصلنا إلى هذا المستوى نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريق النصر المأمول، ولنا في المصطفى r القدوة والمثل حين بدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كخطوة أساسية وأولية بعد ترسيخ العقيدة والإيمان في النفوس.
وللعمل على تحقيق هذا الهدف لنا وقفات مع أهمية الأخوة ومنزلتها ووسائل تنميتها وحمايتها، ثم أثرها على الفرد والمجتمع.
أهمية الأخوة
الأخوة نعمة من الله على عباده المؤمنين لأنها رابطة يتعذر أن نجد مثلها في واقعنا المعاصر، فلا مصلحة ولا نفع مادي من ورائها إنما هي لله فقط فهي أخوة بين القلوب والأرواح برباط وثيق لا يمكن فصمه هو رباط العقيدة.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63)
يقول صاحب الظلال: «ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة- أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة-: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الحجر: 47)
إن هذه العقيدة عجيبة فعلًا. إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب.
ولقد من الله على عباده- وهو يدعوهم للوحدة وعدم الفرقة- بهذه النعمة الكبرى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103)
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما.
وما كان الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا، وما يمكن أن يجمع القلوب إلا الأخوة في الله تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال.
لقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في أوائل أعماله بالمدينة، ولقد كان لذلك أهميته، ومنزلته لإعداد ذلك الجيل الفريد، وتكوين دولة الإسلام الأولى من خلال توحيد الصف على هدف أسمى من كل الأهداف المادية التي سرعان ما تزول في أول مواجهة، وذلك بتوجيههم إلى رابط التوحيد وإشعارهم بأهميتها، لقد حمت هذه الأخوة الجبهة الداخلية للدولة الناشئة وجعلتها تقف في وجه شتى أنواع التحديات.
ويقول الإمام حسن البنا- يرحمه الله-: «وأريد بالأخوة أن تربط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، الأخوة: أخوة الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر، وأعلاه مرتبة الإيثار: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) و (التغابن: 16).
والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والناصية، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: 71).
حقوق الأخوة
الأخوة في الإسلام ليست من نوافل القول، بل هي أساس وعقيدة راسخة في النفس، قال المصطفى r: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (رواه البخاري ومسلم)
وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه إذا أقسم عليك، وتنصح إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك» (رواه الشيخان)
وعن أنس ؤضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من حق المسلمين عليك، أن تعين محسنهم، وأن تستغفر لمذنبهم، وأن تدعو لغائبهم، وأن تحب تائبهم».
وقد ذكر بعض السلف حقوق الأخوة: حق المال، والنفس، وفي اللسان، والقلب بالعفو والدعاء، والإخلاص والوفاء، وأعلى هذه الحقوق الإيثار.
وسائل تنمية الأخوة
الحب في الله: هذا أروع وأعظم أنواع الحب، أن يكون في الله، ولله، فلا نفع ولا غرض دنيويا وراءه، وفي الحديث القدسي: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» (رواه الترمذي).
سلامة الصدر: وسيلة في غاية الأهمية لتقبل ما يبدر عن الآخرين بدون حق أو ضغينة أو سوء نية، وكذلك لحمل الأشياء على معانيها الحسنة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (رواه البخاري)
وعبد الله بن عمرو: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» (رواه ابن ماجة)
النصح والتواصي: إن المسلم لا يسير في طريق أمن لكنه يسير في طريق محفوف بالمكاره والمزالق والعقبات والفتن، وشياطين الإنس والجن له بالمرصاد، فهو أحوج في مثل هذه الطريق إلى من يأخذ بيده ويرشده، ويبصره، ويذكره إذا نسي ويعينه إذا ذكر وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1 – 3).
ولا بد من أن نشير هنا لبعض آداب التواصي، والنصح: كأن يكون سرا، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وبأسلوب رقيق، يقول بعض السلف: «أدِّ النصيحة على أكمل وجه، واقبلها على أي وجه».
معرفة الفضل: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: 237)، فمعرفة المسلم لفضل أخيه، بل ومحاولته البحث له عن فضل تجعله يحبه، ويتقبل منه، ويسمع له بدلا من أن ينفر منه، ويتجنب لقاءه فإذا بحث كل واحد منا عن فضل لأخيه فسوف يزدهر العمل، ويحس بقيمة أخيه وتأثيره وفضله.
المصارحة والمكاشفة: تزيل عن القلب موانع تعطل تيار الأخوة ما دامت تؤدي بطرقها السابق ذكرها، فلا بد للمسلم من أن يصارح أخاه بما في صدره، فربما وجد عنده إجابة شافية تكفيه مؤونة الإرهاق الذهني، والقلق، والتوتر الذي يؤثر حتما على سلامة الصدر، وكذلك على المسلم أن يصارح قيادته بما يعتريه من تساؤلات أو شكوك دون أدنى حرج.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأسوة في ذلك، ففي بيعة العقبة الثانية وقف أبو الهيثم بن النبهان يصارح ويكاشف، ويستفسر من الرسول صلى الله عليه وسلم عما يجول بنفسه فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال- يعني اليهود- حبالا، وإنا لقاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال كعب بن مالك: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم».
فهذه قمة المصارحة والمكاشفة حتى لما يجول في أغوار النفس، وقد تقبلها النبي صلى الله عليه وسلم برحابة صدر وذلك درس في واجبات القيادة لتقبل المصارحة والمكاشفة بسلامة صدر، والعمل على إزالة ما قد يكون قد التبس على أذهان إخوانهم.
التسامح والتراحم: يجب أن يكون ديدن العاملين للإسلام هو التسامح والتراحم حتى لمن ظلمهم، فما بالنا بأبناء الصف الواحد؟.
فينبغي أن يعذر بعضنا بعضا، وأن يسامح بعضنا بعضا، وأن نتراحم فيما بيننا.
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).
وفي الحديث: «من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس» (رواه ابن ماجة)، وفي رواية «من تنصل إليه فلم يقبل، لم يرد الحوض» (الطبراني).
وسائل حماية الأخوة
إدراك أهميتها: على كل مسلم أن يدرك أهمية الإخوة، وأن كل مسلم عمق استراتيجي لأخيه، يحميه، ويؤازره، وأن يدرك أنه كثير بإخوانه، مع إدراك الثواب الجزيل لهذه النعمة.
معرفة فقه الخلاف: نحن يمكن أن نختلف وأن تتباين وجهات نظرنا دون أن يحنق كل منا على الآخر أو يحمل لأخيه أي ضغينة، بل نتبع القاعدة الذهبية لصاحب المنار التي تقول: «لنتعاون فيما اتفقنا فيه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه».
استصحاب فقه الأولويات: فقد يكون رأي صوابا ولكن هناك ما هو أولى منه في مرحلة ما، فإذا عرفنا ذلك عذرنا بعضنا بعضا من أخوتنا وأعنا بعضنا بعضا على المهام الموكلة لكل منا.
رفع سقف الخلاف: فينبغي أن نحسن الظن ببعض، وأن تتسع صدورنا للنقد البناء، وأن يعمل كل منا على احتواء الخلاف من جانبه وكأنه هو المسؤول عن ذلك، وهذا الهدف أسمى وأرفع وأنبل، وهو إثراء روح الأخوة.
رفع مستوى الحوار: لا بد من أن يحرص كل منا على نفس أخيه، وألا يجرحه، وأن يراعي معه أدب الحديث، وألا تكون الأخوة مرادفة لعدم الحرص في الحديث أو الابتذال فيه، أو زوال الفوارق السنية والاجتماعية، فلا بد من أن نرقى بأسلوب حوارنا، وأن يحترم كل منا الآخر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا»
■ آفة العقول
■ الشبهات أكبر علة تصيب العقل .. وبسببها انحرف اليهود والنصارى عقائديا.
ما من علة تعتري العقل أو القلب إلا وهي تنبع من مصدرين هما أساس كل بلاء وفتنة أولهما الشبهات، وثانيهما الشهوات، فمنهما جاءت فتنة اليهود والنصارى، وجاء انحرافهما عن دين الله القويم ولما كان الحديث ذائعًا عن الشهوات كافة للقلوب، فإننا سنقصر الحديث في هذا المقال على الشبهات باعتبارها آفة للعقول.
لقد كان فضل الله على هذه الأمة عظيمًا إن جعل الفاتحة ركنًا أساسيًا في الصلاة، من ترکها بطلت صلاته ولو بات الليل كله قائمًا. وفيها يطلب المؤمن من ربه كل يوم سبع عشرة مرة - أن يهديه الصراط المستقيم، ويجنبه صراط اليهود المغضوب عليهم، والنصارى الضالين
وقد ذكر الله تعالى الشبهات في الآية رقم (١٥٧) من سورة النساء، إذ قال تعالى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (النساء ١٥٧)
وذكر تعالى أهل الشبهات المتلبسين بها في أعظم سورة بالقرآن الكريم -الفاتحة، وأمر
المؤمن بأن يستعيذ بالله من سلوك طريقهم كل يوم في صلاته، أولئك هم النصارى الضالون
مزالق الشبهات
١-قلة العلم، لاسيما إذا اقترن ذلك بفساد القصد واتباع الهوى، فعندئذ تكون المصيبة الكبرى والبلية العظمى.
٢-العلم مع عدم الفهم والتأول الفاسد وهذه المسألة أصل في الابتداع وتجر إلى النفاق والكفر
٣-العيش في البيئات الفاسدة والمنحرفة فكريًا وعقديًا لأهل البدع والخرافات والمذاهب الضالة.
4-الثقافة النظرية البحتة البعيدة عن التطبيق إما لمثاليتها المجنحة أو لمخالفتها واستحالة تطبيقها على أرض الواقع.
ه -الاهتمام بغرائب المسائل والتركيز على تفسير الحروف والمشكلات في القرآن، وقد استعاذ الرسول من علم لا ينفع، وقد وصف الله تعالى الخائضين في المشكل والمتشابه من القرآن بزيغ القلوب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: 7) فبين الله عليهم ومقصدهم، وهذه المسألة أصل في فتنة التحريف والتأويل في الدين، وتقود إلى الانحراف عن مناهج وثوابت الدين والدعوة.
6-الخوض في مناقشة قضايا وأمور خلافية كبرى، فيتصدى لها أحداث لم يبلغوا الرشد العلمي الاجتهادي، ولم يبصروا مواقع الإقدام من الطريق، ولم يفهموا أو يحيطوا بكثير من واقعهم الذي يعيشونه، وحجم التآمر ضد الإسلام -الخوض في أقوال الرجال والنظريات البشرية على غير أساس عقدي سليم سابق وعدم تحصين الفكر بالنص المنقول الثابت الصريح القياس العقلي المضطرد، إذ إنه يشي للعقل بقدرته على تصور الغيب مع أن له قدرة محدودة بدوائر منحها له الخالق U لا يستطيع تجاوزها، فإذا حاول الخوض في ذلك أصيب بحالة من السفه والهذيان وتخبط في أوهام من الخيالات المفضية إلى الانحراف حتمًا.
العلاج
١-العودة الرشيدة إلى نصوص القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة، واختيار أقرب أقوال العلماء دلالة إلى روح النصوص الشرعية ومقتضاها.
٢-عدم الخوض في المسائل المشكلة واختلاف الفقهاء، وإصدار الأحكام والفتاوى الشرعية إلا لمن كانت له قدم صدق راسخة في العلم، وفي العمل حركة شاهدة على تقواه وخشيته، وتحذير الأحداث والعوام من الدخول في غمار هذه المسائل.
3-العلم مع العمل ولكن بشروطه، فهو الذي يجعل القلب محلًّا للهدى والصلاح والاستقامة:
أ-التدرج والبدء بأصول المسائل وصغارها.
ب-الاتصال بالعلماء الربانيين العاملين للإسلام والأخذ عنهم، وعدم الاعتماد على الكتاب فقط
ج-اقتران العلم بالتقوى والخشية من الله تعالى.
د-أن يصاحب هذا العلم فهم شامل متكامل للإسلام، فإذا حصل ذلك أثمر العمل وزرع الخشية في القلب، وزكاه يقول الإمام الغزالي في الإحياء في باب العلم: «والعلم نور للأبصار من الظلم وقوة للأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الابرار والدرجات العلى التفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله وبه يعبد، وبه يوحد وبه يمجد وبه يتورع، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء».
٤-تحكيم الشرع في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرها، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة.
5-عدم إخضاع المسائل العقدية وأصول الدين للعقل المجرد.
٦-البعد عن مجالسة من أصيبوا بهذا الداء إلا للعالم المدرك بقصد التوضيح والإفهام. وانتشالهم من هذا المستنقع.
7-الحوار والنقاش الهادئ المقصود منه تحري الحق والصواب والدلالة إليه لا الجدال
والمراء المنهي عنه، وقد أمرنا الله تعالى بعدم مجادلة أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، قال سبحانه: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: ٤٦)، وأمر موسى عليه السلام أن يرجع إلى فرعون وأن يقول له قولًا لينًا يتذكر أو يخشى.
وقد حاور ابن عباس الخوارج، ورجع منهم عن معتقده عدد كبير، وكل ذلك يدل على أهمية الحوار مع أهل الشبهات وتبيين الحق والصواب لهم بأحسن الطرق، وألينها وأعلاها أدبًا وذوقًا.
علي أحمد الشعراوي
■ منهج عظيم في تزكية النفوس
مرور الأيام والليالي والأيام، وانقضاء الشهور والأعوام دليل على قدرة ذي العزة والإنعام، وشاهد على انقضاء الآجال، وانقطاع الآمال، لذا ينبغي عليك -أخي الحبيب- أن تعتبر بمرور الأيام، وأن تقف مع نفسك تحاسبها، وتنظر الربح من الخسران، فقد دل على المحاسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18)
قال ابن القيم- رحمه الله-: «قد أمر الله سبحانه وتعالى العبد أن ينظر ما قدم لغد، وهذا يتضمن محاسبته لنفسه، والنظر: هل ما قدمه يصلح لأن يلقى الله به أو لا يصلح»
وقال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 2)، قال الحسن: «هي والله نفس المؤمن ما يرى إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلامي؟ ما أردت بمأكلي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه»، كما حثنا على ذلك النبي الكريم محمد r إذ جاء في الحديث: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني».
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصينا فيقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر»، مستشهدا بقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة: 18).
وما زال الصالحون يوصون بهذا المنهج العظيم في تزكية النفس، فهذا مالك بن دينار- رحمه الله- يقول: «رحم الله عبدا قال لنفسه ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها قائدا كتاب الله تعالى فكان قائدا له».
وقال أبو حامد الغزالي- رحمه الله-: «فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه وحسن منقلبه ومآبه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته».
وتذكر قول الشاعر:
والنفس كالطفل إن تتركه شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
النعمة والجناية: أخي الحبيب: قارن بين نعمة الله وجنايتك، ذكر نفسك نعم الله عليك!
نعمة الأمن، والعافية، والرزق الحلال، فقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أمسى آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها».
ذكرها نعمة الصحة والفراغ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ».
قل: يا نفس خلقت مسلمة بين أبوين مسلمين في مجتمع مسلم، خلقك الله في أحسن تقويم، وأجمل صورة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين: 4)، يا نفس تبصرين وتتكلمين، وتتحركين، وتتمتعين، وسواك يرقد في المستشفى، أو يقبع في السجن، أو أن ينقلب في نيران الجوع والخوف؟!
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (غافر: 61)، ثم ذكرها تقصيرها، وجنايتها.. ذكرها تفريطها في حق خالقها ومولاها.. ذكرها الغيبة والنميمة والحسد، ذكرها سوء الظن، والوقوع في أعراض الخلق.
فإذا ذكرتها نعمة الله عليها وجنايتها، ظهر لك التفاوت، وحينئذ تعلم أنه ليس إلا عفو الله، ورحمته، أو الهلاك، والعطب، وعندما تقول: «أبوء بعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
ما لك وما عليك: ثم قارن بين حسناتك وسيئاتك، فإذا رجحت الحسنات على السيئات فقل: يا نفس هذا من فضل الله وجوده وكرمه، والثواب عليها من فضل الله وجوده وكرمه، ثم ذكرها ما في تلك الحسنات من آفات، من سهو وتقصير، وغرور وعجب، ورياء وكبر، وحينئذ يتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ثم تذكر الخطايا والسيئات، من تفريط في الصلوات، وهجر للقرآن، وعقوق للوالدين، وقطع للأرحام، وسماع للمنكرات، ونظر إلى المحرمات، وتفريط في تربية الأبناء والبنات، ثم قل: «ربي اغفر لي وتب علي» صادقا من قلبك عازما على اجتناب تلك الآثام، نادما على فعلها، فمن استغفر الله صادقا من قلبه راجيا ثواب ربه قبله الله، قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13).
ثم تذكر- أخي- أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، فقد روي عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، إن شاء أقامه، وإن شاء يزيغه أزاغه»، ثم قال: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك»، فكن أخي الحبيب صاحب رأي رشيد، وعزم على الخير أكيد، في استغلال ليالي وأيام عمرك المحدود.
قال الشاعر:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أت تترددا
وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا فإن فساد الرأي أن يتأخرا
عمر عبد الله حمزي
■ نبضات قلب مسافر
بني الحبيب..
السلام عليكم ورحمة الله وبركانه:
لعل في وسع الأيام أن تمر بنا كما مرت بغيرنا دون أن تأبه لنا، أو حتى نكون خطرة من خطراتها! ومع هذا نستطيع -يا بني-أن نجعل حياتنا ذكرى جميلة طيبة لا تغادرها أرواحنا، وليس في مقدورنا أن نفعل ذلك دون أن نصلح أحوالنا مع الله، عندها فقط تشع ليالي العمر نورا مذابا، حيث تضاء دواخلنا بأشعة الإيمان، ونفائس الهدى، هذا ما جال في ذاكرتي- أيها الحبيب- ونحن نودع عاما هجريا لنستقبل آخر، فأين موقعنا في قافلة هذا العام؟ وما قدمنا من إشراقات تشهد لنا: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ (الشعراء: 88)؟
أليس الجدير بنا محاسبة نفوسنا لجني ثمار التوبة؟! أم ترى أن إقبالنا هو على عرض الدنيا فنعب منها ما نشاء دون الالتفات إلى ذنوبنا؟!
أين نحن- أيها الغالي- من موقف أبي ذر الغفاري حين بعث له أمير الشام بثلاثمائة دينار ليستعين بها على قضاء حاجاته فردها إليه وقال: «أما وجد أمير الشام عبدا لله أهون عليه مني؟ «أليس هو صدق الزاهدين بكل روعته الذي عناه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر».
محمد شلال الحناحنة