; قراءة جديدة للتاريخ - الصفحة الأخيرة لحضارتنا .. سقوط صقلية الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان قراءة جديدة للتاريخ - الصفحة الأخيرة لحضارتنا .. سقوط صقلية الإسلامية

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1972

مشاهدات 176

نشر في العدد 105

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 20-يونيو-1972

قراءة جديدة للتاريخ

الصفحة الأخيرة لحضارتنا

سقوط صقلية الإسلامية

                                                    بقلم: الأستاذ عبد الحليم عويس

كان كل شيء يؤذن بالأفول كانت الأندلس تعيش حالة ملوك الطوائف. الذين تداعوا تداعي البيت المفكك أمام زحف المرابطين بقيادة رجلهم المؤمن رجل العقيدة والدولة يوسف بن تاشفين.

وكانت الجزائر وتونس تعانيان من هجمة القبائل العربية الهمجية الزاحفة تدمر كل شيء دون تعقل.

وكانت مصر قد ذهبت نضارتها على يد الفاطميين الذين كانوا قد فقدوا نضارتهم كذلك، بل كانت مصر التي يحكمها الخليفة المستنصر تعاني من مجاعات غريبة لعلها لم تحدث في تاريخها بالمرة لدرجة أن الناس أكلوا بعضهم بعضًا، وبيعت لحوم الكلاب في الأسواق.

كان هذا هو الجو المحيط بصقلية، الجو الذي يطلق عليه تاريخنا... الحالة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري.

لكن كل هذا كان أقل من أن يقتطع غصن صقلية من شجرة الإسلام إلى اليوم.

لقد كان ثمة سبب آخر أشد وأقوى، كان هناك الهزيمة الداخلية التي هي الباب الوحيد التي تدلف منه كل الهزائم الواردة، كان هناك لصوص المناصب وهواة الزعامات، والمتمسحون في أمجادهم العائلية.

كانت صقلية قد فقدت أمثال فاتحها العظيم أسد بن الفرات، القاضي والفقيد والقائد والشهيد، الذي استحق عن جدارة بطولة فتح صقلية.

وحل جيل جديد تتنازعه التقاليد الوثنية النورمانية، وينظر بإعجاب إلى الجنوب الأوروبي، وإلى تقاليد العدو الواقف بالباب، وعندما حلت الهزيمة الداخلية على هذا النحو، كان من السهل أن يدخل روجار بجيوشه، وأن تتحول صقلية إلى اليوم إلى قلعة صليبية تكيد للإسلام.

كان روجار قائد النورمان المستوطنين بالغرب الفرنسي والإيطالي يترقب فرصة الوثوب على الجزائر وتونس، فضلًا عن صقلية، وكما هي العادة في تاريخنا،  لم يستطع روجار أن يدخل إلى صقلية إلا من خلال أهلها، من خلال الهزيمة الداخلية، فمبدأ الجهاد قد وقانا شر الأعداء الخارجية، أما حين تتفتت العقيدة وتنحل إرادة القتال، يبدأ العدو في الولوج ممتطيًا أحد الأصنام الباحثين عن الملك تحت أي شعار.

وفي معركة من المعارك الداخلية بين لصوص الحكم هزم أحدهم ويسمى ابن الثمنة ولم يجد هذا الرجل غضاضة في أن يطلب الوصول إلى الحكم عن طريق الاستعانة بالنورمان المتحينين للفرصة فذهب إليهم يستعين بهم ويطلعهم على خفايا الجزيرة ويعدهم بالعون إذا هم حاولوا الاستيلاء عليها.

وبدأ من يومها الغزو النورماني لصقلية، ولم تكن القوى السلامية المفككة المحيطة بصقلية بقادرة قدرة حقيقية على عمل شيء،  بالرغم من أن تونس قد حاولت تقديم المساعدة. وتساقطت كأوراق الشجر في الخريف مدن الإسلام الزاهرة في هذه الجزيرة التي قدمت للإسلام والحضارة الإسلامية عديدًا من الأبطال في كل المجالات.

سقطت مسينة  وسقطت يلرم العاصمة وماذر. وبعد جهاد طويل من أحد شباب الإسلام الذين يظهرون كوهجة الشمس قبل المغيب «ابن عباد» سقطت سرقوسة ثم سقطت جرجنت. ولحقت بها قصريانة فنوطس وسجلت سنة ٤٨٤ ه‍ ۱۰۹۱م السقوط الكبير لصقلية في يد عصابات النورمان.

ولم تشأ صفحات التاريخ إلا أن تقدم لنا -كعادتها معنا- صفحة العبرة في نهاية الهزيمة، كما قدمتها في شخص ابن الثمنة – في بداية الهزيمة وقد قدمتها لنا في صورتين.

في صورة ابن حمود حاكم قصريانة إحدى المدن الصقلية التي سقطت وكان هذا الرجل يزعم النسب إلى العلويين، لدرجة جعلت أحد المؤرخين الأوربيين يصفه «بالعلوى الدنيء الرخيص» مسلمًا بقضية علويته، ولربما كانت صحيحة، لسنا ندري!

وقد تواطأ هذا الرجل مع روجار لدرجة جلبت عليه سخط المسلمين في الجزيرة كلها.

ولم ينته أمر هذا الخائن لأمته إلا بالنهاية الطبيعية، إذ إنه حرصًا على مزيد من الجاه لدى روجار أعلن نصرانيته، وطلب من روجار أن ينقله إلى إيطاليا ليقضي بقية حياته هادئًا آمنًا وذهب الخائن ومع ذهاب الإسلام من أعماقه وأعماق أمثاله من المنهارين ذهبت صقلية.

والصورة الثانية تقدمها لنا صفحات التاريخ في شكل رسالة بعث بها المسمى بالخليفة الفاطمي في مصر.

إلى روجار تحمل تشفيًا وتهنئة بالنصر المسيحي وبعد أن يوافق خليفة المسلمين العظيم روجار على كل أوصافه للزعماء المسلمين في الجزيرة تلك التي وردت في رسالته وكيف أنهم عدلوا عن طريق الخيرات، واجترعوا في الطغيان، واستعملوا الظلم، وتمادوا في الغي.

بعد ذلك ينهى رسالته بأن من كانت هذه حاله حقيق بأن تكون الرحمة عنه نائية، وخليق بأن يأخذه الله من مأمنه أخذة رابية.

وهذا الكلام صحيح..

بيد أنه لن يغفر للخليفة المنهار في مصر المتمسح ـكذباًـ  في شرف النبوة أن يسقط ركن من أركان دولة الإسلام -تابعًا لحكمه- دون أن يحرك ساكنًا ثم يخرج علينا بشعارات منمقة لا قيمة لها.

ولن يغفر له التاريخ كذلك أنه نفسه كان لعبة هزيلة في قصره بيد الوزراء العظام وفي ظل أحط مجاعات عرفتها مصر الاسلامية، وأنه بدوره كان حلقة في سلسلة مصائبنا الكثيرة.

والمهم.. سقطت صقلية الإسلامية!

الرابط المختصر :