; المجتمع الأسري (1730) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (1730)

الكاتب د. عبد الدايم ناظم الشحود

تاريخ النشر السبت 09-ديسمبر-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1730

نشر في الصفحة 60

السبت 09-ديسمبر-2006

آباء وأبناء في مهب الريح… البر بالوالدين كيف يكون؟

رد الجميل واجب تجاه الأشخاص العاديين فما بالك بالوالدين.

مسؤولية تسهيل بر الأبناء تقع على عاتق الآباء.

عندما تذكر كلمة العقوق يتبادر إلى الذهن مباشرة عقوق الأبناء لآبائهم، ويسرح الخيال في الأشكال المختلفة والعديدة التي قد تدخل تحت هذا المضمار، ويمر في البال شريط من الأقوال والأفعال التي تصب كلها في بوتقة واحدة يكون الضحية فيها دائمًا أحد الأبوين. فهذا الأب الكهل قد تركه أبناؤه تنهشه الأسقام والأوجاع غير مبالين بصرخاته وتوسلاته، وتلك عجوز عاركت الحياة سنوات طويلة حتى أصابها السقم ولم يعد بدنها قادرًا على مواجهة نوائب الدهر فتنكر لها فلذات كبدها وضاقوا ذرعًا بطلباتها الكثيرة.

وهذا أب أودعه أبناؤه دار العجزة والمسنين بحجة أن مشاغل الحياة لم تترك لهم وقتًا لتلبية احتياجاته وطلباته، خاصة بعد أن ضاقت زوجة الابن بوجوده، وأصبح همها الوحيد أن تخلو بزوجها وأبنائها دون أن يعكر صفو حياتهم أي أحد، خاصة أن دور العجزة والمسنين في الوقت الحاضر أصبحت حسب زعمهم دلالة على الرقي والحضارة بما فيها من إمكانيات وخدمات لا يمكن توافرها في المنزل بل أصبح بعضهم يتشدق بين أقرانه أنه ألقي عن كاهله همًا طالما حمله فترة طويلة ليتمكن من أن يخلد إلى زوجته ويسكن إليها دون منغصات أو إزعاجات ونسي بل تناسي أن الوقت قد حان ليرد الجميل أولًا، وليكسب الرضا الذي قد يكون سببًا لدخوله الجنة في زمن الماديات الضالة ثانيًا.

 مواقف عصيبة

يدخل العجوز دار المسنين والحسرة تأكل فؤاده، وتزداد الآهات، وليس هناك أصعب من منظر شيخ كبير تركه أبناؤه وحيدًا بينما كان ينتظر الحصاد، فينزوي في ركن صغير حقير يذرف دموعًا سخية، وما أصعب أن ترى الشيخ يبكي بحرقة باثًا همومه وأحزانه إلى خالقه شاكيًا فلذة كبده، إنها مواقف عصيبة يتفطر القلب لمرأها، وهنا لابد أن أهمس في أذن هؤلاء بالآية الكريمة: ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ( الإسراء: 2٣-٢٤)

 ومازلت أذكر تلك القصة التي حكاها لي جدي -يرحمه الله-:  بعد أن انتصرت الزوجة قرر الزوج أن يرضخ لرغباتها فحمل أباه العجوز في سلة كبيرة قاصدًا إحدى المغارات، غير أبه بتوسلاته وأهاته، ابتعد الأب الشاب ميممًا وجهه شطر إحدى التلال القريبة من البلدة، بينما لحقه ابنه مذكرًا إياه أن يعود بالسلة كي يحمله بها عندما يكبر، ويبدو أن وقع تلك الكلمات كان بالغ الأثر إن عاد الرجل أدراجه ضاربًا عرض الحائط بمطالب الزوجة وقرر أخيرًا أن يعود إلى جادة الصواب ويمضي ما تبقى من عمره في السهر على راحة أبيه، أملًا في الفوز بنعيم الدارين.

 وهنا لابد أن أذكر خلاصة قصة ذلك الرجل أحد الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار، كما جاءني الحديث الصحيح الذي كان يسهر طوال الليل على خدمة والديه يحمل إناء الحليب ليسقي أبويه، بينما أبناؤه جائعين ينتظرون دورهم، وفي أحد الأيام غلب النوم العجوزين قبل أن يتناولا الحليب، فما كان من الابن البار إلا أن انتظر فوق رأسيهما إلى أن انبلج الصباح وقد تورمت قدماه.. إن طاعة الأبوين سبب لنيل الرضا والرضوان، ألم يقل صلوات الله وسلامه عليه، «خاب وخسر من أدرك أبويه أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنة»؟

رد الجميل

لو تركنا بر الوالدين امتثالًا لطاعة الله سبحانه وفكرنا بمنطق الشعوب العلمانية لكان أيضًا واجبًا، بل لزامًا علينا أن نبر الوالدين ولا تنسى فضلهما، أين آلام الحمل والولادة؟ إن بر الأم طوال العمر لا يعدل طلقة واحدة أثناء الولادة؟ فكيف بالحمل والرضاعة والهموم وغير ذلك مما تتكبده الأم، كذلك الأب الذي يشقى طوال حياته ليوفر الحياة الكريمة لأبنائه غير أبه بمتطلباته الخاصة ورغباته الشخصية، إن رد الجميل واجب تجاه الأشخاص العاديين فما بالك بالوالدين!!

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟!

إنك عندما تسير في بلاد الغرب يوم الأحد تدهش للمنظر الذي تراه: كثير من كبار السن ممن قاربت أعمارهم السبعين والثمانين أو يزيد يقضون عطلة نهاية الأسبوع مع خليل البقية الباقية من حياتهم، هل تعرفون من هذا الخليل الذي يبقى ليؤانس وحدتهم وينسيهم همومهم ويسهر على راحتهم، إنه ليس الابن ولا الابنة أو غيرهما من الأقارب أو الأصدقاء بكل بساطة.. كلب.. يسير إلى جانب هذا الشخص الهرم يبث كل منهما الآخر همومه وأحزانه في مجتمع أدعي الحضارة والرقي والازدهار ونسي أو تناسى أن الحضارة الإنسانية هي الجوهر وأن بناء الإنسان هو الهدف الأسمى والغاية النبيلة في هذه الحياة.

إننا عندما نطلب من الأبناء أن يبروا والديهم ويحسنوا إليهم فإن مسؤولية تسهيل هذه المهمة تقع على عاتق الوالدين، إذ كيف يتوقع أن يكون الابن بارًا بوالديه وهو يرى يوميًا أشكالًا شتى وضروبًا متعددة من الإهمال من قبل والديه، لقد ضرب الفاروق عمر رضي الله عنه أروع الأمثلة حول هذا الأمر، حين جاءه أب يشكو عقوق ابنه، ولما سأل الابن عن سبب ذلك، أجاب بأن أباه لم يحسن اختيار أمه ولم يعلمه القرآن وسماه «جعلًا» ومعناه الخنفساء، وعندها قال الفاروق رضى الله عنه «عققته قبل أن يعقك».

حقوق الطفل

إن مما يحزن القلب أن الغرب وضع قوانين ونظمًا لحقوق الطفل وأصبح يتشدق بها، بينما كان الأجدر بنا أن نعود إلى ديننا الحنيف إلى تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لتنهل منها أفضل التعاليم التي تضمن هذه الحقوق.

ومن خلال ممارستي العملية مازلت أرى بين الفينة والأخرى ما يبعث على الحزن، منها تعلق الطفل بالخادمة وعزوفه عن أمه لدرجة أن كثيرًا من الأمهات يرسلن أبناءهن المرضى وهم بحالة سيئة إلى المستشفى برفقة الخادمة والسائق، ومازلت أذكر ذلك الطفل الصغير الذي لم يتجاوز عمره بضعة أشهر وقد تركته أمه في المستشفى برفقة الخادمة، كان منظرًا يبعث على الدهشة حيث إن الخادمة كانت تذرف الدموع السخية عند إعطاء الطفل الأدوية عن طريق الوريد، أما عندما تحضر الأم لزيارة طفلها لدقائق قليلة وتحاول أن تحمله بين ذراعيها تبدو علامات الامتعاض على وجه الطفل ويلتفت إلى أمه الثانية وكأنه يطلب منها أن تنقذه من هذا الموقف العصيب!

قلت في نفسي: إنها كارثة حقيقية أن تغادر هذه الخادمة إلى بلدها وتترك الطفل في مهب الريح بلا أم ترعاه وتحنو عليه كما يجب، ويصبح الطفل يتيمًا رغم أنفه! ويشب الطفل والطفلة على عادات وتقاليد غربية عن ديننا ومجتمعنا ولا تتنبه إلى هذه الحقيقة المرة إلا بعد فوات الأوان.

أسمى الأهداف

كيف تتوقع من أبنائنا البر وقد اخترنا لهم ولهن أسماء جاهلية قبيحة يندى الجبين لمعانيها، كيف تتوقع البر من أبنائنا وقد تسابقنا أمامهم إلى الرذيلة والفجور! لماذا تطلب البر من أبناء ولدناهم ثم تركناهم في مهب الريح لتربيهم الخادمة وترضعهم ثقافة غريبة فيشبوا عليها، ويصبح من الصعب، بل من المستحيل أن نقوم الاعوجاج ونصلح الخطأ؟

 أليست تربية الأبناء من أسمى الأهداف التي يجب أن يضطلع بها الوالدان؟ أليست الأسرة هي اللبنة الأولى التي إن صلحت صلح المجتمع بأسره وإن فسدت فسد المجتمع قاطبة ؟! أليس من واجب الآباء أن يزرعوا في نفوس أبنائهم محبة الله ورسوله وأصحابه ويجعلوا هؤلاء قدوتهم بدلًا من القدوات المزيفة ممن اتخذوا سبيل الشيطان غاية والابتعاد عن طريق الهدى هدفًا. وهنا أذكر الحديث الشريف: «رحم الله والدًا أعان ولده على بره»... فلنتق الله في أبنائنا ولنكن قدوة صالحة لهم، ونعهد لهم الطريق الذي يمكنهم من أن يبرونا عند الكبر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 45

120

الثلاثاء 26-يناير-1971

هوية الأمة

نشر في العدد 116

221

الثلاثاء 05-سبتمبر-1972

الصفحات الأخيرة من حضارتنا