; صورة المرأة الشامية | مجلة المجتمع

العنوان صورة المرأة الشامية

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1306

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 30-يونيو-1998

متى يستطيع الرجل العربي أن ينظر الى المرأة على أنها إنسان مثله يتمتع بكامل صفات الإنسانية ويقوم بكل الأعباء العقدية والعبادية في الإسلام؟

أزكمت أنوفنا مسلسلات القصص المبكية والمخترعة والتي تحكي قصص المصائب، ولا تخرج عن كونها عروضًا مأساوية لنساء تزوج عليهن الأزواج دون حلول تُرجي، ودون فكرة تُطرح، ودون معالجة توجه الناس وتربيهم وتعلمهم أو تثير فيهم التفكير وتدفعهم إلى التشوق إلى المزيد من المعرفة أو البحث لمعرفة الحقيقة، فلما كان «حمام القيشاني» شيئًا مختلفًا في عالم الفضائيات الذي نعيشه لفت انتباهي وبخاصة أنه جاء في غربتنا نفحة من ذكريات الشام وعادات الشام، هذه الشام الماثلة ابدأ في القلب ألمًا لا يرحل وجنة لا تدخل وجحيمًا تصطرع فيه التقاليد والأفكار والماضي والحاضر.

ولعل الصورة التي قدمها «حمام القيشاني» عن المرأة الشامية، كانت مرأة تعكس وضع المرأة في سورية، إن لم نقل وضع المرأة بشكل عام في الدول العربية، ولكنها ودائمًا -في المسلسل- تلك التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى- الرفيعة من حيث المستوى الثقافي والاقتصادي والتي تمثل سكان المدن الرئيسة والتي تتبع المسلسل أحوالها في اثنتي عشرة شخصية نسائية في سورية تنحصر في خمس مجموعات:

  • ربة المنزل الجاهلة المقوقعة، التي خلفها المجتمع وراءه في حركته نحو الأمام.

  • ربة المنزل الممتازة القادرة على الرغم من عدم تحصيلها العلمي على إدارة شؤون منزلها على أكمل وجه، وإسعاد زوجها.

  • السيدة المثقفة التي استطاعت تحقيق تحصيل علمي، بل ووظيفة تدريس مرموقة في تلك الآونة من تاريخ سورية، لكنها احتفظت مع ذلك بدورها كسيدة منزل من الطراز الجيد. 

  • الفتاة السورية التي اندرجت في حياة التغريب الكاملة، وعادت تبحث لنفسها عن مكان في المجتمع عن طريق الحركات السياسية الحزبية المعروفة.

  • الفتاة المثقفة التي انخرطت كليًا في الأطر الحزبية الشيوعية. 

ولعل الملاحظة الأولى التي نتوصل إليها من استعراض سريع لهذه القائمة هي الارتباط الوثيق، بل الحيوي بين وضع المرأة ومكانتها، وبين المستوى الثقافي والفكري للرجل الذي يعيش معها سواء كان أبًا، أو زوجًا، أو أخًا، أو حتى جارًا أو خطيبًا، وهذا واقع تشهد له طبائع النفوس الإنسانية، يقلب مقولة نابليون الشهيرة رأسًا على عقب، فليس وراء كل عظيم امرأة، بل على العكس تمامًا، وراء كل امرأة رجل يشدها نحو حضيض الجهل والتخلف أو يرفعها إلى مصاف العلم والثقافة، ويربط مصيرها السياسي والفكري دائمًا بمصيره وسلوكه ومشاربه، وهذه حقيقة لا يختص بها المجتمع السوري فقط ولكنها واقع نشهده في جميع المجتمعات البشرية. 

ولقد راجعت في ذهني تلك الأيام القريبة البعيدة التي عشتها وقارنت بين نساء حارة دمشقية صغيرة كحارة سنبل في حي دمشقي حديث كحي المهاجرين، ونساء حي الميدان التاريخي الشهير، فوجدت لكل شخصية نسائية من شخصيات المسلسل مثلًا حيًا قائمًا، في ذاكرتي، إلا أن هذه الشخصيات الاثنتي عشرة لا يمكن أن تمثل حياة النساء في أحياء دمشق القديمة كلها والمغلقة على نفسها إلى درجة لا تمنع دخول الثقافة والعلم فحسب، ولكن دخول النور والأمل كذلك، وهذه حقيقة عبر عنها المسلسل بطريقة جارحة، لكنها لا تخرج عن كونها واقعًا فكريًا، وهي النظرية المشوهة التي تربط دائمًا صورة المرأة المتخلفة بصورة امرأة ملتفة بملابسها غارقة في العادات والتقاليد، وهو انعكاس مباشر لطريقة التفكير العقيمة السائدة في مجتمعاتنا، والتي تجعل من الدين أو التمسك بصوره- وأقول صوره فقط مثلًا للتقوقع والتخلف.

ونظرية أخرى على الجانب الآخر، أشد تشويهًا وأذى، وهي اعتبار الثقافة رديفا للتفلت من إطار الأخلاق والدين، وقد كانت هذه النظرة المتفشية خطأ في بلادنا واضحة للغاية في المسلسل وبخاصة في دور «سهام» ابنة الشهيد التي خرجت على العادات والتقاليد السائدة في حيها منذ انتقلت إلى مدرسة خارج الحي، ويبدو أن المدرسة كانت من مدارس التبشير، فإذا بالفتاة تصبح فرنسية اللسان مختلطة العادات، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فلا تلتفت إلى محبة ابن عمها لها، وتتجاوب مع معاكسات شاب شبه ساقط خلقيًا، وثقافيًا. 

ولعل شخصية «سهام» بعد شخصية فطينة- كانت من أبرز الشخصيات النسائية في المسلسل التي تمثل شريحة لا يستهان بها من نساء المدن السورية وبخاصة دمشق، أولئك اللاتي غلب عليهن الظن أنهن استطعن كسر طوق العادات والتقاليد القاسية والشديدة، وخرجن إلى الحياة عن طريق اللحاق بركب التيارات الفكرية القومية المتعددة فضعن في متاهات البحث عن الذات، واكتشف المشاهد وبكل بساطة... أنهن في الواقع لم يكسرن إلا أنفسهن وحياتهن وسعادتهن!

ولعله من الضروري بمكان أن نشير هنا إلى أن الدين والأخلاق شيء، والعادات والتقاليد السائدة في بعض بلادنا شيء آخر، فعادات حي القيشاني، لا تمت إلى الدين بصلة، إنها تقاليد متوارثة في الشام وطقوس عقيمة في بلادنا ليس فيها من الدين ولا حتى من المنطق شيء، وأوضح مثال على ذلك عادات الناس في المآتم وما يفعلون من تهريج مسرحي ليس فيه من الشرع شيء على الإطلاق. 

وكثيرًا ما نجد هنا في ديار الغرب هذه العادات جدارًا أصم يصطدم به معظم أبنائنا من الجيل الثاني، ولا يعرفون طريقة للخلاص من ركام العادات، فيقرر معظمهم ترك كل ما يمت للدين وللإسلام بصلة ظنًا منهم أن الدين هو هذا التعصب وهو ذاك النوع من اللباس أو هذا... لقد أكد «حمام القيشاني» على هذه القناعات إلى درجة اصطدمت حتى مع التطلعات الثورية للمسلسل، ولم تنفلت نظرته إلى المرأة من تلك الدوامة المصمتة التي ما فتئت المرأة العربية بشكل عام تعيش فيها تختفي فيها وهي تبحث عن مخرج مما هي فيه دون أن تجد طريق الخلاص. 

فدور «فطينة» التي تنتمي إلى المجموعة الأولى كشف عن معاناة أعداد كبيرة من نساء الشام ولعل معظم النساء السوريات يجدن شيئًا من فطينة في انفسهن عندما يخلون بها. 

إنها ابنة العم العزيزة، الشامخة بنت الأصل بنت الناس المعروفين، التي خلفتها عجلة الصراع الاجتماعي على هامش الأحداث، كما خلفتها أهواء الزوج وتطلعه إلى زوجات جديدات، هن إلى العشيقات أقرب خلفتها على عتبة الآلام والمعاناة فهي بكبريائها الجريحة لا تستطيع الخضوع ولا أن تعترف بنهايتها، وذلك الزوج الذي جعلها معلقة لا زوجة ولا مطلقة بلغ قمة التعنت والجبروت عندما دفعها من سريره إلى الأرض، وهي حادثة طالما سمعنا عنها في سورية، ولربما هجر الزوج زوجته شهورًا وأعوامًا، وأرغمها على السكن في غرفة وربما في بيت أخر، دون أن تجد الزوجة من تشكو إليه، أو تعترض، ولعلها إن تجرأت فشكت سوء المعاملة، والتعنت والمبالغة في الإذلال والإهانة انبرى لها من يُذكرها بحقوق الزوج، لقد نسي الناس في بلادنا أن الزوج الذي لا يحمل مسؤولية القوامة بكل أبعادها، لا يحق له واجب الطاعة بكل معانيها.

الحق على فطينة

ولقد عجبت أن المسلسل بجزئيه أنحى باللائمة ودائمًا على فطينة، وحملها المسؤولية التامة عن إعراض الزوج عنها خلقه وسوء الدائم معها، كذلك فقد كان مشهد ضرب أبو عزو التاجر الأمي -قتيل النساء- لزوجته الجديدة الأستاذة «أميرة» بحزامه الجلدي، وفي وضع يثير الاشمئزاز ويقزز النفوس العزيزة، كان مشهد الضرب هذا والذي تكرر أكثر من مرة، مبررًا تمامًا في المسلسل. 

إنه ما من ذنب تأتيه المرأة الشريفة العفيفة يبرر للرجل أن ينهال عليها كالوحش الكاسر بضرب استساغه الناس في بلادنا، واعتادوا عليه حتى لكأنه شيء عادي في حياتهم، وكان النساء لا يمكن أن تعامل بغير الضرب والإهانة ونحن نسأل: الم يسمع الناس بالحكم الفقهي الذي يحرم الضرب والأذى إلا بإصبعين أو بالسواك، وأن الضرب هو من باب التنبيه، وأخر الدواء الكي، وليس من باب الإذلال وتكسير النفوس!

 وكان الظن في مسلسل عظم من شأن الفكر اليساري الذي يظن أنه رديف التحرر، ورفع من قيمة المثقفين والمثقفات أن يلتمس العذر ولو مرة واحدة «لفطينة» أو «لأميرة»، وكلاهما زوجتان معذبتان، غير سعيدتين مع زوج يستخدم الزواج من الأخرى هدفًا لإذلال زوجته الأولى، وحتى عندما كان يريد أن يغيظ الجديدة، كان يعود إلى الزوجة المهجورة ليلعب بعواطفها وإنسانيتها، بل بكرامتها وصحتها العقلية والنفسية، ففي أحد المشاهد المؤلمة، كان «أبو عزو» هذا  قد غلط فأخذ يحدث زوجته فطينة، عن الأوضاع المضطربة في البلد، ولما أخذت في الاستفهام ضحك منها بسخرية بلغت أبعد ما يمكن فهمه من معاني الإهانة، ثم علق بعد ذلك بقوله: «لو لم أكن مجنونًا لما جلست هنا أحدثك عن السياسة... لو أنني حدثتك عن الطعام والطبيخ لكان من الممكن أن يكون في رأسي عقل»، وتبتسم الزوجة الجريحة دون أن يبدو عليها أنها فهمت الإهانة والسخرية. 

توفقت عند هذا المشهد، وتساءلت متى يستطيع الرجل العربي في بلادنا أن ينظر إلى المرأة على أنها إنسان مثله يتمتع بكامل صفات الإنسانية والأعباء العقيدية والعبادية والتي وزعت في الإسلام على الرجال والنساء باعتبارهم بشرًا يتمتعون بنفس الأهلية الإنسانية التي طالما تباهينا باعترافنا بها للمرأة قبل اعتراف الغرب بها بقرون!!

متى يمكننا أن نتفهم بأن الفروق الجنسية لا ينظر إليها الشرع إلا بمنظار الفروق الوظيفية في المجتمع والمهمة الموكلة إلى كل منهما فيه، وهذا لا يؤثر بحال من الأحوال على المكانة الإنسانية لأي منهما لأن الميزان الأساس هو ميزان التقوى وحسب!

أم أنه لابد من الخروج من الإسلام جملة وتفصيلًا حتى يستطيع الرجل العربي أن يحترم المرأة ويقدرها، وإذا لم تكن على مستوى عقله ودينه دفعه فكره المتفلت أو المتحرر لرفعها إلى مستواه وتثقيفها وتعليمها وتوجيهها في غاية من الاحترام لذاتها ولقراراتها وهذه بالضبط الصورة التي قدمها المسلسل عن «عنايت» التي انتقلت وفي وقت قياسي من امرأة شبه لعوب ضائعة مضيعة، متفلتة نتيجة زوج منحرف لم يعف، فلم تستطع زوجته أن تعفُ نفسها، وكانت عرضة للغمز واللمز، فأصبحت عضوة عاملة في الحزب الشيوعي، بل لقد درست وقدمت امتحانات الشهادة الإعدادية، ثم الثانوية، ولم يكف ذلك، فلقد أصبحت عفيفة مستقيمة رفيعة الثقافة والتفكير.

لا أريد أن أنحي باللائمة على المسلسل لأنه لم يتجاوز الحقيقة الواقعة في بلادنا... إنها صورة الواقع العربي المر الذي عانى ويعاني من تقاليد لا تمت إلى الإسلام بصلة، فجاء يبحث عن المخرج الذي لم يجده إلا في المستورد من الفكر والمبادئ والنظم التي تحارب الدين، بل تحارب طبيعة مجتمعاتنا، التي عشش فيها الجهل ونما حتى جعل الناس يكسرون الطوق ويخرجون لا على الدين والعرف فحسب، ولكن على المنطق والذوق السليم كذلك! 

ولقد اندفع الناس وراء ذلك الطريق ظنًا منهم أنه طريق الخلاص.

ولعل المسلسل لم يستطع التعرض إلى عينة جديدة من النساء في سورية، ولدن بعد التقسيم وعشن النكسة، واخترن طريق الإسلام الذي أشار إليه المسلسل في شخص «أميرة» الأستاذة المثقفة الواعية التي نالت على يد «أبي عزو» الذل والمهانة بسبب من صدام الثقافة والمستوى الفكري والسلوك مما أدى بهما إلى الطلاق، ومن ثم إلى زواجها من «بشير» الذي يمثل دور إسلامي ملتزم بعد أن أصبحت من الملتزمات بالدين وقد نقشت هذه الظاهرة في سورية، وانتشرت فتيات الجماعات الإسلامية اللاتي استطعن ويكل نجاح تقديم مثال واقعي عن المرأة المسلمة دنيا ودينا ثقافة وعلمًا. 

ومما يؤخذ على المسلسل قضية على غاية من الأهمية هي أنه لم تتم حادثة زواج واحدة عن طريق الخطبة المعروفة في سورية، وما حولها من بلاد عربية، إذ على الرغم من أن الخطبة التقليدية السورية أصبحت مع الزمن واحدة من أبشع العادات في مجتمعنا، فكان ينبغي أن ترد في مسلسل اهتم بالعادات الشامية التي يقوم بها أهل الخاطب بتقليب الفتيات وكأنهن بضائع للعرض والطلب.

كما وردت في المسلسل بعض الأمور البسيطة، التي أشارت إلى الجهل العميق ليس لدى القائمين على المسلسل، بل لدى الشعب السوري بأمور الدين وفقه النساء وهذا واقع عشناه ونعيشه ولا يفيد نكرانه والتملص منه إلا في زيادة البلاء، فأصول «العدة» لدى المرأة التي توفي عنها زوجها ندر من يفهمها، والعادات السائدة لدى الوفاة لا تمت إلى الدين بصلة، وأعظم من ذلك الجهل المربع بأمور الطلاق والمعتدة وبخاصة متى يقع الطلاق ومتى لا يقع،  وما الطلاق البائن، وكلها أمور وردت في المسلسل مع أشياء كثيرة تقصر هذه الكلمات عن حصرها والحديث فيها، فنحن هنا لا نناقش وضع المرأة في المسلسل إلا لنستعرض وضع المرأة في بلادنا بين الماضي القريب الذي أغرقها في الجهل والحاضر الذي جعلها تتخبط بين النور والظلمات، والمستقبل الذي مازلنا نجاهد لوضع معالم وأطر جديدة لوجودنا فيه بما يتناسب مع مبادئنا ومتطلبات العصر الذي نعيش.

ولعل رصدي لوضع المرأة الشامية من خلال هذا المسلسل، لم يكن إلا عرضًا شاملًا لكل ما أثاره في نفس ونفوس الكثيرين أكثر من كونه استعراضًا للهفوات والسقطات، وأنا لا استطيع أن أفهم النقد على أنه عمل عدائي، ولكنه إن عبر عن شيء فإنما يعبر عن نجاح العمل الذي أثار الرغبة في النقد، كما يعبر عن الاحترام والاهتمام بالذات وبالآخرين.

الرابط المختصر :