; على هامش حمام القيشاني (۳ من ٣)- جيش الإنقاذ ورجال سورية.. الذين هضمت حقوقهم | مجلة المجتمع

العنوان على هامش حمام القيشاني (۳ من ٣)- جيش الإنقاذ ورجال سورية.. الذين هضمت حقوقهم

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1998

مشاهدات 80

نشر في العدد 1304

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 16-يونيو-1998

  • خَلَطَ حمام القيشاني بين الحقائق التاريخية التي وقعت وما كان كاتبه يتمنى أن يقع... وغمط الناس حقوقهم

كتب الأستاذ زهير الشاويش، في مقال نشرته له مجلة فلسطين المسلمة، عام ١٩٩٤م يقول: «مضت أكثر من أربعين سنة، وأنا رافض الاستجابة لكل من طلب إلى الكتابة عن ذكرياتي في الجهاد»، غير أن بعض الحوادث جعلتني أستجيب للحديث عن ذلك وأنا مكره، منها الحال الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، وكثرة الأخطاء والتضليل، في أغلب ما نشر وأذيع من تلك الحقبة، وحماية حق إخواني الذين أفضى أكثرهم إلى رحمة الله، وما أصابهم من الإهمال، ولبعضهم من تشوه وتحريف لمواقفهم، والظلم المتعمد لهم.

ولقد خصصت هذه الحلقة من ملاحظاتي حول مسلسل «حمام القيشاني»، لتوضيح المواقف والملابسات التي تشكلت فيها الكتائب السورية التي جاهدت تحت قيادة جيش الإنقاذ، ومن شارك فيها، ومن لم يشارك، مما يصحح الكثير من اللبس والخطأ الذي وقع في عرض الحقائق في المسلسل موضوع البحث، وبخاصة أننا الآن نعيش في ظل مرور خمسين عامًا على اغتصاب فلسطين، وما صاحب ذلك من أحداث جسام هائلة خطيرة كان لها ما بعدها في حياة هذه الأمة والواقع الذي تعيشه الآن!!

 وقد أغفل هذا المسلسل الناجح فنيًّا أسماء رجال ما كان ينبغي أن تغفل أسماء أمثالهم لدى الحديث عن تاريخ سورية في تلك الحقبة التي تلت الحرب العالمية الأولى، وإلغاء الخلافة، وتقسيم بلاد المسلمين بين المستعمرين وتقطيع سورية الطبيعية إلى ما يقارب العشر مقاطعات وما تبع ذلك من إدخال منهاج التعليم الأجنبي، ونهب الثروات وإفقار البلاد تحت ظل الانتداب وتسليط الدخلاء والأقليات على المراكز الرئيسة في إدارة شؤون البلاد، كما ذكر «زهير الشاويش» في «فلسطين المسلمة».

وهكذا بدأ الإعداد من القيادات الإسلامية، فقام الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي بالتحرك وإلقاء الخطب وعقد ما كان يسمى بالمؤتمرات في مركز جمعية الشبان المسلمين بدمشق المنضوية تحت اسم «شباب محمد»، كما كان الأستاذ الجليل الشيخ «على الطنطاوي»، يلقي الخطب ويحرض الناس».

ويضيف شاهد عصره الأستاذ الشاويش في مكان آخر من سلسلة مقالاته كان العمل لقضية فلسطين تابعًا لما تخططه جمعية شبان محمد لأفرادها، وكان من ذلك ذهابي إلى فلسطين أكثر من ثلاثين مرة في سنة ١٩٤٦م، ومن يراجع سيرة أستاذنا الدكتور مصطفى السباعي يجد كم عمل وسافر وخطب في هذا السبيل، وقل مثل ذلك أو قريبًا منه عن الدعاة الذين عاصرتهم مثل الأستاذ «محمد خير الجلاد»، والشيخ «نافع الشامي» في إدلب - والشيخ محمد الحامد، في حماة، والأستاذ «عصام العطار»، والأستاذ «كاظم نصري» والدكتور «محمد خير العرقسوس»، والدكتور «أديب الصالح»، والأستاذ عبد الرحمن ألباني، وغيرهم».

 كانت الدعوة في الشام إلى تشكيل كتائب للجهاد في سبيل الله في فلسطين قد انطلقت من «حي الميدان» الشهير في دمشق، وكان «لشعبته الدور الواضح والأثر الكبير في التهيئة والتدريب، والاجتماعات الضخمة التي أقيمت لنصرة فلسطين»، ومن ذلك أول اجتماع عام عقد في دار «المهاييني»، وحضره الشيخ محمد الأشمر، كما كان للأستاذ «محمد خير الجلاد» «باع طويل»، «وهو الذي أعلن افتتاح باب التطوع للجهاد ما بين عامي ١٩٤٦م، و ١٩٤٧م، وكذلك «الأستاذ عبد القادر الحسيني»، و«عمر الأميري» في حلب والشيخ «نافع الشامي» في إدلب، والشاعر «محمد المجذوب» في اللاذقية.

 وفي موضع آخر يقول الأستاذ الشاويش عن هذه الأيام: «لقد قرر الإسلاميون تجديد مطالبهم من الحكام، ومن المرشحين للنيابة عام ١٩٤٧م، وقد ألقى الأستاذ «محمد خير العرقسوسي» في حفل انتخابي كبير أقيم في المركز الصحي، الذي أسسه حزب الأستاذ «فيصل العسلي»، في منطقة «باب المصلى» في دمشق، وأيدنا في مطالبنا كلها الأستاذ العلامة الشيخ بهجة البيطار، والشيخ «عبد الرزاق الحمصي» وهي:

۱- يجب على الحكومة أن تعلن أن فلسطين جزء من سورية عليها استعادته.

2- على كل مرشح للانتخابات أن يعلن أنه يعمل لقضية فلسطين وكأنها قضيته الخاصة ويعمل لها ولو تخلى عنها كل الناس.

3- أن يستعد كل منا للجهاد من ماله الخاص وأن الإعداد الفردي مقدم على الإعداد الجماعي.

٤- دعوة الحكومة وجميع الأحزاب والهيئات إلى نبذ الأحقاد وأن تتحد كلها في جماعة واحدة تعمل لقضية فلسطين.

«وقد تجاوب معنا حزب فيصل العسلي» و«حزب البعث» و«الجمعية الغراء»، و«عصبة العمل القومي»، وأحالنا الحزب الوطني على نسيب بك البكري، والأستاذ عفيف الصلح!! -وإشارة التعجب هنا من إثبات الشاويش في أصل مقاله- ورفض الحزب الشيوعي الفكرة من أساسها، أما الحزب السوري القومي الاجتماعي، فقال مندوبهم إن لدى الحزب طريقته الخاصة به في القضية الفلسطينية..

ويحق لنا أن نسأل بعد ما جمعنا من شهادات وأثبتنا من أقوال، وإن كانت قليلة، ولكنها على قلتها نادرة وقيمة -يحق لنا أن نسأل كيف يمكن أن تنقلب هذه الحقائق التي يذكرها شهود عيان خبروها بأنفسهم، كيف يمكن أن تنقلب أثناء سرد حوادث مسلسل حمام القيشاني... الذي جعل من الشيوعيين قوة شعبية تجاهد بالمال والنفس في سبيل فلسطين؟؟ وكذلك الحزب القومي الاجتماعي، الذي كان من الأحزاب التي عني بها المسلسل وإن لم تصل درجة العناية به تلك التي وجهت إلى الحزب الشيوعي.

وتستمر رواية التاريخ التي ننقلها عن مقالات الأستاذ الشاويش «وزرنا -أي الإسلاميين- من كان حيًّا من قادة الجهاد في فرنسا، وفي فلسطين ومنهم الشيخ كامل القصاب، والشيخ محمد الأشعر أبو عبدة سكر، عائلة أبو عمر آل ديبو في حرستا، أبو عمر خيتي في دوما، أبو محيي الدين شعبان في برزة، والشيخ موسى القدومي في القدم، والشيخ محمد حجاز الكيلاني، وأبو عبده غبور في عقربا، أبو الخير نجيب في الميدان، والعالم الشيخ سعيد العرفي والنائب سرور شيخ عربان الجبل، والأمير زيد الأطرش، والقائد فوزي القاوقجي، وسلطان باشا الأطرش، والشيخ محمود أبو يحيى الذي استشهد بعد ذلك في فلسطين ونزيه بك العظم، ورمضان باشا شلاش وأبو إبراهيم عرني الخيمي، وغيرهم كثير»، «وقد استفدنا منهم ومن تجاربهم وذكرياتهم الكثير، وليت يومها كان عندنا مسجلات، لكنا حفظنا وثائق عن تاريخ بلادنا ما كان لها أن تضيع!!».

وكان مما ذكره الأستاذ الشاويش ومما ينبغي إثباته في هذا الموقع للتاريخ: «أن الإقبال على: الجهاد في مدينة كمدينة حمص كان على أشده حتى أن الذين ما كانوا -يحضرون المساجد توافدوا عليها من سكان المدينة والقرى المجاورة ومن القيادات المسيحية الذين زرناهم كذلك في أماكنهم وكنائسهم، كما زارنا في حمص جماعة من وجهاء الطائفة العلوية، وأيدوا الاستعداد للجهاد ومنهم قريب للمجاهد الشيخ صالح العلي وكان كبير السن محاطًا بأشخاص ليسوا على مستوى الجهاد أو فهم القضية، وشيخ من آل علي أديب، ونائب من مشايخ آل يونس، وكذلك العشائر الدندشية، وزعماء عشائر البدو والقرى الشركسية، أما في المدن الأخرى فحديث الجهاد... حديث آخر يطول!! 

ولعل هذه الحقائق تعتبر دليلًا كافيًّا على المغالطة التاريخية التي وقع فيها المسلسل وبخاصة في تحديد هويات الذين جاهدوا تحت ألوية جيش الإنقاذ ولعلنا الآن بالذات في أمس الحاجة إلى وقفة عبرة، وتذكر، وصدق... وقفة نعرف فيها تاريخنا الذي لم يقتصر تشويهه على أعدائنا، بل امتدت القدرة على التشويه إلى أبناء أمتنا... جهلًا أو قصدًا، وكلاهما جريمة لا تغتفر.

ويحكي الشاويش عن ذكريات «جيش الإنقاذ» ما يؤلم ويدمي إذ يقول في مذكراته المخطوطة وكنا تابعين لجيش الإنقاذ، بصورة رسمية، وكان التفاهم كل الحكومات العربية الأثر في عدم بقاء أحد من المجاهدين في فلسطين، وهي بأشد الحاجة إلى كل مقاتل، وكل بندقية.

وكان رأي الأستاذ السباعي عدم تنفيذ هذا الطلب والبقاء في القدس ولكن كانت كل الظروف على خلاف رأيه وعكس ما يريد، وغادرت كتيبتنا القدس بعد أن تركت ما عندها من سلاح وذخيرة وقبيل الوصول إلى دمشق أخذ منهم ما تبقى معهم من سلاح وعتاد فردي وطلب إليهم الذهاب إلى بيوتهم، وسوف تجري دعوتهم للقتال في جبهة الجيش السوري في شمال فلسطين، وعلى الحدود السورية اللبنانية وهذه الدعوة لم تصل إلى واحد منهم حتى الآن».

«ثم تم التفاهم والتنسيق بين قائدنا الأستاذ السباعي -كما يقول الشاويش- وبين قائد الجيش الأردني في القدس «عبد الله التل» وإخوانه من الضباط العرب، فسمح لمجموعة منا في البقاء على أننا من الجهاد المقدس، وعناصر فرقة التدمير، وأعطينا هويات نتجول بها مع تغيير بالأسماء أحيانًا، وبقي معنا العدد الكبير من الإخوة أهل فلسطين الذين التحقوا بنا». 

ولم يرد ذكر شيء من ذلك كله في «حمام القيشاني»، الذي أنهى قضية فلسطين بمجرد عودة المجاهدين... ولقد صور المسلسل هذه الحقيقة بشكل استثنائي، ولكنه لم يلق العناية اللائقة بمستواه.. فجعل عودة آخر المقاتلين في جوف الليل المظلم، والسيارة قافلة مديرة، مولية تختفي شيئًا فشيئًا وراء منعطف على الطريق.

لقد نجح القيشاني في إثارة الشجون إلى درجة البحث عن الحقيقة ونبش الذكريات من القبور الجماعية التي دفنت فيها، وكادت القضية تُسجل ضد مجهول.

ولقد وقفت طويلًا لدى نص جاء تحت عنوان: «الإخوان المسلمون في معارك فلسطين»، بقلم الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق يوم نشر هذا النص في مجلة

«حضارة الإسلام» الدمشقية، وقد جاء فيه: «لما كانت كارثة التقسيم عام ١٩٤٨م وهب الشعب في جميع البلاد العربية يطالب بالتطوع في القتال لمنع التقسيم... اتخذت الجامعة العربية قرارًا بتأليف جيش الإنقاذ، وافتتحت الحكومة مراكز للتطوع». 

ويضيف السباعي -رحمه الله- في مكان آخر من مذكراته قائلًا: «كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس أن هناك ما يجري على الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية العليا، لجعل التقسيم أمرًا مفروغًا منه، ولجعل القدس تخرج من أيدي العرب والمسلمين»، ووجدت من واجبي أن أكشف الحقائق التي تبينتها بنفسي ومن هذه الحقائق:

١- أن جيش الإنقاذ الذي شكلته الجامعة العربية ووكلت قيادته إلى «فوزي القاوقجي، لم يكن إلا تسكينًا لشعور العرب الهائج في كل بلد، وأنه لم يكن يقصد منه جديًّا أن يقاتل ويمنع سقوط المدن والقرى بأيدي اليهود.

٢- أن قيادة جيش الإنقاذ لم تخض معركة جدية واحدة في فلسطين، فالقاوقجي كان مقيمًا قرب نابلس، وكذلك بقية القيادات.

3- أن جيش الإنقاذ كانت مهمته تحطيم منظمة «الجهاد المقدس» التي انخرط فيها شباب فلسطين وأبدوا من البطولات ما سجله لهم التاريخ بإعجاب وإكبار، وكان قائدها الشهيد البطل عبد القادر الحسيني، يحاول الحصول من الجامعة على قدر كاف من الأسلحة فخاب مسعاه، حتى أنه حين جاء إلى معسكر«قطنا» ليأخذ معه الفوج الأول من إخواننا قال: إنني طلبت منهم مدفعًا واحدًا فرفضوا وأعطوني مائة بندقية لا تصلح إلا لوقود النار، وها هي معي في السيارة، ونظرنا فإذا ببنادق من العهد الفيصلي من أعقاب الحرب العالمية الأولى ثم تابع قوله: إنني ذاهب إلى فلسطين لاسترد «القسطل»، وسأموت ولن أترك بلادي فلسطين طعمة للأعداء! 

لقد تعرض مسلسل حمام القيشاني إلى هذه الحقائق المدمية، ولكنه خلط بين ما وقع وبين ما كان يتمنى كاتب المسلسل أن يقع، وغمط الناس حقوقهم... ولقد جرى نقاش في إحدى الحلقات بين متشدد من الإسلاميين وإسلامي معتدل...

نعى فيه المتشدد على المعتدل أن يتدخل في السياسة أو أن يكون له رأي أو شأن في كل ما يجري في بلاده وتحت سمعه وبصره، ولكان السياسة شأن مقتصر على من قدموا أنفسهم على أبناء الشعب ونصبوا ذواتهم أوصياء على التاريخ والحقيقة.. بل على الدماء والمعاناة والآلام التي حملناها جيلًا فجيلًا. 

وعلى الرغم من ذلك فيكفينا من هذا المسلسل أمران: أولهما أنه أثار هذه الذكريات في ضمير واقعنا الذي نعيشه، وثانيهما أنه دفع البعض منا إلى البحث ولعله أن يكون في ذلك دافع أكبر... لمزيد من البحث الجاد في المخطوطات والوثائق التي تركها الإسلاميون، وغير الإسلاميين من رجال سورية الذين صنعوا التاريخ، فجاء من بعدهم من ترك التاريخ يمر دون أن يكون له فيه ناقة ولا جمل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية