العنوان المجتمع الأسري (عدد 1627)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004
مشاهدات 68
نشر في العدد 1627
نشر في الصفحة 60
الجمعة 12-نوفمبر-2004
تجربتي مع المراهقة
هي تجربة من أخصب التجارب التي عايشتها طيلة ما يقرب من ستة عشر عاما مليئة بالتجارب والقصص والحكايات.. يأتي بعضها حزينًا مبكيًا ويأتي بعضها لطيفًا مفرحاً.. ستة عشر عاما قضيتها في التعامل معهم وبالتحديد مع الفئة العمرية من الحادية عشرة إلى الثامنة عشرة. تعاملت مع مراهقين من جنسيات مختلفة وذلك بحكم المهنة التي أنتمي إليها حيث أعمل معلمًا. وفي الحقيقة كنت أجد المتعة حينما أشعر أنني محل ثقتهم.
هذه التجربة جعلتني أكثر تصميمًا على أن أخوض هذا العالم المليء بالمتناقضات حتى أتعرف كيف يفكر هؤلاء وبالتالي دراسة مدى إمكانية مساعدتهم، ولم لا، وهم أمل هذه الأمة في حاضرها ومستقبلها؟!
عبر تجربتي معهم اكتشفت أن غالبيتهم العظمى تشترك في سمات عامة لا تختلف من جنسية إلى أخرى. فأثرت أن أنقل هذه التجربة إلى القارئ الكريم لعله يجد فيها من الأفكار ما يساعده على التعامل مع المراهقين.
سمات عامة للمراهقين
1- الإحساس بالأهمية، فالمراهق في هذه السن يبدأ في الإحساس بأهميته وقيمته. وبأنه صار رجلًا وتبدأ الفتاة في الإحساس بأنها آنسة لها خصوصياتها وعالمها الخاص الذي لا تريد أن يقتحمه أحد. وهنا لابد على المربي أيا كان - معلمًا أو أبًا أو أمًا أن يحترم تلك القيمة في الشاب أو الفتاة وذلك لنغرس فيهم قيمة كيف يكونون هم أنفسهم. وهذا لا يتنافى مع التوجيه والنصح والإرشاد لأن هذا دورنا أولًا وأخيرًا كمربين. والحذر كل الحذر من التعامل مع المراهق على أنه كم مهمل لا قيمة له. فهذا يجعلنا نفقد الخيط الذي يربطنا به ويصبح هو في واد ونحن في واد آخر، وهذا بداية الضياع بالنسبة له. إن كثيرا من الشكاوى كان يأتيني ومفادها أن المراهق يشتكي إن أبي مازال يعتبرني طفلًا ويتعامل معي على هذا الأساس مع أنني صرت رجلًا ولي شخصيتي».
2- التمرد والمشاكسة. وسيلة يحاول بها المراهق أن يثبت وجوده وأن يعلم الآخرين أنه أصبح ذا كيان مستقل عنهم وأن عليهم أن يحترموا هذا الكيان الجديد، فيبدأ في عصيان أوامر الأب والأم وكذا المعلم ومخالفة أوامرهم. ليس رغبة في المشاكسة بحد ذاته بقدر ما هو محاولة لإثبات الوجود واتخاذ معالم فريدة لشخصيته. وهنا يجدر بنا أو نحترم فيه هذه النقطة وألا نحاول اتخاذ موقف المعارض له على الدوام؛ لأنه رغم ظهوره بموقف القوي إلا أنه ينتحب من الداخل لعدم تقديرنا لقدراته، ويزداد الأمر تعقيدًا مع هؤلاء الأولاد ذوي القدرات المتميزة فعلًا والذين يحترمهم أقرانهم ومعلموهم إلا أنهم لا يجدون هذا التقدير داخل منازلهم.
3- سرعة الغضب؛ حيث يتميز المراهق في هذه الفترة بسرعة الاستثارة والغضب وهذ يعتبر شيئًا طبيعيًا نتيجة للتغيرات الجسمية التي يمر بها والتي تفقدة جزءًا كبيرًا من طاقته فيؤديان به إلى سرعة الانفعال والغضب الشديدين وهذا يتطلب من المربي أن يقدر ذلك في المراهق الذي يتعامل معه حتى لا يفقده.
كان «علي» طفلًا هادئًا ودودًا لا تكاد تسمع له صوتًا.. يحترم الجميع ويقدره معلميه، متميزًا في دراسته ويحصل على أعلى الدرجات في الاختبارات حتى أصبح محل احترام الجميع لكن مع بلوغه الحادية عشرة بدأن تظهر عليه تصرفات غريبة جعلت والديه في منتهى الحيرة والدهشة من أمره. فقد بدى عليه علامات الانفعال الشديد والعصبية الزائدة والمبالغ فيها.. أحيانًا كثيرة.
وعندما يتعامل معهما سرعان ما يتوتر ويرفع صوته، ففكر الوالدان في عرضه على اختصاصي نفسي والذي بدوره وضح لهم الأمر أن الابن يمر بمرحلة المراهقة والتي ينمو فيها الجسم بسرعة فائقة تستنزف كل طاقته وتجعله عصبيًا.
من الخطأ أن ننظر للمراهق من منظورنا نحن. يقول ريتشارد هيمان: إن منظورك القائم على خبرتك الحياتية سيكون مختلفًا عن منظور أبنائك المراهقين فحاول أن تضع نفسك في موقفهم. تذكر نفسك وأنت في الخامسة عشرة حين كنت لا تزال تحاول اكتشاف حقيقتك، ولا تفترض أن خيارك سيكون مناسبًا لأبنائك المراهقين فساعدهم على دراسة الخيارات والنتائج التي تترتب عليها، ويمكنك أن تضيف من واقع خبرتك جميع أنوع المستجدات التي تطرأ على الموقف التي لا تخطر ببالهم.
4- الخصوصية - فعند بلوغ الصبيِّ سن المراهقة فإنه يميل إلى الخصوصية في كل أموره فيبدأ في عدم الرغبة في مرافقة والديه في نزهاتهما والخروج معهما ويميل إلى الجلوس الطويل داخل غرفته بمفرده وإلى الخروج مع أصدقائه المقربين منه.. وهذا أمر طبيعي لا يجب أن ننزعج منه مطلقًا؛ حيث يميل الابن في هذه السن إلى تكوين جماعة الأصدقاء، بل ويكون أكثر اندماجًا معهم عن والديه، بل حتى إخوانه.
5- حب التجربة - بل والمغامرة أحيانًا من السمات الأكثر وضوحًا في حياة المراهقين؛ حيث نجد المراهق يميل إلى تجربة كل جديد فيرغب في قيادة سيارة والده مثلًا أو أن يدخل على مواقع الإنترنت وأحيانا الإباحية منها بهدف حب الفضول والاستطلاع، وقد يميل إلى تجربة التدخين مثلًا وكلها أمور طبيعية في هذه السن لا يجب أن تنزعج منها. فالمراهق خاصة في تلك الأيام التي نعيشها يقع بين مطرقة القيم والشرع وسندان الإغراءات المنتشرة في كل مكان مما يدفعنا إلى أن نترفق بهؤلاء المراهقين خلال التعامل.
قال لي أحد الآباء: اتصلت بي زوجتي في العمل وقالت لي لقد حدثت مصيبة في بيتنا اليوم!! فقلت لها: خيرًا.. قالت لقد تصفحت مواقع الإنترنت التي دخل عليها ولدنا اليوم.
فوجدته قد دخل على بعض المواقع الإباحية... فماذا أفعل؟ قال الأب لا تتحدثي معه وسوف أتحدث معه حين عودتي إلى المنزل واهدئي ولا داعي للانفعال. وحينما عدت إلى المنزل جلست معه وسألته هل دخلت على المواقع الإباحية على الإنترنت اليوم؟ فقال نعم. فقلت له: ولم؟ فقال إن كل زملائي في المدرسة يتحدثون عنها فأحببت من قبيل حب الفضول أن أتعرف عليها، فقال الأب: هل تعلم أن مشاهدة تلك المواقع حرام شرعًا؟
فقال الابن: نعم.. وأعدك يا والدي بأنني لن أشاهدها مرة أخرى خوفًا من الله عز وجل.. إذا حب تجربة كل ما هو جديد بعد سمة بارزة من سمات المراهقين فلا يجب أن نكبت فيهم تلك الرغبة، ولكن المهم أن نكون مثل حامل الراية داخل ملاعب كرة القدم والذي يشاهد المباراة من خارج الملعب ويرفع الراية بمنتهى الهدوء والحكمة عند حدوث الخطأ.
إن المراهقة من أخطر مراحل العمر على الإطلاق فينبغي أن نساعد المراهق على أن يجتاز تلك المرحلة بسلام وأن نتعامل مع الأمر بشكل طبيعي هادئ بعيدًا عن التشنج والغضب، بل لابد من فتح قنوات الحوار الهادئ معهم للتعرف على مشكلاتهم وكذلك رغباتهم وذلك أملًا في تربية جيل مسلم صالح يساعد في بناء هذه الأمة من جديد فلعله يستطيع أن يفعل ما لم نفعله نحن.
التمرد وسرعة الغضب والخصوصية وحب التجربة من سمات المراهق.
التفكير الناقد
التفكير الناقد، هو ذلك الشيء المحير الذي نردده دون أن يستطيع أحدنا أن يعطي مثالًا عمليًا. يقولون إنه يتعلق بتمحيص الآراء وعدم قبولها قبولًا حاملًا دون مساءلتها. ولا أدري إذا كان إفساح المجال للتلاميذ ليسألوا كما يشاؤون يعني تنمية التفكير الناقد أم لعله يعني شيئا آخر.
اشتكت إلي في أحد الأيام تلميذة أن البنات ينادونها بلقب مرايا، وذلك لأنها سألت معلمة العلوم هذا السؤال: إذا كانت المرأة تعكس أشعة الشمس وحرارتها، فلماذا لا نصنع مدفئات من المرايا، فأجابتها هازئة من أين لك هذه العبقرية وانفلتت التلميذات بالضحك واخترعن لها ذلك اللقب. وأظن أن سؤال التلميذة هو ضرب من التفكير الناقد، فالتفكير الناقد لا يعني إبراز السلبيات فقط في أمر ما، ولكنه يشمل فهم الإيجابيات والمدلولات كذلك ومحاولة توظيف المعرفة، وأعتقد أن لسلوك تلك المعلمة سبيين: أحدهما أن كل مؤهلها المهنة التدريس كان بكالوريوس في علم الحياة والثاني حداثة عهدها بالمهنة. على أن هذين السببين لا يبرزان ذلك القمع الاجتهاد التلميذة.
إن الدراسات التربوية كثيرة جداً، ونحن حين تطلع عليها، نشعر بالمزيد من اللا جدوى، ففي حين يتألف البرنامج الدراسي في الدول المتقدمة من حصص توازن بين التطبيق والدراسة النظرية. يتكون حل برنامجنا من خصص نظرية، ومع أن هناك دعوة حثيثة في الأوساط التربوية لجعل عملية التدريس تطبيقية أكثر منها. نظرية تكاد تخلو مدارسنا من الإعداد اللازم لتفعيل دور المختبرات واستخدامها بفعالية.
وبحكم اختصاصي، فقد كان اطلاعي على الدراسات المتعلقة بتدريس اللغة الإنجليزية واسعًا نوعًا ما، وكانت دهشتي كبيرة لما تقوم به بعض المدارس من تدريس اللغة الإنجليزية منذ الصف الأول الابتدائي، مع أن كل الدراسات تشير إلى أن لهذا الأمر أضرارًا أكاديمية.
هائلة، وحين ناقشت الأمر مع بعض رجالات التربية المخضرمين، إذ بهم يعرفون هذا الأمر، بل وقد اطلعوا على أكثر مما قرأت بكثير، لكنهم يؤثرون عدم الخوض في تلك الأمور عملًا بالآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: 101) وهو لا شك فهم خاطئ للآية الكريمة.
سها الجندي
suha al sulalj@yahoo.com
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل