العنوان المثالية والواقعية 1989 م
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1996
مشاهدات 68
نشر في العدد 1184
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 16-يناير-1996
صفحات من دفتر الذكريات (۸۲)
في جميع الحركات الإسلامية أو السياسية يوجد قدر كبير من الحوار بين دعاة الحماس والاندفاع العاطفي، وبين من يمارسون الأسلوب العملي والواقعي، وفي الإخوان المسلمون، كان هناك فريق الخطباء والدعاة الذين يشعلون حماس الجماهير فتهتف الله أكبر..... وتندفع نحو المظاهرات أو نحو التضحية والاستشهاد وبعض هؤلاء كانوا يظنون أن الجميع يجب أن يسير في هذا الاتجاه، لكنني كنت امارس اسلوباً آخر فيه قدر كبير من الواقعية تأخذ في اعتبارها الظروف التي نمر بها وما نستطيع عمله وما لا نستطيع.
هذه الواقعية جعلتني أمتنع عن دخول الجزائر منذ خرجت منها في عام ١٩٦٤م، حتى عام ١٩٧٤م. ثم بعد ذلك إلى عام ۱۹۸۹م، وهي فترة المخاض التي كان فيها التيار الإسلامي يشب وينمو ويتسم بكثير من الميل إلى الجزارة، التي لا ترحب بالتوجيه أو الدعوة من الشرق، وكنت أعتبر هذه الفترة من صور البيات الشتوي الذي تمارسه بعض الزواحف ولا بأس في ذلك ما داموا يسيرون في طريق التعريب الذي اعتبره الخطوة الضرورية لنمو التيار الإسلامي رغم عداء النظام الحاكم له ومقاومتهم لدعاته.
ابتعاد عن الجزائر:
لقد ابتعدت عن الجزائر منذ خروجي من المغرب إلى السعودية في عام ١٩٦٥م، لأن الفكر الإسلامي الأصيل هناك أخذ رقعة جبارة نتيجة نشاطه وكتبه، التي أوجدت تياراً فكرياً عصريا اعتز به الجزائريون وصار يغذي حلقات فكرية عديدة، وجماعات متفرقة، وأنشأ جيلاً جديدا من دعاة الأصالة الإسلامية رفع كثير منهم شعار الجزارة، اعتزازاً منهم بانتمائه إلى المجتمع الجزائري، والتجديد الذاتي الذي يعتبرونه أكثر تقدما في الفكر المشرقي، ثم إن بومدين بعد أن تولى السلطة سار بعد نحو التعريب، وكنت واثقاً بأن خطة التعريب ستوجد جيلاً جديداً يواصل مسيرة الكفاح والجهاد الإسلامي لتستعيد الجزائر أصالتها التي حاول الاشتراكيون إبعادها عنها، وقد وجد هذا الجيل فعلاً رغم اضطهاد بومدين لجمعية القيم وأنصارها، وهذا الجيل أنشأ جبهة الإنقاذ الإسلامية التي تزعمها عباس مدني، الذي عرفته من انشط العاملين في جمعية القيم المنحلة» أو «المحظورة».
منذ غادرت الجزائر في عام ١٩٦٤م. حتى وفاة بومدين الذي قاد الانقلاب العسكري ضد صديقي بن بيلا في عام ١٩٦٥م، وأبقاه في الاعتقال طول مدة حكمه.
بومدين ودراسته في الأزهر:
إن بومدين لم يكن ممن التقيت بهم في باريس مدة إقامتي بها، ولم يكن من ذوي الثقافة الفرنسية كأكثر من عرفتهم من قادة جبهة التحرير ومؤيديها، وجاء إلى مصر طالبا بالأزهر، بعد أن بدأ دراسته في الزيتونة بتونس وكان من بين الطلاب الجزائريين الذين انضموا إلى جبهة التحرير الوطني عند تأسيسها في القاهرة في عام ١٩٥٤م، وتلقى تدريبا للعمل الفدائي، ثم عاد للجزائر لينضم إلى كتائب المجاهدين في منطقة وهران غرب الجزائر، وكان لذلك أثره في نهجه السياسي إذ إنه على العكس من صديقي بن بيلا سار بعد وصوله للسلطة في نهج عملي وجدي في خطة التعريب في الجزائر وكان من أهم أسباب اندفاعه في هذا الاتجاه عامل شخصي هو أنه على خلاف أكثر قادة المقاومة والثورة كان أقلهم حظاً من الفرنسية. وكان الاتجاه للتعريب من حسناته التي اعترف بها والتي يجب أن يذكرها التاريخ واعتقد أن أعضاء جبهة التحرير وقادتها من تلاميذ جمعية العلماء كان لهم حظ أكبر من بين حاشيته ومستشاريه وأعوانه، ولهم الفضل الأكبر في تشجيعه وتأييده عموما، وفي تنفيذ خطط التعريب بصفة خاصة، ومنهم صديقي المرحوم الأستاذ مولود قاسم الذي تعاون معه طول مدة حكمه، وكان له فضل كبير في. اللغة مواصلته لخطة التعريب في التعليم والإدارة والثقافة في الجزائر، واستمر فيها في عهد خلفه الشاذلي بن جديد حتى صدر قانون التعريب الإجباري الأخير في القطاع الخاص الذي كان إلغاؤه أو تعطيله أول عمل قام به الانقلابيون بعد إقالة من جديد عام ۱۹۸۲م. وأظنه كان من شروط فرنسا لتقديم الدعم المالي للحكومة الانقلابية. لقد أشرت من قبل إلى ما لاحظته من اتجاه من بيلا إلى السير في النهج الذي رسمه له مستشاروه وأصدقاؤه الاشتراكيون الجزائريون والفرنسيون الذين اعتبروا اللغة الفرنسية، بل والتعاون مع فرنسا شرطا ضروريا لتعميق المنهج الاشتراكي الذي كان يعني الدى كثير منهم السير نحو الإلحاد الماركسي المتناقض مع عقائد الإسلام ومبادئه، فضلاً عن أنه يعني الانتماء إلى الكتلة الاشتراكية والابتعاد عملاً عن فكرة الوحدة الإسلامية وعن الفكر الإسلامي ومعاداته، حتى وصل بهم الأمر إلى تعمد تشويه عقائد الإسلام والتشهير بقيمه ومبادئه وشريعته، مما اضطرني إلى اليأس من فائدة بقائي في الجزائر، وتركت صديقي بن بيلا وحكومته تسير في نهجها الاشتراكي الذي كان يرضي الاشتراكيين في فرنسا ومصر في عهد عبد الناصر كذلك.
مستشارو بومدين:
صحيح أن بومدين قد استمر هو أيضا في سياسة الالتزام بالاشتراكية والتقرب من الكتلة السوفييتية، لكنه وجد من المستشارين الذين التفوا حوله من استطاعوا أن يستبعدوا التناقض المصطنع بين التعريب كخطة ثقافية والاشتراكية كمنهج اقتصادي أو سياسي واجتماعي، وكان أغلب هؤلاء من تلاميذ جمعية العلماء التي كانت الحاشية الاشتراكية المتفرنسة سبباً في دفع بن بيلا إلى الغلو في معاداتها، بل ومعاداة ذوي الثقافة العربية الإسلامية عموما، وكان من مظاهر ذلك أنه بدأ سياسة التضييق على جمعية القيم، بل وجمعية العلماء.
ومن المؤكد أيضاً أن بومدين استمر في اضطهاد أصدقائي في جمعية، القيم، وأنه هو الذي أمر بحلها مرتين، واعتقال رئيسها وأعضائها، لكن ذلك لم يعطل سياسة التعريب وأعتقد أن الفضل الأكبر في ذلك يرجع إلى نفوذ صديقي المرحوم مولود قاسم الذي درس في جامعة القاهرة، وأحب مصر والعروبة، وعمل مديراً لمكتب محمد خيضر - الأمين العام للمكتب - السياسي اثناء وجودي في الجزائر - وكانت له – جرأة عجيبة في الدفاع عن وجهات نظره مهما تكن شاذة في نظر كثيرين، وأعتقد أن هذا هو ما أعجب بومدين وجعله بقربه، وأطلق يده في تنفيذ خطط التعريب إلى أقصى حد ممكن، وهو الذي بدأ سياسة تنظيم ملتقى الفكر الإسلامي السنوي في الجزائر، وكان له الفضل في أنني دعيت له مرة واحدة عام ١٩٧٤م، ولم أعد للجزائر بعدها إلا في عهد الشاذلي بن جديد بعد أن بدأ سياسة التعددية السياسية في عام۱۹۸۸م، وهي التي أتاحت للإسلاميين إنشاء راض جبهة الإنقاذ في عام ١٩٨٩م.
إنني أنتهز هذه الفرصة لأبين وجهة نظري في الأسلوب الذي كنت أسير عليه رغم ا بعض أصدقائي الذين عملوا معي في إطار حركة الإخوان المسلمين وخاصة أولئك الذين كانوا يعملون في نطاق «الدعوة أو التربية الإخوانية.
وكانوا يأخذون علي صداقتي أو علاقتي مع بعض من يعتبرونهم غير إسلاميين أو غير عروبيين أو أعداء التيار الإسلامي، أو خصوم الدعوة، أو من يسيرون في غير اتجاهها، بل ودفاعي عن بعض منجزاتهم التي كنت أؤيدها وأحافظ على علاقتي بهم أو الصداقة الشخصية التي تربطني ببعضهم رغم معارضتي لهم ونقد مواقفهم وأخطائهم وسياستهم في عمومها.
كمثال على ذلك اذكر أن صديقي الحاج صالح بورقيق، قضى معي فترة قصيرة في باريس وكان يأخذ على انني في لقاءاتي مع أصدقائي
من أبناء المغرب العربي الذين كانوا يقيمون هناك للدراسة أو العمل كنت اتكلم معهم باللغة الفرنسية، وكان يقترح علي أن أصر على الحوار معهم باللغة العربية حتى يتعودوا عليها ويتعلموها، ولكني رددت عليه أن هذا الأسلوب يثير عند بعضهم مركب نقص إزاء المشارقة ويبعدهم عنا، بل قد يصرفهم عن التعاون معنا في ميادين السياسة أو الكفاح الوطني، وأنا أريد أن أعمل معهم في هذا النطاق وأترك لك أن تعمل انت وامثالك في نطاق الدعوة والتربية.
أهم من السياسة الواقعية هو مستلزمات الخطط الاستراتيجية طويلة المدى التي جعلتني أسعى للاستفادة من بعض مواقف الوطنيين أو القوميين لصالح مسيرة شعوبنا نحو التحرر والوحدة الإسلامية والعربية، لقد ينست مثلاً من توجه بن بيلا واصدقائه إلى التعاون مع التيار الإسلامي أو عدم مقاومته، كما ينست من تهدئة اندفاعهم في هذا المنهج الاشتراكي اندفاعاً جعلهم يسلمون قيادتهم لمستشارين وأصدقاء من المتفرنسين والإلحاديين، ولذلك تركتهم وعدت إلى المغرب، ثم انتقلت إلى المشرق بعد ذلك، وابتعدت عن الجزائر مدة تزيد على خمسة وعشرين عاماً.
بدأت قبل انقلاب بومدين عام ١٩٦٥م، وانتهت بعد صدور دستور بن جديد وحوادث ۱۹۸۸م، وكانت هذه فترة المخاض التي تحول فيها التيار الإسلامي من جمعية القيم «المنحلة، إلى جبهة الإنقاذ التي مازالوا يصفونها بأنها «محظورة، لمجرد أنها حصلت في الانتخابات الحرة على أغلبية كاسحة.
لقد احتفظت بصداقتي وعلاقتي الشخصية مع كثيرين في حدود معينة، ولم أقطع شعرة معاوية التي تصلني بهم، بل ودافعت عن خصومنا في بعض المناسبات مقتنعاً بأن بعدهم عن الحركة الإسلامية أو عداؤهم لها سببه تأثرهم بالثقافات الأجنبية او التعليم الرسمي الأجوف المفرغ من الثقافة القرآنية الخالي مما نعرفه نحن من قيم الإسلام ومقومات ثقافته، إنهم يعملون بما يعرفونه وما يستطيعون، وكل محاولة لتغيير اتجاههم تستغرق وقتاً طويلا يجب الا نبتعد عنهم خلاله، بل علينا إلى أن يتم ذلك أن نستفيد بما نقره من اعمالهم، وإن كانت منطلقاتهم فيها مخالفة تماما لمنطلقاتنا الإسلامية.
لقد اندفع بن بيلا في المنهج الاشتراكي، وأخذ عليه كثيرون وأنا منهم، أنه غالى في ذلك، لكنني كنت سعيداً عندما كنت أسمع منه كيف طرد هواري بومدين المعمرين الذين جلبهم الاحتلال الفرنسي وملكهم المزارع الواسعة وكيف أخرجهم من البلاد وسلم الأرض للعمال والفلاحين الجزائريين باسم التسيير الذاتي، والاشتراكية، وهي السياسة التي ينتقدها كثيرون الآن لأنها أضعفت الزراعة والتلفت كثيراً من المزارع، لكنني كنت اعتقد أن إخراج المعمرين الفرنسيين من الجزائر هدف استراتيجي ضروري لتطهير المجتمع الجزائري من قوة مالية واجتماعية خطيرة، كان يمكن أن تعوق مسيرة التحرر أو أن تزج بالبلاد إلى حرب أهلية وإذا كان خروجهم قد تم باسم الاشتراكية في ذلك الوقت فإن ذلك قد جعل فرنسيين كثيرين يؤيدونه ويدافعون عنه حتى تمت الخطة كاملة، ولم يبق في الجزائر كلها فلاح فرنسي واحد مما كانوا يملكون الأراضي ويزرعونها، وكانوا يسمونهم ذوي الأقدام السوداء.. ولو حاول بن بيلا ذلك أو غيره باسم الإسلام، لقامت الدنيا وقعدت، وما استطاع أن ينفذ شيئا.
إن بن بيلا مازال صديقاً لي حتى الآن مطلقاً لأنني بقيت صديقا له ولم اتنكر له كما تنكر كثيرون ممن كانوا أعوانه وكان يثق بهم ويقربهم كوزراء أو مستشارين له ثم أصبحوا في ليلة واحدة وزراء وأعوان لمن أخرجوه وانقلبوا عليه واعتقلوه، ومع ذلك يجب أن أقر بأنني لم أقصر في نقد كثير مما قام به، وتنبيهه إلى ما كنت اعتبره خطأ سواء في مواجهته أو غيابه.
وليس هذا جديد على فقد كنت دائماً وأنا معه أصرح له باراني حتى نفد صبره ذات مرة وقال لي بالفرنسية كلمة لا انساها: «إنك دائماً تجد شيئاً تنتقده، Tu troves toujours quelque
Chose a critiquer".
أما بومدين فإنني لم تتح لي فرصة التعاون معه حتى اعتبره صديقا، وأذكر أنني لم أره طوال مدة رئاسته للجزائر بعد انقلابه على بن بيلا، ولذلك لم أستطع أن أوجه له انتقاداتي أو اسمع تبرمه بها كما فعل صديقي بن بيلا. إنني رغم هجومه علي جمعية القيم واعتقال أصدقائي من أعضائها ومسيريها كنت اتابع ما قام به من أجل تعريب التعليم والإدارة في بلاده، ولابد أن اعترف بأن هذا إنجاز استراتيجي كبير لابد أن نسجله له ونعتز به بل ونستفيد منه في دعم الفكر والتيار الإسلامي الذي كان هو يتبرم به ويخاصمه ويطارد دعاته.
معارض دائم لعبد الناصر:
لقد كنت دائماً معارضاً لعبد الناصر، وتحملت هذه المعارضة مخاطر كثيرة وقاسيت محناً اليمة، ومع ذلك كانت لي صداقة ومعرفة مع بعض من كانوا يتعاونون معه من الجل قضايا بلادهم مثل بن بيلا وخيضر بل وبن بركة وجماعته كلها ممن عرفتهم ومازلت أعرفهم إلى الآن، ولم أكن مقصراً مطلقاً.
التعاون معه، بل حرصت على أن أبين لهم المخاطر الكبيرة التي تنتج عن سياسته الدكتاتورية الخاطئة التي تهدد مستقبل الشعب المصري وحريته، بل وشعوبهم ذاتها والعالم العربي والإسلامي كله هذا البغي الدكتاتوري، إلا أنني كنت من حين لآخر أقول لهم بأنني مستعد لكي اغفر له كثيراً من أخطائه بل وجرائمه مقابل ما قام به من تأييد للثورة الجزائرية ومساعدته لعناصر الكفاح المسلح الذين قاوموا الاحتلال الفرنسي طوال مدة الثورة التي مكنت شعبا من أنبل الشعوب من تحرير بلاده، رغم معرفتي بأنه فعل ذلك من أجل مطامع شخصية وليس من أجل الأهداف السامية التي تعمل لها، وأعترف بأنني أخطأت لأنني لم أكن أعرف أو أتوقع أن يسرق الاشتراكيون والمتفرنسون ثمار الثورة ومزايا الاستقلال من تحذيرهم من السير في طريق ويستغلونها لمقاومة التيار الإسلامي بالصورة التي حدثت فيما بعد بتأييد منه منذ تولى بن بيلا السلطة بالأسلوب الانقلابي الذي أشرت إليه، ولم أدرك أبعاده إلا بعد فوات الأوان، هذا الأسلوب الانقلابي ذاته هو الذي مكن أصدقاء بن بيلا وأعوانه العسكريين من الانقلاب عليه فيما بعد بزعامة بومدين ومكن بعض قادة جبهة التحرير في عهده أو بعد ذلك إلى اعتبار الإسلام عقبة في سبيل ما يسمونه بالاشتراكية التي يعتبرونها علمانية لا دينية.
من ولم أعرف السادات قط ولا التقيت به مرة واحدة في حياتي، لكنني كنت الاحظ ولاءه المطلق السياسة عبد الناصر والسير في ركابه قبل وفاته.
لكني بمجرد أن تولى الرئاسة، وبدأ سياسة الليبرالية الانفتاحية التي أخذها فيما بعد وسيلة للتقرب إلى الأمريكان الذين ساقوه للتعاون مع أصدقائهم من الصهاينة، وكنت أتولى مسؤولية الاتصالات في الخارج سارعت إلى تنظيم حملة المطالبات الملحة بالإفراج عن المسجونين والمعتقلين من الإخوان، وأذكر أن بعض أصدقائي الذين عملوا معي في إطار تنظيم الإخوان في الخارج الذين عارضوا ذلك وانتقدوه واعتبروا ذلك تعاوناً معه أو تقربا منه، ولكنني واصلت حملة المطالبة والإلحاح حتى تم الإفراج عن جميع الإخوان المسجونين والمعتقلين، ومازلت اعترف بأن ذلك من حسناته وبمجرد خروج المرشد وغيره من المسجونين سلمت لهم جميع أمور الحركة، وأعلنت لهم أنني سأتفرغ للعمل في ميدان التعليم والاقتصاد الإسلامي، وبدأت إنشاء مدارس المنارات وساهمت في إنشاء بنوك فيصل الإسلامية مع الأمير محمد الفيصل، لأن العمل في ميدان التعليم والاقتصاد هدف إستراتيجي للحركة الإسلامية.
هذا هو أسلوب العمل الذي سرت فيه، أما في نطاق الفكر والتأليف والكتابة، فقد كنت دائماً. وما زلت. معتزاً بالدفاع عن الدعوة ومنهجها الإسلامي الذي اعتبره الطريق الوحيد لنهضة الأمة ووحدة شعوبها.
وكتبي التي نشرتها هي الوسيلة الوحيدة التي كانت أمامي ومقاومة كل من ينحرف عن هذه الأهداف أو يعطل مسيرة الأمة نحوها.
وتطبيقا لهذه السياسة الواقعية ابتعدت عن الجزائر طوال مدة حكم بومدين، لأنه سار بجد نحو التعريب وكنت واثقا بأن خطة التعريب ستوجد جيلاً جديدا يواصل مسيرة الكفاح والجهاد الإسلامي لتستعيد الجزائر أصالتها التي حاول الاشتراكيون إبعادها عنها، وقد وجد هذا الجيل فعلاً رغم اضطهاد بومدين لجمعية القيم وأنصارها، وهذا الجيل هو الذي أنشأ جبهة الإنقاذ الإسلامية التي تزعمها عباس مدني الذي عرفته من أنشط العاملين في جمعية القيم المنحلة أو المحظورة.
لكن المعارضة والمقاومة لا تستلزم قطع العلاقات الشخصية إذا وجدت أسبابها، طالما أن الطرف الآخر يحرص على ذلك. مع علمه وإدراكه لهذا الخلاف في الرأي والمنهج والاتجاه والغاية طبقاً للمبدأ الذي عبر عنه شوقي في بيته الأخير اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
أما موقفنا من التصرفات المعادية للتيار والفكر الإسلامي أو الظالمة للحركة أو للإسلاميين عموما فهو المقاومة والنقد والعداء ذلك فإن العداء ضرورة يحكمها بلا شك ومع المبدأ الإسلامي في فقهنا، وهو أن الضرورة تقدر بقدرها، فما نفعله نتيجة لذلك يتوقف مع ما نواجهه من أعمال الطرف الآخر.
لذلك فإنني لم يخطر ببالي قط أن أقدم معونة لمن يهاجم الفكر والحركة الإسلامية، ولا أن أساهم معه في الهجوم عليها، بحجة النقد
الذاتي كما فعل ذوي الفكر الإسلامي الذين تعاونوا مع عبد الناصر وساهموا في تشهيره بالإخوان وهجومه عليهم مع ما يرونه من الظلم والبغي والاضطهاد والتشريد والاعتقال والسجن، بل والقتل الذي أصاب الإخوان. وقد كانت لي علاقة ود مع بعض هؤلاء لكني ابتعدت عنهم، ولم أتصل بأحد منهم إلا بعد أن مرت المحنة. واذكر أن أحدهم التقيت به في إحدى عواصم الخليج ودعاني للغداء معه، ولما قدم لي بناته وهن عرائس قلت له: لم أكن أعرف أن لك بينات في هذه السين، فقال كلمة اعتبرتها اعتذاراً منه عن مواقفه السابقة، هؤلاء هم الذين ما ومازلت | قال عنهم الرسول الكريم: الولد. بالدفاع عن مجبنة ميخة ولم أعلق على قوله حتى لا أنكا جروحاً قديمة.
رغم الواقعية التي التزمتها في نطاق العلاقات الشخصية فإنني في نطاق العمل الفكري والسياسي والعمل العام عموماً كنت مثالياً إلى أقصى لأنه حد ممكن، وكانت لي جولات في معارضة جميع الخارجين عن نطاق المنهج الإسلامي أو من يعارضونه أو يقاومونه.
إن هذه المثالية قد جعلتني لا أتحول عن الهدف الإسلامي الأصيل، وهو وحدة الأمة ونهضتها الشاملة. وكانت هذه الغاية هي التي ترسم المنهج الذي التزمته في ميدان العمل العام، وفي نطاق الفكر والتأليف والكتابة، فإن كل كتبي تدور حول هذا المحور رغم محاولات متكررة من اصدقاء ه كثيرين كانوا ينصحونني بألا أواجه خصومنا بذلك، وأن اتركه للمسؤولين في الجماعة، لأنهم كانوا يلاحظون عدم حرصي على الارتباط التنظيمي إلا في حالة ما إذا تعرضت الجماعة للاضطهاد والمواجهة مع السلطة الغاشمة في عام ١٩٦٥م. كنت في المغرب بعيداً عن مشاكل مصر وما يجري فيها، ولكن عندما جاءت الأنباء بحملة اعتقالات شاملة، وأعلن ذلك عبد الناصر في موسكو، أدركت أن وراء هذه الحملة قوى اجنبية فسارعت إلى الكويت وعندما التقيت بإخواني هناك طلبت منهم أن يقوم الإخوان بالخارج بواجبهم إزاء الحركة حتى تتغير الأحوال في مصر فوجئ بعضهم بذلك، حتى قال لي صديقي حسن العشماوي، ولكأننا لا نراك إلا في الأيام السوداء!! هذه شهادة منه أعتز بها.
ذلك اأني طوال مدة إقامتي في فرنسا من عام١٩٤٥ إلى عام ١٩٥٠، كنت بعيداً عن شؤون الجماعة ومتفرغاً لشؤون شمال إفريقيا، ولما عدت إلى مصر وجدت الجماعة مهددة بالشقاق بسبب الخلاف على من يخلف المرشد العام الشهيد حسن البنا.
فقمت بواجبي نحو الجماعة، وشاركت في كل الاجتماعات من أجل اختيار المرشد الثاني المستشار الهضيبي، حتى لا تبقى الجماعة بدون رئيس، ولا تمزقها الخلافات الناتجة عن تنافس المرشحين وأنصار كل منهم.
استقرت أحوال الجماعة بعد اختيار المرشد الثاني، فابتعدت عن شؤونها وتفرغت للعمل في الجامعة، وفي الكتابة والتأليف وكان حسن العشماوي في ذ ذلك الوقت مشغولاً مع مجموعة المرحوم «منير المباركة، وكنت أعرف ذلك، ولكني لم أتدخل فيه.
كنت اسكن في شارع سعد زغلول بالجيزة وكان يسكن في العمارة المواجهة لسكني أحد ضباط الجيش، وأعتقد أن اسمه كان كفافي وذات ليلة صحوت على حركة غير عادية في الشارع ولاحظت أن الشرطة دخلت مسكن هذا بلة، في اتصالات بضباط الحركة الضابط وفتشته.
لقاء مع صلاح شادي:
وفي الصباح التقيت بالأخ صلاح شادي ووقفنا نتحدث أمام مسكن صديقنا الأستاذ فريد عبد الخالق وقلت له يظهر أن هناك شيء يدور في صفوف الجيش، فهل أنتم منتبهون لذلك قال اطمئن فنحن نتابع كل هذا، وهناك أساتذة على اتصال دائم بهذا الموضوع، وفهمت بعد ذلك أن حسن العشماوي هو الذي يختص بهذا الموضوع. ولذلك لم أسأل بعد ذلك، وبقيت أترقب عن بعد.
وبعد نجاح حركة الجيش غرق حسن العشماوي في اتصالات بأعضاء مجلس قيادة الثورة في بدايتها ويقيت بعيداً عن هذا الموضوع، في حين كان عدد من أعضاء الهيئة التأسيسية يتسابقون إلى الاتصال بالضباط من كل ناحية، وعندما ساءت العلاقات بين الإخوان والضباط اعتقلت مع الإخوان، ونشرت مقالات في جريدة المصري التي أدت إلى اعتقالي مرة أخرى وما لقيته من تعذيب.
بعد ذلك سافرت إلى المغرب عام ١٩٥٨م. وبقيت هناك إلى عام ١٩٦٥م. ولما سمعت اخبار الحملة التي بدأت باعتقال سيد قطب وإخوانه
تركت المغرب وذهبت إلى المشرق لأقوم بواجبي في نشاط الإخوان بالخارج، كما لاحظه حسن العشماوي، وبقيت اعمل حتى أفرج عن المسجونين من الإخوان وجاء المرشد المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي الأداء فريضة الحج فسلمته كل مسؤولياتي وقلت له: إنني سوف أتفرغ للعمل في المدارس والبنوك الإسلامية، وكذلك الأمر في عهد صديقي الأستاذ التلمساني، فقد وافقني على هذا المنهج، ومازلت أعتبر نفسي عليه حتى الآن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل