; صفحات من حياة.. وجهاد الهضيبي | مجلة المجتمع

العنوان صفحات من حياة.. وجهاد الهضيبي

الكاتب نبيه عبد ربه

تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1973

مشاهدات 92

نشر في العدد 178

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 04-ديسمبر-1973

صفحات من حياة.. وجهاد الهضيبي

بقلم الأستاذ نبيه عبد ربه

حينما ننعي اليوم فقيد الإسلام المجاهد المرحوم حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين، فإننا لا نقصد من ذلك مدحه أو الثناء عليه، فنحن لا نزكي على الله أحدًا، وهل ينفع المدح أو الثناء رجلًا أصبح اليوم في عداد أهل الآخرة، وقد أفضى إلى ما قدم؟! وخاصة أن الرجل أثناء حياته وقبل أن يصبح مرشدًا عامًّا -بالرغم من مركزه الكبير في الدولة- كان متواضعًا لا يحب المدح ولا الثناء، وحتى بعد أن أصبح مرشدًا للإخوان كان أبعد الناس عن المظاهر الزائفة؛ إذ كان يؤثر الصمت والعمل الهادئ الهادف على الغوغائية والضجيج، لقد كان رحمه الله يستطيع أن ينال من مظاهر الدنيا الخلابة ما يشاء لو كان من طلاب الدنيا، فقد وضع الطغاة بين يديه الدنيا بزينتها وزخرفتها مقابل أن يلين في الحق أو يقول عنهم ما يحبون؛ ولكنه رد إليهم بضاعتهم، ولفظ أمامهم دنياهم، وآثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، واختار طريق الله على طريق الشيطان، مع علمه بأنها طريق طويل شاق مليء بالأشراك والعقبات.

لقد عاش رحمه الله متواضعًا، زاهدًا، صامتًا، وشيع جثمانه في جنازة متواضعة صامتة بناء على وصيته، فرحم الله الهضيبي، وجزى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم عنا كل خير حين قال: «إن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا».

وبالرغم من هذا كله فإنني أعتقد أن حياة مرشدنا المجاهد ليست ملكًا له يتصرف بها كيف يشاء؛ ولكنها ملك للدعوة التي قادها، وقضى نحبه وهو يحمل لواءها، فهي التي تملك أن تضعه في المنزلة التي تراها مناسبة، وتتحدث عنه باللهجة التي ترى فيها مصلحة لها، وليس من العدل أن يغيب عنا هذا القائد المؤمن والمجاهد الصابر دون أن نعرف مآثره أو نقف على سيرته، لكي نتخذ منه نبراسًا لنا نقتفي أثره وننسج على منواله، فدعوة الله بعيدة كل البعد عن تعظيم الأشخاص، تعظم في الرجال أعمالهم الصالحة وسيرهم الحسنة وأعمالهم الخالدة، وهي كثيرة في حياة مرشدنا الكبير.

ولد «حسن إسماعيل الهضيبي» عام ۱۸۸۹ م في قرية عرب جهينة، إحدى قرى مركز شبين القناطر- قليوبية، وتخرج من كلية الحقوق عام ١٩١٥م، ومارس مهنة المحاماة لبضع سنين حتى عين قاضيًا في إحدى المحاكم المصرية عام ١٩٢٤، وتدرج في مناصب القضاء حتى وصل إلى منصب مستشار ممتاز في محكمة النقض العليا، وهي أعلى محكمة قضائية في مصر، وبقي في هذا المنصب حتى استقال منه عام ١٩٥١م حين انتخب مرشدًا عامًّا لجماعة الإخوان المسلمين، وقد كان عمره آنذاك أكثر من ستين عامًا، وحمل لواء دعوة الله قرابة أربع سنوات كان خلالها كالقلعة الشامخة التي تتحطم عليه الأمواج الهائلة، حتى تآمرت كل قوى الشر من يهودية وشيوعية وصليبية وشعوبية على دعوة الإخوان وعملت على حلها، وقد حكم عليه بالإعدام في نهاية عام ١٩٥٤م، ثم خفف هذا الحكم إلى السجن مدى الحياة، ولبث رحمه الله في السجن ثمانية عشر عامًا، كان خلالها مستعليًا بإيمانه على جميع الذين آذوه وعذبوه، فلم تلن له قناة.

وخرج من السجن عام ١٩٧٢م، ووافته المنية يوم الأربعاء في ۱۱ شوال ۱۳۹۳هـ، فترك دنيا الفناء إلى دار البقاء، عن عمر بلغ نيفًا وثمانين سنة، وصعدت روحه إلى بارئها لتعيش في كنف الله بأمان وسلام.

عمل الهضيبي رحمه الله قاضيًا ثم مستشارًا حوالي ثلاثين عامًا، كان خلالها مثال العدل والنزاهة، كما كان شديد الالتزام بالقانون والنظام، يدافع عن الحقوق ويرسي دعائم الديمقراطية والعدل، وكان ينطلق في ذلك كله من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن إيمانه بأنه لا نجاة لهذه الأمة مما هي فيه من الضعف والتفرقة والتأخر إلا برجوعها إلى الله؛ تطبق شريعته وتحكم عقيدته ومبادئه.

• سأله رئيس محكمة النقض العليا يومًا فقال:

- يا حسن، ألست معي أن أكثر أحكام التشريع المدني الحديث تقابل أحكامًا مماثلة في الفقه الإسلامي؟!

- قال الهضيبي ما يلي:

- قال الرئيس: فما هو إذًا الأساس الكبير والمطالبة الملحة من جانبك بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية وتطبيق أحكامها؟

- قال: هو أن الله يقول: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ (المائدة: 49)، ولم يقل: وإن احكم بينهم بمثل ما أنزل الله! إن تحكيم شريعة الله في عقيدة المسلم عبادة تؤدى امتثالًا لأمر الله، وذلك هو مصدر بركتها وسر قوتها في نفوس المؤمنين بها، وفي كيان الجماعة المؤمنة.

• ولما عرض مشروع تنقيح القانون المدني المصري عام 1945م على الأستاذ الهضيبي سجل كتابة أنه يرفض مناقشة هذا المشروع من حيث المبدأ؛ «لأنه لم يقم أساسًا على الكتاب والسنة»([1]).

• وفي عام 1947م نشرت جريدة «أخبار اليوم» المصرية مقالًا للأستاذ الهضيبي بمناسبة عرض تعديل مشروع القانون المصري، قال فيه:

«إن أحسن تعديل في نظري هو سن قانون من مادة واحدة يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية في الأحوال الجنائية والمدنية».

وقال: «لقد أعلنت عن رأيي أمام لجنة تعديل القانون المدني في مجلس الشيوخ فقلت: يجب أن يكون قانوننا هو القرآن والسنة في جميع شئون حياتنا، وليس في الشئون التشريعية وحدها؛ لأن الإسلام دين متماسك متكامل غير قابل للتجزئة، فيجب تطبيق جميع أحكامه في كل أمة تدين به».

«هذا هو الرأي الذي جاهرت به وسأظل أدعو إليه عن يقين واقتناع، وأود أن أؤكد أنني قد انتهيت من مراجعة الشريعة الإسلامية ودراستها، إلى أنه ليس في تشريعات الأجانب وقوانينهم ما لا يتضمنه القرآن، والحلال بين الحرام بين، وكلاهما واضح المعالم والحدود إلى يوم الدين».

«أما ما سماه الرسول صلى الله عليه وسلم «عفوًا» وهي المسائل المباحة، فيمكن لولي الأمر أن يطبقها طبقًا لما تقتضيه المصلحة العامة، وإني أستند في ذلك إلى القرآن الكريم أيضًا؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في القرآن الكريم».

«هذا ما قلته أمام اللجنة، وإنني على يقين أنهم لن يأخذوا به، ولكن لا حرج علي في ذلك ما دمت مؤمنًا بما أقول، ولكن ظني أنه بعد فترة قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين عامًا سيتم الرأي إلى الأخذ بما أقول، وكلما شرح الله صدور الناس بالقرآن قرب اليوم الذي يسود فيه هذا الرأي([2]).

كان البنا رحمه الله داعية ينزل الناس منازلهم، ويختار الأسلوب المناسب لعرض الدعوة عليهم وكسبهم لطرفها، ومثل هذا الأسلوب كان يتبعه مع كبار موظفي الدولة أمثال الأستاذ الهضيبي؛ فقد كان حريصًا على سرية ارتباطه بالدعوة، ولهذا كان الهضيبي يحضر مع البنا الكثير من الأسر والجلسات الخاصة، كما كان يستشيره في كثير من الأمور، بل كان يرى فيه أخًا أكبر له يستشيره في الأزمات والمعضلات ويدخره ليوم عصيب ووقت رهيب، ويحدث إخوانه عنه في جلساته الخاصة بكثير من الإعجاب والتقدير.

ويذكر الهضيبي رحمه الله أن علاقته بالإخوان قد بدأت منذ عام 1942م، وقد اقتنع بهذه الدعوة بالأسلوب العملي قبل النظري، وذلك حينما لمس من بعض أقاربه الفلاحين والعمال إدراكًا لمسائل كبيرة في الدين والسياسة ليس من عادة من هم في مثل مستواهم من الناحية العلمية الإلمام بها، فلما علم منهم أنهم من الإخوان المسلمين، أعجب بهذه الدعوة، وأخذ يحرص على التعرف على قائدها، ولهذا كان يصلي الجمعة في المساجد التي كان يخطب فيها الأستاذ البنا رحمه الله، وأخيرًا تم لقاؤه مع البنا، حيث توطدت العلاقة بينهما بعد ذلك واطلع مباشرة من قائد الدعوة على أهدافها ومبادئها، وبقيت علاقته بالإخوان سرية حتى أعلن عن انتخابه مرشدًا عامًّا عام 1951م.

ولما اغتال زباينة فاروق المرشد العام الشهيد حسن البنا في الثاني عشر من شهر شباط- ١٩٤٩م، وازدادت محنة الدعوة، كان لا بد أن يبحث الإخوان عن القائد الذي يستطيع أن يقودهم إلى شاطئ السلامة، وعرضوا هذا الأمر على الأستاذ الهضيبي، فأبلغهم بأنه لا يستطيع ملء الفراغ الذي تركه البنا رحمه الله، ولكنهم ألحوا عليه بالطلب، وقصدت وفود الإخوان بيته، وبعد أخذ ورد وافق على مطالبهم وقدم استقالتهم من القضاء في 17 تشرين الأول- 1951م ليتفرغ للعمل لدعوة الله، وبعد ذلك قام رحمه الله بجولة على جميع شعب الإخوان، ليتأكد أن الوفود التي حضرت إليه تمثل رأي جميع الإخوان في الشعب، وفعلًا كان، فقد بايعه كل من التقى به من الإخوان.

لقد رأى أكثرية الإخوان في الهضيبي ضالتهم المنشودة كقائد لدعوتهم؛ لما كان يتصف به -رحمه الله- من صفات تصلح لقيادة الدعوة في مراحلها القادمة، فالدعوة في عهد البنا كانت تمر في فترة التبشير واختيار الأنصار، وإرساء قواعد البناء، وتوضيح أهداف الدعوة ومبادئها، ولهذا كانت تحتاج إلى قائد عظيم كالبنا رحمه الله، أما الفترة التي قيض الله الهضيبي لقيادة الدعوة فيها، وإن كانت تعتبر استمرارًا للفترة السابقة، إلا أنها تميزت بأنها مرحلة المجابهة السافرة مع الأعداء، وإعلاء صرح البناء، وتفصيل أهداف الدعوة ومبادئها ووسائلها، والسير بها لتحقيق هذه الأهداف، ولهذا كانت الدعوة بحاجة إلى قيادة تتصف بالصبر والثبات وحسن الإدارة وسعة الصدر والحنكة السياسية، أكثر من حاجاتها إلى الخطابة والضجيج وعرض العضلات، وإن كانت هذه الصفات لا غنى عنها، في بعض الأحيان في وقت أدرك فيه العالم الغربي أهداف هذه الدعوة على مصالحه في العالم الإسلامي، فقررت دوله خوض المعركة مع الإخوان بكل قواها مهما كانت النتائج.

لم يكن الهضيبي رحمه الله خطيبًا كالبنا، ولكنه كان يحفظ القرآن، كما كان مرجعًا في الفقه والقانون، وخاصة القانون المقارن، كما كان على فهم ووعي تامين بمبادئ الدعوة وأساليبها من الناحيتين الفكرية والحركية، بل على العكس من ذلك؛ إذ كانت تغلب عليه قله الكلام والصمت الذي كان كثيرًا ما يزعج أعداء الله، ولكنه بجانب ذلك كان متزنًا يحب العمل الهادئ الهادف، لا يعرف الكلل ولا الملل، ولا يخشى في الله لومة لائم. لقد تميز رحمه الله بالصبر والثبات وحسن الإدارة والحنكة السياسية، كما كان يؤمن بالديمقراطية والنقد الذاتي البناء، ويعتبرهما أساسًا ضروريًّا لبناء الجبهة الداخلية للجماعة. ومما يروى عنه أنه بينما كانت قوات الإخوان تضرب القاعدة البريطانية في القنال عام 1951م، وكانت الأحزاب الأخرى تدعي لنفسها ما كان يعمله الإخوان، كان الهضيبي يقول للإخوان: «أيها الإخوان، أوصيكم بتقوى الله وقراءة القرآن، وعدم التدخل بالسياسة». أما الحقيقة فقد كان رحمه الله خلف جميع تنظيمات الإخوان العسكرية يطلع بنفسه على كل صغيرة وكبيرة من أعمالها، والذي يراجع كتاب «المقاومة السرية» يجد فيه تفصيل ذلك.

لقد بدأ الهضيبي رحمه الله من حيث انتهى سلفه البنا عليه رضوان الله، والذي يراجع ما كتب من مقالات وما أدلى به من أحاديث وتصريحات للمجلات المصرية والأجنبية، وما كتبه من رسائل للملوك والرؤساء العرب، ليدرك أن الهضيبي رحمه الله كان يعمل على تحقيق هدف الإسلام الأكبر؛ وهو إقامة دولة الإسلام في الأرض، ولهذا نجد هذا الموضوع غالبًا في كل أحاديثه وكتاباته، فقد كتب في «المسلمون» عدة مقالات تحت عنوان «القرآن دستورنا»، وكتب رسالة «دستورنا»، وكان يقول للإخوان: «أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم في أرضكم». ولما سأله مراسل مجلة «لوموند» الفرنسية في شهر آب- ١٩٥٢م: هل تسعون إلى أن تحكموا مصر بتعاليم الإسلام؟

قال الهضيبي: «إن الذي يهمنا هو أن تحكم البلاد بالإسلام، سواء أكان الحكم للإخوان أم لغيرهم». ولما سأله: ولكنكم لا تستطيعون الحكـم إلا إذا تدرب رجالكم عمليًّا عليه؟

قال: «إن الإخوان منبثون في كل مرافق البلاد».

ولهذا كان الصدام عنيفًا بين الإخوان وبين الصهاينة والمستعمرين وأعوانهم؛ إذ شعر هؤلاء أن دعوة الإخوان خطر قوي يتهدد أطماعهم في العالم الإسلامي، والتي تهدف للقضاء على كل حركة إسلامية تعمل على توحيد العالم الإسلامي تحت راية الإسلام، أو تعمل على إقامة دولته الإسلامية حتى يبقى العرب والمسلمون ضعفاء متفرقين يسهل استغلالهم واستعمارهم.

ومهما يكن من أمر فقد صدق حدس الهضيبي رحمه الله في عبد الناصر، فقد قادوا هذه الأمة في طريق الضعف والتفرقة والهزيمة، ولم يكن ذلك بإمكانهم لو لم تكن الأسد مكبلة في غياهب السجون، ولكن المهم أن الدعوة التي رفع لواءها الهضيبي، لا زالت باقية، عالية اللواء، مرفوعة الجبين؛ رغم كيد الكائدين وحقد العملاء والمستعمرين؛ لأن هذه الدعوة دعوة ة الله، وقديمًا قال أبو جهل: «وإذا كنا نقاتل الله كما يدعي محمد، فما لأحد في الله من طاقة»، وصدق الله العظيم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (الروم: 47).

وأما أنتم يا أتباع الهضيبي، فقد غاب عنكم الأخ الكبير الذي طالما وسعتكم محبته ورعايته، والقائد الفذ الذي حمل لواء دعوتكم وصبر على ذلك وصابر، والمرشد الأمين الذي أنار لكم الطريق إلى النصر، والداعية المؤمن الذي حافظ على شخصية دعوتكم وكرامتها، وبقي يصرخ في وجه الطغاة «لا»، رغم كبر سنه وضعف جسمه وعمق الجروح في جسده، وثبت على ذلك حتى قضى نحبه مقبلًا غير مدبر، فمد من جسمه جسرًا تعبرون عليه إلى النصر إن شاء الله، ولئن مات الهضيبي رحمه الله، فإن عزاءنا أن الدعوة التي عاش لها ومات في سبيلها باقية شامخة، وأنه ضرب لنا أروع الأمثال في الصبر عند اللقاء والثبات على الحق، فما علينا إلا أن نحذو حذوه وننسج على منواله، ولئن غاب عنا الهضيبي بجسده فإن روحه لا زالت حية في نفوسنا، تمدنا بالعزيمة، وتدلنا على دروب النصر، وتضيء لنا الطريق.

فإلى جنة الخلد يا قائد الشهداء، وسنبقى على العهد إن شاء الله نحتضن راية الله بقلوبنا، ونفدي دعوته بأرواحنا، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

نبيه عبد ربه

 

 (1) عن مجلة «المسلمون» المجلد الثامن، العدد التاسع.

 (1) عن مجلة «المسلمون» العدد الثامن، المجلد التاسع.

 

الرابط المختصر :