; المبررات البيولوجية.. ودرس من كلينتون | مجلة المجتمع

العنوان المبررات البيولوجية.. ودرس من كلينتون

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999

مشاهدات 105

نشر في العدد 1378

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 30-نوفمبر-1999

يوم الثلاثاء الماضي ذهب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى كوسوفا.. وفي يوروسيفاتش وقف يعظ جمعًا من ألبان كوسوفا -أكثرهم مسلمون بالطبع- ويدعوهم إلى الصفح حتى لا يشب أطفالهم على الحقد.

لماذا يجب أن ينسى الألبان المذابح والفظائع والجرائم التي ارتكبها الصرب بحقهم؟ كلينتون قدم تفسيره لذلك بالقول: «سيتعلم التلاميذ قريبًا في علم الأحياء أن الناس في العالم متشابهون عمليًا في تكوينهم البيولوجي بنسبة ٩٩%» هذا التفسير يبدو أنه راق لكلينتون في الفترة الأخيرة، فقد سبق أن ذكره أمام رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات في أوسلو إبان الاحتفال بذكرى مصرع الهالك إسحاق رابين- رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، وفي الحالتين كان كلينتون يقدم المبررات البيولوجية للضحايا من الفلسطينيين والألبان للصفح عما ارتكبه الصهاينة والصرب من جرائم بحقهم».

المسلمون يعملون بتبعات ذلك الاكتشاف الذي يفخر كلينتون بان عالمًا أمريكيًا قد توصل إليه مؤخرًا- منذ أربعة عشر قرنًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، كلكم لآدم وآدم من تراب» «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» ولكن من الناحية الواقعية، فإن شبه التطابق البيولوجي بين البشر لم يمنع القتل والعدوان والظلم على مدار التاريخ حتى إن قابيل قتل أخاه هابيل بسبب تغلب نوازع الشر في النفوس والبعد عن القيم والأخلاق الدينية.

الصفح قيمة أخلاقية لم تعرفها السياسة الأمريكية طوال تاريخها، ولم يرد هذا المصطلح يومًا باعتباره سلوكًا تنتهجه الولايات المتحدة تجاه الآخرين.. وعلى العكس فالتصريحات الأمريكية مليئة بمصطلحات فرض العقوبات.. التأديب.. لابد أن يدفع الثمن.. لن يفلت من العقاب... ستطوله أيدينا ولو ذهب إلى آخر العالم.. إلخ، كما أن واقع السياسة الأمريكية أيضًا لا يعرف الصفح.. إن الولايات المتحدة تصر على محاكمة المتهمين بإسقاط طائرة بأن أمريكان فوق إسكتلندا، بينما لم تتخذ أي إجراء بحق العسكريين الأمريكيين الذين أسقطوا طائرة إيرانية فوق الخليج، وهي تصر على تعقب من تتهمهم بالإرهاب وتستعدي عليهم العالم أجمع، وهي جرئت من قبل حملة لتأديب حاكم دولة مستقلة رفض أن يطيع الأوامر، وهي مارست سياسة فرض العقوبات عشرات المرات ولأتفه الأسباب، وقد طالت عقوباتها عددًا لا باس به من الدول الإسلامية.

وكما أن الولايات المتحدة لا تمارس الصفح، فإنها لم تحض عليه سوى الضعفاء، لم نسمع أن كلينتون طلب من الرئيس الروسي يلتسين أن يصفح عن أفراد قلائل يسمونهم الإرهابيين كما لم يحرك ضميره تجاه شعب الشيشان الذي يباد بأسره دون ذنب ولم يطلب من بريطانيا ولا إسبانيا الصفح عن رئيس تشيلي الهرم الذي يشارف على الموت. 

الصفح عند كلينتون شيمة الضعفاء وحدهم... وهذا ما لا يعد صفحًا بأي حال.. وإنما يكون الصفح عند المقدرة.

في الخطاب نفسه حكى كلينتون للأطفال عن أسفاره حول العالم... قال: إنه كان في إفريقيا، حيث التقى شابًا فقد ذراعه حيث قطعه بمنجل شخص آخر من مجموعة عرقية مختلفة، وأنه زار إسرائيل، حيث التقى أطفال مدارس يزينون بالنجوم صور زملائهم في الصف الذين ماتوا في تفجيرات الحافلات لأنهم ببساطة كانوا يهودًا ويمضي كلينتون في حواديته الشائقة فيقول: إنه كان في إيرلندا مع بنت جميلة.... جميلة! فقدت نور عينيها في انفجار قنبلة بسبب الاختلافات الدينية في أيرلندا، «لم يصرح علانية بأن الخلافات بين الكاثوليك والبروتستانت، وكان أطفال كوسوفا خبراء في السياسة لا يحتاجون لهذا التصريح ويكفيهم التلميح».

لا يهمنا بقية حواديت كلينتون، والشاهد من الموضوع أن كلينتون حين زار فلسطين المحتلة لم ير سوى هؤلاء الأطفال اليهود.. ولم يعز مقتل بعض زملائهم سوى لسبب واحد أنهم يهود.. ولم يذكر كلينتون أنه طالبهم بالصفح مثلما طالب أطفال كوسوفا، وبالتأكيد لم يتذكر اغتصاب اليهود الأرض فلسطين وتشريد أهلها، وارتكاب أبشع المذابح بحقهم وبحق مواطني دول عربية أخرى.

إذا كان كلينتون طيب القلب إلى درجة تأثره بمنظر صور بعض الأطفال فلماذا لم يتأثر قلبه لعشرات، بل مئات الحالات الفلسطينية التي لا تزال تعاني من آثار البطش الإسرائيلي، بل هل خلا أرشيف الرئاسة الأمريكية من صور ضحايا مذابح دير ياسين وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا وماذا عن أطفال العراق الذين يموتون بعشرات الآلاف كل عام، والذين تتحمل السياسة الأمريكية ذنوبهم مناصفة مع النظام العراقي ولماذا أمر كلينتون بضرب مصنع الشفاء للأدوية... ليحرم عشرات من الأطفال السودانيين من جرعة دواء؟

وهل قتل الإسرائيليون في فلسطين المحتلة فقط لأنهم يهود؟ لماذا لم يقتل اليهود إذن في الولايات المتحدة، حيث يتولون أعلى المناصب أو في أوروبا أو إفريقيا أو أمريكا الجنوبية؟ لماذا لم يذكر كلينتون السبب الحقيقي أمام أطفال كوسوفا ليعطي -ربما لأول مرة- درسًا صادقًا في التاريخ قبل أن يرحل عنه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل