العنوان 3 ملايين يمثلون 1% من المجتمع.. اللوبي العربي في أمريكا.. حدود القوة والتأثير
الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1999
مشاهدات 98
نشر في العدد 1364
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-أغسطس-1999
• اللوبي اليهودي يقف بالمرصاد أمام أي محاولة لصعودهم السياسي.
• ينفقون ۸۰ % من أوقاتهم للدفاع عن أنفسهم، فالتشويه الصهيوني جعلهم إما إرهابيين أو مساندين للإرهاب.
يبدو أن الطريق ما زال طويلًا أمام العرب الأمريكيين قبل أن يتحولوا إلى قوة مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية على غرار ما تفعله جماعات عرقية أخرى، فمع كل نجاح ولو محدود، يحققه هؤلاء على إحدى الجبهات يخلق جوًّا من الأمل والتفاؤل في إمكانتزايد دورهم و تأثيرهم، يواجه عملهم بنكسة على جبهات أخرى تعيدهم إلى الخلف، وتلقي بظلال من الشك حول قدرة هذه الجماعات على تكوين لوبي عربي ناجح يملك التأثير على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا العربية.
ففي الوقت الذي استطاعت فيه الجالية العربية عقد سلسلة من اللقاءات مع عدد من المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في مؤتمر الزعامة للأمريكيين العرب ونائب الرئيس الأمريكي آل جور في مايو الماضي، في هذا الوقت سحب الكونجرس الأمريكي، تحت ضغط منظمات يهودية ترشيح أمريكي عربي مسلم لعضويةلجنة تراقب سبل مكافحة الإرهاب، وذلك بحجة وجود اتهامات ضده بتأييد «الإرهاب» ضد «إسرائيل»، وستستغرق عملية حصوله على موافقة أمنية عامًا كاملًا هو كل عمر اللجنة المقترحة.
كما أن هذه النكسة لجهود الأمريكيين العرب ليست بعيدة عن نكسة أخرى مماثلة حدثت مؤخرا تمثلت في استبعاد أحد الأمريكيين العرب من تولي منصب مهم في وزارة الخارجية الأمريكية.
هذا فضلًا عـما يتعرض له الأمريكيون العرب منذ أشهر عدة من سلسلة متواصلة من المضايقات من قبل سلطات مكتب التحقيق الفيدرالي الأمريكي، فالأمريكي العربيمتهم إن لم يكن بأعمال إرهابية فعلى الأقل بمساندة تلك الأعمال، وانطلاقًا من هذه الفرضية يتعامل عملاء مكتبالتحقيقات الفيدرالي بنظرة من الشك مع أغلبية الأمريكيين من أصل عربي، وفي الآونة الأخيرة تمت ملاحقة عدد كبير منهم ومراقبة حساباتهم المصرفية وتجميد بعضها، كما أخضعبعضهم للتحقيق والتوقيف من دون توافر دليل إدانة ضدهم، كما يسمح القانون الأمريكي للمحاكم باستعمال أدلة سرية لا يطلع عليها محامو الدفاع في قضايا الإرهاب، مما أدى إلى اعتقال أكثر من ١٢ أمريكيًّا من أصل عربي في العامين الماضيين دون أن يتمكنوا من الاطلاع على أدلة اتهامهم.
الغريب في الأمر، أن كل هذا يحدث على الرغم من القوة العددية والاقتصادية الهائلة للعرب الأمريكيين؛ حيث يصل عددهم إلى ٣ ملايين نسمة، ويشكلون نحو ١% من سكان الولايات المتحدة البالغ عددهم ٢٦٥ مليون نسمة، ويتميز أغلبهم بامتلاك مشروعات اقتصادية خاصة، وهناك أربعة آلاف مدرس جامعي من أصل عربي في الجامعات الأمريكية، وقد تحسن وضعهم الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة بحيث انخفضت نسبة البطالة بينهم حتى وصلت إلى ٢%، وهي أقل من معدل البطالة للأمريكيين أنفسهم، كما تزايدت مشاركتهم الفاعلة في الاقتصاد الأمريكي، كما يتوقع الكثير أن الجالية العربية والإسلامية ستكون هي الصوت المرجح في الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي لم يتبق على موعدها سوى عام وأربعة أشهر، وعليهستكون موضع اهتمام المرشحين بشتى اتجاهاتهم ومشاربهم، وهذا يستدعي الدخول المبكر والمباشر في العملية السياسية والاهتمام بالحملات الانتخابية والتطوع فيها، وقبل هذا وذلك الاتجاه إلى صناديق الاقتراع والتصويت.
وفي واقع الأمر، فإنه من خلال رصد الحراك السياسي لفاعليات ومؤسسات الجالية العربية والإسلامية في أمريكا نلاحظ أنه لا يوجد تناسب بين الكم العددي، الذي يميز هذه الجالية وبين عنصر الفاعلية والتأثير في العملية السياسية؛ حيث لا تزال إشكالية المشاركة السياسية مطروحة بحدة.
ويمكن القول: إن العمل السياسي العربي في الولايات المتحدة ظاهرة بدأت في البزوغ منذ سنوات قليلة، ولا يزال حتى الآن هناك تردد من جانبهم في الدخول في معترك الحياة السياسية للأسباب التالية:
أولاً: جهلهم بتفاصيل النظام السياسي الأمريكي، وخاصة أن أكثرية المواطنين العرب قادمة من بلاد ليست فيـها تجربة ديمقراطية راسخة، وليسوا علىدراية كافية بأساليب العمل المتبعة من جماعات الضغط التي هي وليدة تقاليد ديمقراطية، ويتضح ذلك من أن نسبة مشاركة الأمريكيين العرب في الانتخابات الأمريكية تتراوح من ٥٠ إلى ٦١%، بينما نسبة مشاركة أبناء الجالية اليهودية في الانتخابات الرئاسية تصل إلى ٩٦%، كما أن الجالية العربية والإسلامية تقدم فقط نحو نصف مليون دولار كتبرع لصندوق الانتخابات، بينما تبلغ مساهمة الجالية اليهودية نحو ٦٠٠ مليون دولار للحملات الانتخابية الرئاسية.
ثانيا: إقامة جماعات ضغط عربية قد يعرض القائمين عليها إلى متاعب من حكومات وطنهم الأم، فالعديد من الحكومات العربية تنظر بعين الحذر إلى أي تنظيم أو تجمع ينشأ بعيدًا عن سلطة الدولة، ويزيد من مستوى الحذر هنا أن جماعة الضغط هي تنظيم يرمي إلى تحقيق غرض سياسي، كما أنها ممارسة ديمقراطية، في حين أن الديمقراطية لم تنتشر ولمتتأصل في بلادهم.
ثالثا: الجالية العربية في أمريكا هي صورة مصغرة من العالم العربي في الشرقالأوسط بهمومه ومشكلاته، وهو ما يعني بأنها خليط من مواقف وجماعات متعارضة فيما بينها أو مع حكوماتها، ولذلك فإنها لم تستطع في أي وقت توجيه كل طاقاتها نحو جهة واحدة، فلا وجه للمقارنة بين فاعلية وقوة تأثير كل من جماعة الضغط «اللوبي» اليهودية في الولايات المتحدة، والذين لا يتجاوز عددهم ٥.٩ ملايين نسمة، وجماعات الضغط العربية، فعلى الرغم من حالة الانقسام الحالية بين اليهود الأمريكيين بين إصلاحيين ومتشددين من الناحية الدينية وبين اليسار واليمين من الناحية السياسية، إلا أن اللوبي اليهودي يمثل في وجوده على الساحة الأمريكية جهة تأثير فعلي تفتقد إليها الجماعات العربية.
ويضيع العرب في الولايات المتحدة أكثر من ۸۰ %من وقتهم للدفاع عن أنفسهم ضد اتهامهم بالتطرف والإرهاب ومعاداة الغرب.
رابعا: اختلاف رؤاهم حول كيفية التعامل مع المجتمع الأمريكي؛ حيث ينقسمون إلى تيارين أحدهما يرفض الاندماج في المجتمع أو التفاعل مع آلياته، وينظر إليه بريبة وشك، والآخر حسم أمره من خلال الاندماج الكامل في المجتمع الأمريكي سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا،ويرى أن من شأن هذا الاندماج أن يساعد على خدمة القضايا العربية بصورة أو بأخرى، ويؤدي هذا الانقسام في الرؤية إلى تراجع إمكانات التعاون والتوحد على هدف مشترك.
هذا إضافة إلى اللوبي اليهودي الذي يقف بالمرصاد أمام أي محاولة للصعود على المسرح السياسي الأمريكي من قبل العرب في الولايات المتحدة، يساعدهم على ذلك تنظيمهم القوي؛ حيث إن أكثر من ٦٠ % منهم مرتبطون بنحو ٥٠٠ مؤسسة يهودية، ويصل عدد أعضاء جمعية الإيباك وحدها ٥٥ ألف يهودي فقط، هذا فضلًا عن المبالغ الكبيرة التي يدفعها اليهود لتمويل الحملات الانتخابية للرؤساء، ويكفي هنا أنهم قد دفعوا ٧٠% من تكاليف حملة كلينتون، وينعكس هذا كله على الوضع والنفوذ السياسي للعرب واليهود في الولايات المتحدة؛ حيث يتواجد اليهود في كل المؤسسات الأمريكية الحساسة تقريبًا.
وعلى الرغم من هذه التحديات، فإن الأمريكيين العرب استطاعوا تحقيق عدد من الإنجازات التي وإن كانت محدودة في تأثيرها وانعكاساتها، إلا أنها ساهمت في إثبات وجودهم على الساحة الأمريكية، ومن هذه الإنجازات بدء تشكيل منظمات عربية تشكل في مجموعها جماعات ضغط قوية؛ للحصول على بعض المكتسبات الاجتماعية والسياسية للعرب، كذلك بدأ أكثر العرب الأمريكيين يؤمنون بأهمية التنظيم في مجتمع تكاد تحكمه المنظمات الأهلية، ومن ثم فقد ظهرت على السطح منظمات عربية وإسلامية عديدة في محاولة لممارسة دور ما على الساحة الأمريكية، ومن بين هذه المنظمات منظمة الشباب العربي الأمريكي المسلم التي تتخذ من شيكاغو مقرًّا لها، وتعقد اجتماعًا سنويًّا تختار له إحدى الولايات التي تحظى بوجود عربي مكثف بها.
وخلاصة القول: إن اللوبي العربي في الولايات المتحدة الأمريكية يملك من القوة العددية والاقتصادية ما يؤهله أن يلعب دورًا مهمًّا على الساحة الأمريكية من أجل:
أولًا: الحصول على حقوق سبقته فيها جاليات أقل منه قوة على الساحة الأمريكية.
وثانيًا: التأثير على مجمل السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط بما يخدم القضايا العربية، وتحتاج هذه الجماعات لتحقيق هذا الهدف إلى الآتي:
- أن تركز جماعات الضغط العربية على أهداف أو برنامج عمل عربي يتمحور من خلاله عملها، وتسخر من أجله طاقات عربية واسعة، ويضع العربوراءه ثقلهم المعنوي والمادي.
- البحث عن أرضية مشتركة بين القيم الإسلامية والقيم الأمريكية وتقديمها للمجتمع الأمريكي كمساهمة إسلامية- أمريكية للمجتمعتسعى للرقي به، والعمل على حل معضلاته وتحدياته.
- ضرورة التنسيق والتحالف بين جميع القوى الإسلامية والعربية في الساحة الأمريكية، وتوحيد مواقفها حيال القضايا الرئيسة المهمة على الصعيد الداخلي والخارجي، ومن ثم التقيد ببرنامج عمل موحد لمرشحي انتخابات عام ٢٠٠٠م، وقد اتخذتخطوة عملية مهمة في هذا الاتجاه وهي تكوين التحالف الإسلامي الأمريكي الغربي، الذي ضم معظم المنظمات والهيئات السياسية الإسلامية- الأمريكية.
- تستطيع الدول العربية تقوية الجالية العربية- الإسلامية ودعمها بالمال والجهد، وعلى الرغم من وجود بعض المحاولات في هذا الشأن إلا أنها محاولات فردية وعشوائية، وهذا يفرض وجود خطة عربية لدعم العرب الأمريكيين على المدى البعيد؛ لأن ذلك سوف يساعد على خلق لوبي عربي قوي وفاعل ومؤثر على صانع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية.
يعتبر العرب الأمريكيون أحد قطاعات المجتمع الأمريكي المتعدد الأعراق والأجناس والأديان، الذين يتواجدون على الساحة الأمريكية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية بصورة ملموسة في حين أن قوتهم السياسية ما زالت في طور التكوين والتبلور؛ حيث لم تصل بعد إلى درجة التأثير الفاعل والقادر على إحداث تغيرات جذرية في التوجهات السياسية الأمريكية تجاههم أولًا، وتجاه منطقة الشرق الأوسط ثانيًا، وذلك الأسباب وعوامل مختلفة بعضها يتعلق بهم وبظروف هجرتهم، وبعضها الآخر يتعلق بعلاقة العالم العربي بهم ونظرته لهم ولدورهم، إضافة إلى التأثير السلبي لأزمات المنطقة العربية والإسلامية عليهم.