; اللسان العربي - الأصوات المظلومة | مجلة المجتمع

العنوان اللسان العربي - الأصوات المظلومة

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1993

مشاهدات 49

نشر في العدد 1056

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 06-يوليو-1993

عبد الوارث سعيد

اللسان العربي - الأصوات المظلومة

من أبرز الخصائص الأساسية التي تميز اللغات واللهجات عن بعضها، النظام الصوتي.

 والأصوات المنطوقة لا الحروف المكتوبة. هي أولى ما يلفت انتباهنا إلى لغة التحدث وتحديد هويته ومنطقته اللغوية، والمستوى الاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليه، بل ومدى إتقانه للغته واعتزازه بها، أو ضعفه فيها واستهانته بها. كذلك، فإن أصوات اللغة، أساسية كانت أم فرعية، تقوم بدور جوهري وحساس جدًا في تحديد صحة الكلام ودقته، أو خطئه وغموضه، وسواء أكانت من بنية الكلمات أو علامات تدل على الحالات الإعرابية لها، أو حتى نغمات تميز السؤال من الجواب، والتعجب من الاستنكار. ولنأخذ أمثلة توضح نماذج من الحقائق السابقة: تأمل كيف يتغير المعنى كلية بمجرد تغيير صوت واحد في الكلمات التالية: ذل/ زل. مات/ ماد. تاب/ طاب. شق/ شك.. أو بتغيير حركة واحدة:

  • بر «بكسر الباء وفتحها وضمها»
  • عرض بفتح العين أو كسرها أو ضمها مع إسكان الراء، أو بفتح العين والراء.
  • وفعل الأمر «العب» يمكن أن يؤدى بنغمات مختلفة حسب المقام فيتغير المفهوم منه ما بين: طلب تشجيع أو توبيخ أو تحد.. إلخ.

 قد تؤدي زلة لسان إلى تغيير أحد الأصوات فيتغير المعنى.. وهذا يسهل تداركه. أما الخطر الذي تتعرض له اللغة ولا يلتفت إليه الكثيرون فهو تلك العادات النطقية الخاطئة المتسربة من اللهجات إلى نطق الفصحى فتشوه جمالها ومعانيها وتوقع في اللبس والبلبلة سامعيها: ألا نسمع من بعض المذيعين: «نقدم هذا الأزبوع» يعني «الأسبوع» وشارع «الأستقلال» الذي يتحول إلى شارع «الاستقلال».

 وباب «الذكاة» «= الذبح» في الفقه يتحول إلى باب «الزكاة».

 وكلية «الطب» التي تصبح في لسان بعض الفتيات: كلية «التب» والشخص إذا كان «مستعجلًا» يصبح دون أن يدري «مستعيلًا» والأمر «قل» يتحول إلى «كل» في بعض الألسنة وهلم جرا.

 هذه نماذج من الأصوات المظلومة التي تكاثرت كالجرب الذي أصبح يشوه وجه اللسان العربي الوضيء. وأقبح ما يكون هذا الانحراف اللساني حين يتسرب إلى نطق كتاب الله عز وجل، وهو ما يقع للأسف الشديد – كثيرًا.

ولكل من لهجاتنا العامية – التي تكاثرت كالبعر «= الجرب» - إسهام منكور غير مشكور في شيوع هذا الوباء، تسهم كل منها في مسخ مجموعة من تلك الأصوات المظلومة خاصة في هذا العصر نتيجة غلو الكثيرين وتعصبهم للهجات وهزال حظهم من العلم بالفصحى والغيرة عليها.

 ففي بعض اللهجات تمسخ الأصوات الأسنانية..  فلا يخرج اللسان بين الأسنان عند نطقها فتتحول إلى «س، ز، مفخمة» على التوالي: ج: إما «جيما غير معطشة» أو جيمًا شديدة التعطيش. ق تصبح ك.

  • وفي بعضها تتبادل الـ «ض/ ط» المواقع وكذلك الـ «ق/ غ»

* أما الظواهر العامة كالتفخيم والترقيق، والجهر والهمس فحدث ولا حرج عن الخلط والفوضى التي تصيبها في نطق الفصحى، فهنا تجد:

  • د، ت: ادفع بالتي هي أحسن تنطق «اتفع..» بدون قلقلة. ك: ج غير معطشة «قاهرية» مثل نطق البعض: الله أكبر. ف: ڤ «فاء مجهورة»: هذا أفضل من هذا. ص: ز «مفخمة» أو ظ «بدون إخراج اللسان بين الأسنان» يومئذ يصدر الناس أشتاتا. وغير ذلك كثير. والمؤسف أن الكثرة الكاثرة من العرب يمارسون هذا التشويه وهم لا يشعرون، وإذا نبهوا إليه لا يهتمون بل أحيانًا يتعجبون أو يسخرون.. والحل؟؟ لن يصلح حال اللغة آخرًا إلا بما صلح به أولها وتحقيق ذلك مسؤولية أولي الأمر من ناحية ومسؤولية كل أب وأم وكل فرد من ناحية أخرى.
  •  1- أن نغرس في أبناء الأمة منذ نعومة أظفارهم حب العربية الفصحى من خلال التأكيد على صلتها بالقرآن ومكانتها ومن حضارة الأمة.
  •  2- أن نركز في وعيهم الفرق بين الفصحى والعاميات وأن لكل خصائصها ومجالاتها، وأن الخلط بينها فوضى مذمومة.
  •  3- أن نعرض آذانهم ما أمكننا وبشتى الوسائل إلى سماع الفصحى السليمة.
  •  4- وأنجع الوسائل في ذلك – كما دلت تجارب القرون – أن ننشئهم على حفظ القرآن الكريم وإتقان تلاوته. ولقد كان مخطط القضاء على «الكتاتيب» التي كان نشء الأمة يتلقون فيها كتاب الله – أكبر ضربة آذت اللسان العربي وأثمرت لنا هذه الأجيال المشوهة ألسنتها في النطق.
  •  5- أن يكف مروجو العامية في وسائل الإعلام خاصة المسموعة المرئية عن غلوهم في استخدام العاميات، وأن يرتقوا بلغتهم كما يفعل كل العقلاء من أبناء لغات الأرض جميعًا.
  •  وإن من ثمرات الصحوة الإسلامية المباركة أن صار الملايين من الصغار والكبار يحرصون على تعلم كتاب الله وإتقان تلاوته، وعلى تعويض ما فاتهم من تعليم العربية نتيجة مخططات تغريب التعليم في بلادنا، وهذا منحى طيب يستحق الذكر والشكر وكذلك جهود وزارة الأوقاف الكويتية في فصول دور القرآن وحلقات تعليم الفقه والنحو في المساجد.


 اقرأ أيضا
 اللسان العربي.. لسان فريد

الرابط المختصر :