; تركيا: الكيان الصهيوني يسعى لإجهاض فوز الإسلاميين في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان تركيا: الكيان الصهيوني يسعى لإجهاض فوز الإسلاميين في تركيا

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1994

مشاهدات 83

نشر في العدد 1095

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 12-أبريل-1994

         التقارب العربي الصهيوني أهم وسائل دفع العلاقات التركية – الصهيونية إلى التحسن.

         خلية عمل إسرائيلية تركية لمواجهة الحركة الإسلامية.

تشهد العلاقات التركية - الإسرائيلية حاليًا نشاطًا مكثفًا على كافة المستويات وفي شتى الميادين المختلفة وذلك بعد مرحلة البرود التي شهدتها الثمانينيات لتعود العلاقات بذلك إلى ما كانت عليه في مجال خدمة الأهداف الاستراتيجية للإمبريالية الأمريكية في المنطقة، والتي تعتمد أساسًا على محركين أساسيين هما تركيا وإسرائيل.

ففي خلال شهر أبريل «نيسان» الحالي قام شيمون بيريز وزير خارجية العدو الصهيوني بزيارة تركيا يوم الأحد 10/4/1994م لمناقشة وسائل تفصيل بروتوكول التعاون الذي كان قد تم توقيعه في نوفمبر الماضي أثناء زيارة حكمت تشتين للكيان الصهيوني، كما زار تركيا أيضا في بداية الشهر الحالي ياكوف فرانكل رئيس البنك المركزي الإسرائيلي بناء على دعوة من السيدة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية وذلك للمساهمة بتقديم النصح في عملية الإصلاح الاقتصادي لتركيا؛ حيث كانت تانسو تشيللر قد قررت استخدام العلاج الإسرائيلي.

كما كان إيغني ناحوم مستشار وزارة الدفاع الإسرائيلي قد قام أيضًا بزيارة لتركيا في 27 فبراير الماضي للاتفاق على القيام بتحديث الطائرات التركية من طراز F-4 و F-5 في المصانع الإسرائيلية، ودراسة مجالات التعاون المشترك في مجال الصناعات الدفاعية التي كان قد تم الاتفاق عليها أثناء زيارة حكمت تشتين لإسرائيل وأثناء زيارة يلتشين بورتشاق مستشار الصناعات العسكرية التركية لإسرائيل في أوائل العام الحالي أيضًا، وذلك بهدف إنتاج عسكري مشترك وبيعه لدول المنطقة عبر الغطاء التركي لحين تطبيع العلاقات العربية الصهيونية.

وعمومًا فإنه إذا كانت زيارة حكمت تشتين وزير الخارجية التركي إلى الكيان الصهيوني في نوفمبر الماضي تعتبر الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ الاعتراف التركي بإسرائيل عام 1949م، فإن زيارة عيزرا ويزمان رئيس الكيان الصهيوني الرسمية لتركيا في الفترة من 24 - 27 يناير الماضي كانت تدشينا رسميًا لعلاقات التعاون بين البلدين خاصة وأن الزيارة كانت قد خرجت من دلالاتها البروتوكولية لتأخذ بعدًا تنفيذيًا اتضحت معالمه من خلال الوفد المرافق له. والذي ضم أكثر من مائة من الخبراء العسكريين والأمنيين والاقتصاديين وغيرهم لمواصلة المفاوضات على المستوى الفني حول وسائل تنفيذ بروتوكول التعاون والصداقة الموقع في نوفمبر الماضي، والتمهيد لزيارة وزير الخارجية الصهيوني الحالية أيضًا والتي تشير إلى أن العلاقات التركية - الإسرائيلية قد وصلت إلى ذروتها وهو ما سيكون له انعكاساته الاستراتيجية السلبية على القضية الفلسطينية، خاصة وأن تركيا تعتبر من عوامل الدفع المساعدة لعملية السلام الاستسلامي التي تقوم الولايات المتحدة بتنفيذها في المنطقة عبر الأنظمة التابعة على حساب الشعب الفلسطيني والأرض الإسلامية السليبة لصالح قوى الاغتصاب.

علاوة على خطورة ذلك على الحركة الإسلامية في المنطقة خاصة وأن أنقرة وتل أبيب تعتبرانها من عوامل تهديد الأمن القومي لهما، وهو ما تم الاتفاق على التعاون بشأنه في بروتوكول التعاون الثنائي بين البلدين، بالإضافة إلى التعاون في مجال الصناعات العسكرية.

تاريخ العلاقات الصهيونية التركية

وحتى يفهم البعد الحقيقي للعلاقات التركية - الإسرائيلية فإنه يجب أن نسلط عليها الأضواء التاريخية في محاولة لربط الماضي بالحاضر للوصول إلى الحقيقة المجردة، فعلى الرغم من أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بالكيان الصهيوني عام 1949م، وتبادلت معه التمثيل الدبلوماسي عام 1952م، إلا أنها دعمت قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م وأهمها القرار 242، وأثناء حرب 1973م رفضت تركيا تلبية الطلب الأمريكي الخاص بشحن أسلحة أمريكية من قواعدها بتركيا إلى الكيان الصهيوني... وصوتت لصالح القرار الخاص باعتبار الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية عام 1975م، ورفضت الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.

وفي الثمانينيات انتصر التيار المعادي للكيان الصهيوني في الخارجية التركية على المؤيد له وكان إيلتير توركمان وزير الخارجية التركي بعد انقلاب 1980م يقود التيار المعادي وتبنى في اجتماع لمجلس الأمن القومي التركي اقتراحًا يقضي بدعم العلاقات التركية - العربية وقطع العلاقات مع العدو الصهيوني لما في ذلك من فوائد سياسية واقتصادية واستراتيجية لتركيا والوصول إلى حل وسط بين التيارين.. قرر الجنرال كنعان إيفرين إنزال العلاقات إلى أدنى مستوى لها حيث شهدت الفترة من 1983 - 1989 مرحلة البرود التي وصلت إلى درجة التجمد رغم معاهدة السلام التي كانت موقعة بين السادات والكيان الصهيوني، إلا أن الرفض العربي لها آنذاك كان هو المتحكم في حركة تركيا نحو التعاون مع الصهاينة.

ورغم محاولات التطبيع السياحي بين تركيا والكيان الصهيوني في بداية التسعينيات فإن تلك العلاقات ظلت على مستوى زيارات وزراء السياحة ومسؤولي هذا القطاع في كلا البلدين ولم تخرج من الشواطئ وعلب الليل إلى الشارع السياسي بشكل علني إلا مع ظهور بوادر التوجه العربي لمسيرة السلام التي تقودها واشنطن، فلم تنتظر أنقرة في الظل انتظارا لما ستسفر عنه تلك المفاوضات ولذلك قفزت إلى المقدمة لقطف الثمار حين يأتي وقت الحصاد، ووصل الأمر إلى درجة أن ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية طلب من أنقرة أثناء زيارته لها في سبتمبر الماضي دعم خيار غزة - أريحا لدى الكيان الصهيوني وإدخال منطقة الحكم الذاتي إلى مشروع أنبوب مياه السلام المقترح!!! كما كان الملك الأردني قد طلب من أنقرة أثناء زيارته لتركيا في أغسطس الماضي بذل جهودها لدعم عملية السلام واستخدام نفوذها لدى الكيان الصهيوني لحل المشكلة في إطار عادل.

وجدير بالذكر أن حكمت تشتين وزير الخارجية التركي كان قد أجل زيارته للكيان الصهيوني مرتين الثانية كانت بسبب العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان؛ حيث كانت الزيارة مقررة في الفترة من 27 - 29 يوليو الماضي ولم تنفذ إلا في نوفمبر الماضي.

وبالتالي فإن العلاقات التركية - الإسرائيلية تظل محكومة دائمًا بتطور العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني لتكون مبررًا حكوميًا لامتصاص غضبة الشعب التركي والتي تمثلت في المظاهرات الشعبية العارمة في صيف 1992م عندما قام الرئيس الصهيوني السابق بزيارة غير رسمية لتركيا للاشتراك في احتفالات الجمعية اليهودية المعروفة باسم «وقف 500» في ذكرى مرور 500 سنة على استقبال الدولة العثمانية ليهود إسبانيا.

كما أن رجال الأعمال اليهود الأتراك يحاولون عدم إثارة الرأي العام التركي المضاد للكيان الصهيوني، ولذلك رفضوا الاشتراك في الوفد المرافق لحكمت تشتين وزير الخارجية التركي للكيان الصهيوني في نوفمبر الماضي مما حدا بالمسؤولين الصهاينة بسؤال تشتين عن سبب ذلك في الوقت الذي اجتمعوا بعرفات أثناء زيارته لتركيا!!

تركيا والتقارب العربي الإسرائيلي

ولذلك فإن التقارب العربي - الإسرائيلي يدعم الرغبة التركية الرسمية في تقوية العلاقات مع الكيان الصهيوني ويبرر ذلك التوجه المرفوض شعبيًا، وكان مسؤول في الخارجية التركية قد وصف رغبة تركيا في تحسين علاقاتها مع تل أبيب بأنها تأتي في الإطار الذي تقوم فيه بعض الدول العربية بتحسين علاقاتها معه، مشيرًا إلى أن عرفات شخصيًا طلب من الرئيس ديميريل وساطة لدى الجانب الإسرائيلي أثناء قمة «دافوس» في يناير الماضي ونجح ديميريل فعلًا في عقد لقاء مشترك بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني كما أن الرئيس المصري حسني مبارك قام بزيارة أنقرة بناء على دعوة هاتفية من الرئيس التركي في نهاية يناير الماضي حول ذلك أيضًا.

التحالف الجديد

وتستهدف تركيا من تدعيم علاقاتها مع الكيان الصهيوني والمشاركة في تسريع عملية السلام القيام بدور مهم في إدارة الشرق الأوسط من خلال إقامة بنية إقليمية جديدة معتمدة على ثلاثة أضلاع في تركيا، والكيان الصهيوني، ومصر تحت اسم مؤتمر الأمن والتعاون الشرق أوسطي على غرار مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، على أن يضم هذا النظام بالإضافة إلى الدول الثلاث باقي الدول العربية المعتدلة إليه، وهذه الفكرة التركية تعتبر تطويرًا لفكرتي حلف بغداد والحلف المركزي الذي اضطلعت تركيا بدور هام آنذاك في تنفيذهما، وأدى ذلك إلى حالة من الاستقطاب والعداء لدرجة كادت أن تؤدي إلى حرب عربية - عربية وعربية - تركية.

ورغم تسويق تركيا لفكرتها ودعم واشنطن لها وموافقة مصر عليها، إلا أن العقبة الرئيسية لتحقيقها تكمن في الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية وعدم توقيع معاهدة سلام مع باقي الأطراف العربية الأخرى، ولذلك تحاول تركيا دفع كافة الأطراف إلى ذلك لضمان دورها المستقبلي في المنطقة، كما أن تحقيق ذلك يتعارض مع رغبة الكيان الصهيوني لضم باكستان إلى تلك البنية وهو ما ترفضه إسلام آباد ولا تملك أنقرة القدرة على إقناعها بذلك.

تأثير فوز الرفاه

وبالتالي يجب قراءة زيارة وزير الخارجية الصهيوني لتركيا في هذا الإطار علاوة على أن الزيارة ستأخذ بعدًا جديدًا بعد فوز حزب «الرفاه» الإسلامي بالانتخابات المحلية في مارس الماضي، حيث فرض ذلك التطور على الجانبين ضرورة تشكيل خلية عمل تركية - صهيونية دائمة لتبادل الأفكار والآراء في مجال مواجهة الإرهاب والحركة الإسلامية والتحرك المشترك لاحتواء تلك التطورات؛ حيث ترى أنقرة وتل أبيب أنها تهدد عملية السلام أولاً والنظام العلماني في تركيا ثانياً، والكيان الصهيوني نفسه ثالثاً.

كما يناقش المسؤول الصهيوني مع الزعماء الأتراك تفاصيل الزيارات المحتمل أن يقوم بها كل من تانسو تشيللر رئيسة الوزراء التركية وسليمان ديميريل رئيس الجمهورية إلى إسرائيل خلال العام الحالي وإن كان الموعد المقترح لزيارة تشيللر في الخريف المقبل والموعد المقترح لزيارة ديميريل في نهاية العام لتكون العلاقات بين الجانبين قد وصلت بذلك إلى أعلى مستوى لها منذ الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، والذي دفع السلطان عبد الحميد -الخليفة العثماني- عرشه ثمنًا لرفضه بيع فلسطين لليهود.

كما أنه من المقرر أن يقوم شيمون بيريز رئيس الوزراء الصهيوني بزيارة لتركيا خلال العام الحالي ليصل مستوى الزيارة إلى أعلى مستوى يمكن الوصول إليه.

وبالتالي يكون التقارب العربي -الصهيوني أهم قوة دفع للتعاون التركي- الصهيوني الذي ستدفع شعوب المنطقة والحركة الإسلامية فيها ثمنه غاليًا، وتكون كافة الأنظمة في المنطقة قد ساهمت في تحقيق مكاسب استراتيجية للنظامين الصهيوني والعلماني وتكون هي نفسها، وقد وضعت نفسها بين سندان أنقرة ومطرقة تل أبيب - رغم أن أحد سيناريوهات الحروب المقبلة في المنطقة طبقًا لتوقعات استراتيجية أمريكية سيكون بين سوريا والعراق في مواجهة تركيا بسبب المياه.

 

الرابط المختصر :