; الكفر بالاستسلام أول الطريق | مجلة المجتمع

العنوان الكفر بالاستسلام أول الطريق

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1986

مشاهدات 63

نشر في العدد 753

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-فبراير-1986

مازال المسرح السياسي في الشرق الأوسط يشهد مسرحية واحدة منذ زمن بعيد وإن تغيرت الشخوص والحركات.. المسرحية هي ما يسمى بعملية السلام والبطل الحقيقي فيها كان دائمًا «إسرائيل» والبطل المعلن هو الولايات المتحدة.

مسرحية جديدة

المسرحية الجديدة التي يقوم بالدور الأميركي فيها مساعد وزير الخارجية المبعوث الخاص للشرق الأوسط ريتشارد ميرفي، ويقوم بالدور الإسرائيلي رئيس الوزراء شيمون بيريز تقوم على فكرة أن الولايات المتحدة بعد خمس سنوات من التردد بشأن مواقفها في الشرق الأوسط قررت الحسم والمُضِي قُدُمًالإيجاد حل يضع حدًّا لعدم الاستقرار في المنطقة كما دافع بقوة ميرفي نفسه وبعض الأوساط الصحفية الغربية والعربية المحسوبة على إدارة ريغان. 

وتضيف الفكرة أن شيمون بيريز الذي حقق نجاحات لصالح حزب العمل على حساب تكتل الليكود في السياسة الإسرائيلية الداخليةبات هو الآخر أكثر استعدادًا للمُضِي قُدُمًا في التوصل إلى مفاوضات عربية إسرائيلية قبل فوات الأوان.

ميرفي ترك هذا الانطباع قبل رحيله إلىأوروبا وبعد عودته منها.. فقد قال إنه حصل تقدُّم ملموس هو تعريف العراقيل الأساسية في مسيرتنا والتي حددها بالمؤثر الدولي والتمثيل الفلسطيني، بيريز من جهته استخدم ألفاظًا دبلوماسية «التعبير عن النفس» و«احترام الذات» و«الممثلين الشرعيين للفلسطينيين»! ليوهم المجتمع الدولي بأنه بات قريبًا من الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني، لكنه على أية حال أصرَّ على استبعاد منظمة التحرير نهائيًّا من المشاركة في أية تسوية، ودعا لمفاوضات مباشرة بين الأردن وإسرائيل.

دعاية إسرائيلية

وعندما عاد لتل أبيب بعد جولة أوروبية شملت هولندا وألمانيا وبريطانيا غيَّر بيريز لهجته وقال إن مباحثاته مع ميرفي ومباحثات ميرفي مع الملك حسين في لندن لم تصل لنتيجة تُذكر، وهي إشارة تصلح للاستنتاج بأن لغته الدبلوماسية الرقيقة في أوروبا إنما كانت تهدف إلى تحسين وجه إسرائيل القبيح وكسب دعاية دولية ضد العرب عمومًا وضد الشعب الفلسطيني خصوصًا.. وليظهر دولة إسرائيل بأنها محبة للسلام فيما العرب كارهون رافضون السلام! ومن باب ضرب عصفورين في حجر واحد فإنه ظل يردد بأن الملك حسين بات قريبًا من الموافقة على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بعيدًا عن منظمة التحرير–وقيادة ياسر عرفات، لزيادة شُقة الخلاف بين الأردن والمنظمة، ودفع الملك للتنصل من العلاقة مع ياسر عرفات، لكن كيف بدأت المسرحية وإلى أين وصلت؟

في أوروبا حيث أخذ مورفي يتردد بين الملك حسين وشيمون بيريز قالت الأنباء إنه تم بحث مسألتيّ المؤتمر الدولي والتمثيل الفلسطيني بأدق التفاصيل، وجرى الاتفاق على المسألتين لترتيب مؤتمر دولي مع عدم البَتِّ النهائي في شكله ومن يحضره.

والتمثيل الفلسطيني الذي عرضت فيهأمريكا مشاركة وفد أردني فلسطيني يضمأعضاء من غير أعضاء منظمة التحرير كمقدمةلاعتراف منظمة التحرير بقراريّ مجلس الأمن ٢٤٢، ٣٣٨ ومن ثَمَّ مشاركتها في المؤتمر الدولي! وتأكيدًا لهذه الأخبار التي كشف عنها مسؤول أميركي لصحيفة أردنية قال ميرفي للجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأميركي إن أمام الملك حسين موجتين من المفاوضات: 

الأولى: مع ياسر عرفات لمعرفة التشكيل الفلسطيني، والثانية: مع حافظ الأسد لمعرفة مدى استعدادها لدخول المفاوضات.

مباحثات عمَّان

الموجة الأولى بدأت في عمَّان يوم السبت من الأسبوع الماضي وعقدت أربع جولات وصلت إلى طريق مسدود بحسب تعبير هاني الحسن المستشار السياسي لياسر عرفات، لكنه أوضح أن سبب ذلك يعود إلى «التعنت الأميركي» ورفض الإدارة الأميركية الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقتقرير المصير».

وقد لوحظ أن المباحثات (الأردنية – الفلسطينية) قد شاركت فيها من الجانب الفلسطيني بالإضافة لياسر عرفات وبعض أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة والمركزية لفتح عدد من الشخصيات الفلسطينية المقيمة في الأرض المحتلة وفي أميركا، فقد شارك فيها بعض رؤساء البلديات والدكتور وليد الخالدي الأستاذ المعروف في الجامعات الأميركية. 

الملك حسين وياسر عرفات قالا كل على حدة بأن المباحثات مازالت مستمرة بالرغم من توقُّف المباحثات من أول الجلسة الخامسة.

وخلال المباحثات تمَّت اتصالات مكثفة مع السفارتين الأميركية والسوفييتية وبعض العواصم العربية لكن النتيجة النهائية استقرتحول عبارة «لا جديد في الوقت الراهن». 

ومع أن نتائج المباحثات لم تتضح بعد، إلا أنه كان واضحًا بأن المنظمة قد أعلنت قبل بدء المفاوضات وعلى لسان «أبو جهاد» أنها لن تعترف بقراري ٢٤٢، ۳۳۸ مالم تعترف الولايات المتحدة في نفس الوقت بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وهو أمر بات واضحًا أن أمريكا ترفضه رفضًاقاطعًا كما تفعل إسرائيل، فما هو مصير العلاقة الأردنية الفلسطينية وكيف ستصير؟

مصير قائم

هناك رأي يقول بأن الأردن لا يستطيع الاستجابة للضغوط الأميركية والإسرائيلية للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل مالمتوافق له على ذلك منظمة التحرير وسوريا أو إحداهما على الأقل. 

ومن هنا فإن كلًّا من الأردن والمنظمةسيجدان بعد هذه المباحثات فُسحة من الوقت لممارسة تحركات سياسية جديدة تهدف إلى زحزحة الموقف الأميركي، وإيجاد منافذ تساعد على العمل المشترك، وإحراز نتائج سياسية تشكل تطوُّرًا يمكن الاعتماد عليه في التفاؤل في «مسيرة السلام» وقد بدأت الحركة بعد انتهاء المباحثات بالفعل، فقد توجه أبو جهاد لبلغراد فيما استقبل عرفات السفير العراقي وسلمه رسالة للرئيس صدام حسين، والسفير السوفييتي الذيتسلم منه رسالة من قادة الكرملين.

أما الملك حسين فقد قيل بأنه سيستقبل حافظ الأسد في بداية هذا الشهر، كما سيزور مصر لاطلاع حسني مبارك على كافةالتطورات. 

على أية حال فإن المسرح الدولي والعربي سيظل يطالب المنظمة بالاعتراف بالقرار ٢٤٢ فكيف ستتصرف المنظمة؟

انقسام

لا شك أن القيادة الفلسطينية منقسمة على نفسها إزاء هذا الموضوع، فهناك فريق مؤيد وفريق معارض وإن كان الفريقان حتى اللحظة متفقين على عدم الاستجابة، إلا أن لحظة الانقسام الكبير كما سمَّاها أبو اياد ربما تحدث، خاصة وأن تطور الأحداث وبالذات العلاقة (الأردنية - السوريَّة) والضغوطات (الأميركية - الإسرائيلية) على الملك حسين على نحو يدفع الأمور لبت العلاقة (الأردنية - الفلسطينية) واتفاق عمَّان في نفس الوقت الذي تتقدم فيه فكرة المؤتمر الدولي خاصة إذا شارك الاتحاد السوفييتي فيه ويبدو أنه مستعد لذلك، مقابل التبادل الدبلوماسي مع إسرائيل، وقد يكون هذا هو موضوع الوساطة التي أشار هاني الحسن إلى أن الملك حسين يقوم بوساطة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لصالح القضية الفلسطينية. 

فإذا قُدِّر للمؤتمر الدولي أن تتهيأ له الأسباب تبقى مشكلة المشاركة الفلسطينية فهل تشارك المنظمة بعد الموافقة على قرار ٢٤٢ في مؤتمر دولي لن يكون أكثر من شاهد زور على تصفية القضية الفلسطينية؟

أول الطريق

وهنا نود أن نقول لمنظمة التحرير الفلسطينية بعامة والمنظمة فتح بخاصة أن كل المؤشرات تعمل ضد أدنى ما تطالبون به، والمجتمع الدولي هو الذي فرط في فلسطين وليس متوقعًا أبدًا أن ينصفها، والخيار الأصيل هو مواصلة مسيرة القتال حتى التحرير، لكن على أسس وأصول جديدة تتفق مع كون القضية الفلسطينية قضية إسلامية قبل كل شيء.

ونحن نعرف أن هذا غير قابل للتحقيق الفوري بسبب التراكمات الكثيرة منذ نشأة مأساة فلسطين، لكننا نقول بأن القيادة الحالية تستطيع أن تعلن كفرها بما يسمى بعملية السلام وتتركها لأصحابها، وهذا أول الطريق، فإنْ هي فعلت ذلك وعملت على الحيلولة دون مشاركة أي فلسطيني في العملية تكون قد فعلت خيرًا كثيرًا، والباقي تقوم به الأجيال اللاحقة التي بدأت التباشير بقدومها قوية العزيمة واضحة الراية ليس لها من شعار إلا النصر أو الشهادة، ومثل هذا الجيل الذي يستمد العون والمساعدة من عموم الأمة الإسلامية حري بصنع المعجزات وما ذلك على الله بِعزيز، ولتعلمن نبأه بعد حين.

الرابط المختصر :