; الكعبة المشرفة بناؤها . . وعمارتها . . | مجلة المجتمع

العنوان الكعبة المشرفة بناؤها . . وعمارتها . .

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 15

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 02-يناير-1973

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 96).

ويرى المفكر الإسلامي المرحوم سيد قطب أنه: "أول بيت أقيم في الأرض للعبادة، وهو بيت إبراهيم، وفيه شواهد على بناء إبراهيم له"، ولم يبين ما هي هذه الشواهد.. وربما يقصد من الشواهد حجر المقام.

وذهب بعضهم إلى أنه أول بيت وُضِع في الأرض، ولا خلاف في أنه أول بيت وُضِع للناس في مكة المكرمة؛ وهذا يشير إلى أن مكة المكرمة هي المصدر الحضاري الأول للإنسان، والإشعاع الروحي الديني لكل العالمين؛ فبناء البيت فيها وحج الناس إليه منذ عصور موغلة في القدم يؤكد هذه الحقيقة التاريخية.

ولا شك إذن أن مكة المكرمة كانت وما زالت بمثابة المولد الكهربائي للحضارات التي قامت في وادي الرافدين ووادي النيل وما بينهما من أرض الهلال الخصيب.

وتروي كتب التفسير والتاريخ أن بنايات الكعبة المشرفة قد تعددت، ومجمل بنائها ثلاثة عشر بناءً.. وتفصيلها على النحو التالي:

1.      بناء الملائكة- عليهم السلام.

2.      بناء آدم- عليه السلام-.

3.      بناء شيث بن آدم- عليهما السلام.

ويختلف المفسرون والمؤرخون في أول من بناها من هؤلاء؛ فمنهم من يقدم بناء آدم على بناء الملائكة وبالتالي يؤخر بناء الملائكة بعد بناء آدم، ومنهم من جعل بناء شيث أول البنايات- وهذا غير وارد فكيف يبني الابن قبل أبيه؟!

ويقول مؤرخ حجازي معاصر: "وعلى كلٍّ فهي من الأخبار التاريخية التي إن ثبتت وصحت لا تخل بشيء من أصول الدين الحنيف ولا فروعه، وإن لم تصح فلا يتوقف على صحتها عدم وجود الكعبة المعظمة من يوم خلق الله السموات والأرض. فقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم فتح مكة: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض»، ولم تُحَرَّم مكة إلا لوجود الكعبة المعظمة فيها، ولا شك أن الكعبة المعظمة موجودة من بدء الخلق وإنما الخلاف بين العلماء في أول من بناها والله أعلم".

4.      بناء إبراهيم- عليه السلام- بمعاونة ابنه إسماعيل، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127).

والآية تشير إلى وجود قواعد البيت- بمعنى أنه كان موجودا قبل زمن إبراهيم، وإذا كان القرآن الكريم لم يصرح ببناء أحد قبل إبراهيم فهذا أيضا لا يعني أنها لم تُبْنَ قبل ذلك بكيفية ما. أما من جعل بناء إبراهيم أول البنايات فهو كذلك- في رأيي- بناها على القواعد التي تحدث عنها الكتاب.

5.      بناء العمالقة

6.      بناء جرهم.

وفي البنائين الأخيرين يرى ناسٌ أن الجرهميين بنوا الكعبة المشرفة قبل العمالقة.. ومنشأ رأيهم أن القبيلتين سكنتا مكة المكرمة في وقت واحد معا.

7.      بناء قصي بن كلاب- الجد الرابع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول من سمح بالبناء حول البيت الذي هو الكعبة، ولذلك سمي بـ«المجمع».

8.      بناء عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف- جد النبي لأبيه.

9.      بناء قريش.. وهذا البناء فيه سر عظيم من أسرار الله سبحانه وتعالى؛ فبعد أن تم البناء اختلفت القبائل فيما بينها، كل قبيلة تود أن تكسب شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، وكاد يحصل قتال، ولكن الله قد أمضى أمره فأدركوا «محمدا». وكان يُعرَف بينهم بالأمين، فتحاكموا إليه، ورأى أن يبسط رداءه وأن يوضع فوقه الحجر الأسود، وأخذت كل قبيلة بناحية من الرداء وقُضِيَ الأمر الذي كانوا فيه يختلفون.

ولعمري تلك إرهاصة من إرهاصات النبوة؛ فلم يكن «محمد» مسنا ولا موفور الثراء، ولكن شمائله أعدته لعظائم الأمور، وأمانته رفعته فوق حزازات الصدور، وهذه الحادثة- حادثة الحجر الأسود- مكنت الرسول صلى الله عليه وسلم من قيادة صناديد قريش وهو في طور نشر الدعوة الإسلامية.

10.  بناء عبد الله بن الزبير بن العوام- وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم-، وهذا البناء أعاد الكعبة إلى ما كانت عليه زمن إبراهيم، وزاد من طولها بمقدار الضعف، وكذلك جعل لها بابين- غربي وشرقي؛ أحدهما للدخول والآخر للخروج.

11.  بناء الحجاج بن يوسف الثقفي، وأهم ما يميز هذا البناء إغلاق الباب الغربي بأمر الخليفة عبدالملك بن مروان، ورفع الباب الشرقي عن الأرض.. والسبب ليس منع الناس من دخول الكعبة المشرفة كما يبدو لأول وهلة، إنما خشية مداهمة السيول التي تتسبب في تصدع الجدران.

12.  بناء السلطان مراد خان، وفيه يقول الشاعر:

عَادَ بَيْتُ الإِلهِ بَعْدَ انْهِدَامِـهِ

وَغَدَا فَائِقًا لِحُسْنِ نِظَامِـهِ

وَأَتَتْنَا بُشْرَى الهَنى وَالتَّهَانِي

إِذْ أَتَانَا بَشِيرُنَا بِتَمَامِـهِ

حَمِدْنَا اللهَ وَالحَمْدُ مِنَّـا

لَمْ يَزَلْ دَائِمًا عَلَى إِتْمَامِـهِ

وَشَكَرْنَاهُ إِذْ رَأَيْنَاهُ قَدْ قَـامَ

وَفُزْنَا بِلَثْمِهِ وَاسْتِلاَمِـهِ

وَبَذَلْنَا الدُّعَاءَ لِخَيْرِ مَلِيكٍ

كَانَ هَذَا البِنَاءُ فِي أَيَّامِـهِ

13.  وإن أنسَ لا أنسى ما حصل من تجديد سقفي الكعبة المشرفة- الأعلى والأدنى- وترميمها من الداخل والخارج سنة 1373هـ في العهد السعودي.

وبعد.. هذا مجمل عمارات الكعبة المشرفة وبناياتها عبر التاريخ، أما أسباب ودواعي كل عمارة أو كل بناء فسوف أفصله في موضوع آخر إن شاء الله، والله من وراء القصد.

الرابط المختصر :