العنوان القلق الاقتصادي المتزايد يزيد من نزيف خسائر النفط أم يوقفها؟
الكاتب خدمة قدس برس
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1325
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 10-نوفمبر-1998
● عام ١٩٩٦م فقط : حصلت الدول الصناعية على ٢٧٠ مليار دولار من ضرائب النفط، بينما دخل الدول المصدرة ١٨٥ مليارًا
● عام ١٩٩٨ م: خسائر أوبك ٤٨ مليار دولار لأسباب داخلية وعالمية
عمان: قدس برس
سجلت أسعار النفط العالمية خلال الأسابيع القليلة الماضية ارتفاعًا طفيفًا، حيث ارتفع مزيج خام برنت القياسي في بورصة لندن الدولية للنفط في عقود نوفمبر الحالي ١٧ سنتًا، مرتفعًا بذلك سعر البرميل الواحد إلى ١٤,٤٧ دولارًا، مواصلًا بذلك مسيرة الصعود البطيئة، بعد أن كان قد انخفض سعره إلى أدنى مستوى له في أغسطس الماضي إلى ١١,٥٥ دولارًا للبرميل الواحد، الأمر الذي انعش الآمال في إمكان رفع الأسعار ووقف التدهور الحاد في أسعار النفط وهو الأسوأ منذ 10 سنوات، وبالتالي تقليل خسائر الدول المنتجة، لذلك فقد رأينا جهودًا مكثفة يبذلها العديد من الدول النفطية وفي مقدمتها الدول العربية المصدرة للنفط، حيث عقدت مؤخرًا عدة اجتماعات لهذه الغاية لتنسيق مواقفها من أجل إجراء تخفيض آخر على الإنتاج النفطي وتقليل حجم الفائض في الأسواق العالمية والتحضير لاجتماع الدول المصدرة للنفط أوبك المقرر عقده في ٢٥ من نوفمبر الحالي لدراسة أوضاع السوق النفطية وإجراء خفض جديد على الإنتاج.
وكانت الدول المنتجة للنفط قد خفضت حجم الإنتاج بمقدار ٣.١ ملايين برميل يوميًّا من إنتاجها هذا العام، ليبدأ فائض المخزون المحسوب على أساس سنوي تقلصًا مطردًا في الأسابيع الأخيرة، وهو ما أدى إلى وقف التدهور وبدء مسيرة الصعود في الأسعار.
وأجمع خبراء صناعة النفط العالمية على أن الأسعار ربما تكون قد ودعت المستويات المتدنية التي شهدتها الصيف الماضي، لكنهم حذروا من أن شركات نفط ودولًا منتجة يمكن أن تتوقع سنة قاسية أخرى ۱۹۹۹م لإيرادات النفط.
وأكد هؤلاء الخبراء أن مشاعر القلق الاقتصادي المتصاعدة سيكون لها أثر على نمو الطلب وستبقى الأسعار أقل من المستويات التي تمتع بها المنتجون لحين التدهور المفاجئ السنة الجارية، متوقعين أن يبلغ متوسط سعر مزيج برنت ۲۲ ،۱۵ دولارًا للبرميل مقارنة بالسعر المنخفض الذي بلغ ۱۳۸۰ دولارًا للبرميل في المتوسط حتى الآن في عام ١٩٩٨م.
وستزيد المخاوف المتجددة في شأن الطلب الضغوط على «أوبك» لإجراء خفض آخر مع اقتراب موعد اجتماعها الشهر الجاري، وقال مايك باري المحلل في مؤسسة انيرجي ماركتس كونسالتانتس تحتاج أوبك إلى خفض صغير آخر يتراوح بين ٥٠٠ ألف ومليون برميل يوميًّا في نوفمبر كإجراء دفاعي»، ويعتقد محللو النفط حاليًّا أن وفرة النفط العالمية ستنقلص مع حلول فصل الشتاء في نصف الكرة الأرضية الشمالي.
لكن لن ترتفع الأسعار عن الحدود التي وصلتها مؤخرًا وهي ١٤,٧٣ دولارًا للبرميل الواحد وتتباين أراء خبراء النفط والطاقة حول مستقبل الأسعار، ففي الوقت الذي يؤكد قسم من هؤلاء الخبراء عدم تحقيق تقدم يذكر في أسعار النفط بعد الانتعاش الأخير الذي انتشل برنت من مستوياته المتدنية في أغسطس الماضي عندما بلغ ١١,٥٥ دولارًا للبرميل إلى نحو ١٤,٧٣ دولارًا، يرى آخرون أن الأسعار سترتفع إذا ما استطاعت الدول المنتجة إجراء خفض آخر على الإنتاج، وقد تضاربت الآراء حول الأسعار في مؤتمر الطاقة الذي عقد في العاصمة البريطانية يومي الثامن والتاسع من سبتمبر الماضي، حيث أكد الشيخ أحمد زكي اليماني وزير النفط السعودي السابق، أن أسعار النفط ستظل منخفضة في المستقبل المنظور، وقد تؤدي إلى تفكك منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك».
وقالت دراسة أصدرها مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن، إن إيرادات صادرات النفط للدول الأعضاء الإحدى عشرة في «أوبك» ستصل إلى نحو ١٢٦ مليار دولار السنة الجارية، مقابل ۱۸۵۷ مليار دولار العام الماضي، ونحو ۱۹۱۸ مليار دولار عام ١٩٩٦م وذكرت الدراسة أن إنتاج المنظمة قد يرتفع بنسبة طفيفة السنة الجارية، إلا أن متوسط سعر سلة خامات أوبك السبع، سيهبط السنة الجارية إلى نحو ١٢.٥ دولارًا للبرميل، مقابل ۱۸,۷ دولارًا عام ۱۹۹۷م، و ۲۰.۲ دولارًا عام ١٩٩٦م، وأشار خبراء في المركز إلى أن إيرادات السنة الجارية هي الأدنى منذ عام ۱۹۸۸م، عندما انهارت أسعار النفط إلى ما دون ۱۰ دولارات للبرميل نتيجة حرب الإنتاج والأسعار داخل وخارج «أوبك».
وأضافت الدراسة أن دول الخليج كانت الخاسر الأكبر من انخفاض أسعار النفط السنة الجارية باعتبارها تعتمد بشكل مكثف على صادرات النفط الخام، وتنتج أكثر من نصف إجمالي إمدادات منظمة أوبك، وهو ما أكده الخبير الاقتصادي في البنك السعودي الأمريكي كيفن تيكره في دراسة له من أن أسعار النفط انخفضت بمقدار الثلث عام ١٩٩٨م، عما كانت عليه عام ۱۹۹۷م، أصبح سعر البرميل ١٢ دولارًا مقارنة بـ ۱۸ دولارًا لعام ۱۹۹۷م وبالنسبة لدول الخليج التي تصدر مجتمعة حوالي ۱۲ مليون برمل يوميًّا، فإن ذلك يفسر انخفاضًا في عائد التصدير بدلًا من ٢٥ مليار دولار كما كان سابقًا، ليصبح العجز أكثر من ٥٠ مليار دولار لعام ۱۹۹۸م ولكن دراسة مركز الطاقة توقعت تحسن الدخل النقطي لـ «أوبك» السنة المقبلة، ليصل إلى نحو ١٤٣ مليار دولار، وبمعدل سعر يبلغ ١٤,١ دولارًا للبرميل.
وقال مدير المركز فاضل شلبي: إن تحسن الأسعار: يتوقف على احترام أوبك لقرار خفض الإنتاج ونمو الطلب العالمي وبرودة فصل الشتاء مضيفًا بالطبع نحن لا نتكلم عن مستوى سعر 18 أو 20 دولارًا، بل 15 أو 16 دولارًا، وهو المعدل المتوقع خلال السنوات المقبلة، واعتقد أن هذا السعر يفيد الدول المنتجة الرئيسة في المدى البعيد، لأنه يعني استثمارات أقل في قطاع الطاقة في الدول الأخرى، وبالتالي تباطؤ نمو الإمدادات من خارج «أوبك».
أما عن أسباب الانخفاض الحاد في أسعار النفط فتتباين أيضًا آراء الخبراء، ففي حين يعزوها البعض إلى انخفاض الطلب الأسيوي على النفط، فإن البعض الآخر يلقي باللائمة على الدول النفطية نفسها، وغياب التعاون والتنسيق فيما بينها.
وأكد عبد اللطيف الحمد- رئيس الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وزير النفط الكويتي السابق- أن الانخفاض بعيد المدى وليس طارئًا، مضيفًا أنه خلال الفترة ما بين الأعوام ۱۹۸۱ م- ۱۹۹۷م، انخفضت القيمة الاسمية بحدود ٤.٩% سنويًّا، والقيمة الحقيقية حوالي ٩.٢% سنويًّا، ورغم أن هذا الانخفاض الكبير كان في منتصف الثمانينيات، إلا أن تدهور الأسعار في هذا العام عاد ليكرر هذه الظاهرة، وهي أن الانخفاض في أسعار النفط هو ظاهرة بعيدة المدى، وليست أمرًا طارئًا، فأسعار النفط في المدى المتوسط على الأقل متوقع لها أن تتراوح ما بين ١٤- ١٧ دولارًا للبرميل الواحد مع فترات تطول أو تقصر من الارتفاع أو الانخفاض، أما زيادة الإنتاج، فهي تعتمد في الأساس على الموارد المالية لتطوير حقول جديدة ومواكبة الطلب المتزايد على النفط الخام في الأسواق العالمية في حال توافر نمو اقتصادي عالمي جيد.
تقرير اقتصادي
وفي هذا الإطار، يرصد تقرير اقتصادي أمريكي أعده جيمس يليك- المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، والمدير الحالي القسم أبحاث الطاقة في مؤسسة كامبريدج الأبحاث الطاقة- الأسباب المباشرة وغير المباشرة لانخفاض أسعار النفط في النقاط التالية: إن شتاء العام الماضي كان أكثر دفئًا من المعدل في جميع الدول الصناعية الرئيسة، ولذلك فقد استخدم نفط أقل، وهذا تأثير فوري قصير المدى منذ عدة سنوات، حيث كانت فصول الشتاء الدافئة تقابلها عادة فصول باردة.
زاد العراق من إنتاجه النفطي وصادراته بنحو مليون برميل يوميًّا، وفي إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، أي من ٦٠٠ ألف برميل يوميًّا إلى ١.٦ مليون برميل يوميًّا، وبموجب قرارات الأمم المتحدة سيواصل العراق زيادة الإنتاج.
اتخذت منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك، قرارًا سيئ التوقيت في شهر نوفمبر عام ۱۹۹۷م، برفع حصص الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًّا، وهذه الزيادة في الإنتاج جاءت في الوقت الذي كان فيه الطلب على النفط يقل عما كان عليه في الماضي.
كان للأزمة المالية الأسيوية تأثير حاد على الطلب بالنسبة للنفط فطوال السنوات الخمس الماضية، كان الطلب الأسيوي على النفط هو المحرك لسوق النفط إلى الأمام، مما أدى إلى زيادة في الطلب العالمي بنحو ٢ إلى ٢.٥%، ومن المحتمل ألا يعود الطلب الآسيوي كما كان عليه في السابق قبل مضي بعض الوقت.
إن التغييرات الإنشائية في صناعة النفط نفسها تعتبر عاملًا مستمرًا بعيد المدى، فالعالم مغمور بالنفط والغاز بفضل التقدم التكنولوجي الذي يسمح بأعمال تنقيب أعمق وأرخص وبفرص أكثر لإيجاد النفط في الآبار، ولذلك فإن صناعة النفط خفضت التكاليف بصورة كبيرة وأصبحت ذات فعالية أكبر، وإن احتياطات النفط تضاعفت بسبب التكنولوجيا التي جعلت الوصول إلى احتياطات جديدة ممكنًا بأسعار جذابة.
وبالإضافة إلى الأسباب السابقة التي أوردها التقرير الأمريكي، هناك سبب لا يقل أهمية، وهو أن مقابل كل دولار انخفاض في سعر برميل النفط الخام، يقابله زيادة عدة دولارات في أرباح الدول المستهلكة للنفط، وهو ما أكده الخبير النفطي الدكتور وليد خدوري رئيس تحرير نشرة «ميس» النفطية التي تصدر في قبرص في دراسة له من أنه في عام ١٩٩٦م. حصلت الدول الصناعية الغربية على حوالي ۲۷۰ مليار دولار من ضرائب النفط بينما بلغ ريع أقطار الأوبك في ذلك العام حوالي ١٨٥ مليار دولار، ولنا أن نتوقع حجم الأرباح التي ستجنيها الدول الصناعية من انخفاض العائدات النفطية لدول الأوبك لعام ۱۹۹۸م، والتي قدرها تقرير حكومي أمريكي، بأن تهبط إلى ١٠١ مليار دولار فيما كانت قيمتها عام ١٩٩٧م حوالي ١٤٩ مليار دولار، وبذلك تكون خسائر دول أوبك عام ۱۹۹۸م حوالي ٤٨ مليار دولار عن دخلها في عام ١٩٩٦ م وأمام هذا الوضع الخطير، تبقى الأنظار مشدودة باتجاه اجتماع دول الأوبك الشهر القادم، ومدى قدرتها على إجراء تخفيض آخر على كميات الإنتاج الحالية، ليس لوقف التدهور والتقليل من الخسائر الباهظة التي تعنى بها الدول المصدرة للنفط والتي قدرها الدكتور عصام جلبي- أحد كبار خبراء النفط في العالم العربي بـ مليار دولار عام ۱۹۹۷م، بل لرفع الأسعار، وبما يحقق التوازن المقبول، ويعود بالفائدة على الدول المنتجة للنفط.