; حقائق في وثائق .. القصة الكاملة لصراع الرفاق الألداء في عدن | مجلة المجتمع

العنوان حقائق في وثائق .. القصة الكاملة لصراع الرفاق الألداء في عدن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986

مشاهدات 76

نشر في العدد 757

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 04-مارس-1986

  • الصراع السياسي في عدن قائم بين فرقاء الماركسية منذ يوم الاستقلال عام ١٩٦٧

منذ الاستقلال في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م تتفجر الأحداث الدامية في اليمن الجنوبي، فتطل من حين لآخر على شكل صراع دموي بدئًا بالإطاحة بالرئيس الأسبق قحطان محمد الشعبي إلى الأحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة عدن وسالت من جرائها دماء كثيرة. 

والصراع الذي انفجر في تاريخ ١٣ يناير ١٩٨٦م كان متوقعًا له أن ينفجر قبل انعقاد المؤتمر العام الثالث للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم، حيث شهدت العاصمة عدن تحركات القبائل في كل من محافظتي أبين ولحج، وحدثت اشتباكات في الضالع بين مؤيدي الرئيس علي ناصر ومعارضيه حيث تزعم حركة التمرد تلك علي شائع هادي أحد مسؤولي الحزب الاشتراكي الحاكم.

وكان من نتيجة تلك الصراعات بين جناحي علي ناصر محمد وعبد الفتاح إسماعيل أن تحولت العاصمة عدن إلى ساحة شبيهة بساحات القتال، فأقيمت الحواجز في كل مكان، وانتشرت المليشيات الشعبية في كل مناطق العاصمة عدن، مما أدخل الرعب في قلوب السكان الذين كانوا يعرفون تمامًا خطورة هذه التحركات. 

وكادت الحرب أن تنشب بين الفريقين لولا تدخل الاتحاد السوفيتي التي تربطه مع اليمن الجنوبي علاقات وثيقة، حاول إقناع الأطراف المتنازعة بحسم الموقف بصورة ديمقراطية. 

وقد برز علي ناصر محمد على مستوى الحزب والدولة أنه الرجل الأقوى خصوصًا عند طرحه لورقة العمل التي قدمها لمؤسسات الدولة واللجان الحزبية لمناقشة الأوضاع التي تمر بها الساحة اليمنية، حيث فاز بأغلبية ساحقة داخل اللجنة المركزية واللجان والهيئات الحزبية في البلاد مما نقل الصراع بين أشخاص إلى صراع داخل الحزب الحاكم، أدى إلى انقسام أعضاء المكتب السياسي بعد انتهاء المؤتمر من أعماله.

نقاط الخلاف الأساسية بين الزعامتين 

ونقاط الخلاف الأساسية بين الزعامتين المتمثلة في علي ناصر وعبد الفتاح إسماعيل كان لها جذورها العميقة منذ الإطاحة بقحطان الشعبي -وهو أول رئيس حكم اليمن الجنوبي- إلى انفجار الموقف بين الطرفين في ١٣ يناير ١٩٨٦م. 

  • فقد اختلف قادة الجبهة القومية -إحدى الجبهات التي قاومت الاستعمار البريطاني- بزعامة قحطان الشعبي حول السياسة التي يمكن أن تتبعها اليمن الجنوبي مع جاراتها في المنطقة، أدى إلى ظهور تيار راديكالي يريد تطبيق النظرية الماركسية اللينينية وتقوية علاقة اليمن الجنوبي مع الاتحاد السوفيتي، وكان من رموز هذا التيار وقادته عبد الله عبد الرزاق باذيب وعبد الفتاح إسماعيل.
  • نجح التيار الراديكالي بالإطاحة بقحطان الشعبي في ٢٢ يونيو ١٩٦٩م وسميت هذه الخطوة بالخطوة التصحيحية وتم فورًا تشكيل مجلس قيادي مكون من خمسة أعضاء وهم: 

عبد الفتاح إسماعيل وسالم ربيع علي ومحمد علي هيثم وعلي ناصر محمد ومحمد صالح عولقي، لكن سرعان ما تفككت هذه القيادة نتيجة الخلافات التي ظهرت بين القادة أنفسهم حول توحيد الفصائل وتكوين التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية، وتمت الإطاحة بمـحمد علي هيثم الذي كان رئيسًا للوزراء ونصيره محمد صالح عولقي وذلك في أغسطس ۱۹۷۲م. 

  • بدأ التيار الراديكالي يثبت أقدامه في السلطة وشكلت لجنة قيادية جديدة في إطار التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية، فتم تعيين عبد الفتاح إسماعيل أمينًا عامًا للتنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية، وسالم ربيع علي رئيسًا للجمهورية وأمينًا عامًا مساعدًا للتنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية وعلي ناصر محمد رئيسًا للوزراء.
  • وإثر الاجتماع الذي عقد لتشكيل القيادة الجديدة صدر بيان رسمي أعلن فيه التنظيم السياسي عن انتهاجه لخط الاشتراكية العلمية والأممية البروليتارية. 
  • مرت البلاد بعد ذلك بمرحلة جديدة من عدم الأمن والاستقرار، ففي العام نفسه أعلن النظام الحاكم تأميم المساكن الشعبية والشركات والمؤسسات الصناعية، وأصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي كان من أهدافه مصادرة الأراضي الزراعية وجعلها تحت سيطرة الحكومة.

وتم تصفية العلماء والمشايخ ورجال الفكر جسديًا خصوصًا في منطقة حضرموت حيث أعدم النظام الماركسي عشرات العلماء في مدينة تريم الأثرية التي كانت قلعة للعلوم الإسلامية، وأمر بإيقاف كل الدراسات الإسلامية في مساجدها ومدارسها التي كانت وقفًا على دراسة النحو والصرف والفقه والتفسير والحديث وأصول الدين، وزج بالسجون مئات العلماء وقادة الفكر في البلاد، مارس معهم النظام أبشع صنوف العذاب، كان من نتيجة ذلك إدخال الرعب والخوف في نفوس الشعب مما أدى إلى خلو المساجد من الدراسات الإسلامية والحلقات العلمية.

جوهر الصراع بين عبد الفتاح وربيع 

  • كان سالم ربيع أحد الذين لعبوا دورًا أساسيًا في قتل العلماء وتشريد أبناء الشعب بسياساته الإرهابية التي كان يتبعها، وحاول إقصاء معارضيه من السلطة، لكن معارضيه بزعامة عبد الفتاح إسماعيل كانت لهم السيطرة في القيادات الشبابية في التنظيم السياسي، وبدأ الصراع يتطور بين عبد الفتاح إسماعيل وسالم ربيع الذي اتهم من جانب إسماعيل بممارسة السياسات المنافية لخط الثورة وبالتسيب الأيديولوجي واتخاذ القرارات الفردية، وكان جوهر الصراع بينهما حول انتهاج السياسة الماركسية، ففي حين كان ربيع يرى انتهاج خط الشيوعية الأكثر تشددًا بزعامة الصين الشعبية، كان إسماعيل أحد الذين يريدون لمسار الثورة أن تنهج نهج الماركسية اللينينية بزعامة الاتحاد السوفيتي، وفي ظل تلك الصراعات الداخلية بين الطرفين تحالف علي ناصر مع عبد الفتاح إسماعيل للإطاحة بسالم ربيع علي وإعدامه في ٢٨ يونيو ۱۹۷۸م. 
  • تزعم عبد الفتاح إسماعيل القيادة في البلاد وبسبب غوغائيته المفرطة توترت الأجواء السياسية بين اليمنين إثر المحاولة التي دبرتها أجهزة إسماعيل والتي استهدفت حياة الرئيس اليمني الشمالي الغشمي الذي انفجرت عليه الحقيبة الدبلوماسية الملغومة المرسلة مع مبعوث من اليمن الجنوبي، وظهرت الحقائق فيما بعد من أن الاتحاد السوفيتي هو المصمم لتلك العملية التي جرت الشعبين إلى الحرب.
  • كان عبد الفتاح إسماعيل -ابن موسكو- البار أقوى رجل في السلطة آنذاك إذ كان الأمين العام للتنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية ورئيس مجلس الشعب الأعلى، وفي هذه الأثناء أعد عبد الفتاح إسماعيل برنامجه لتأسيس الحزب الاشتراكي اليمني الذي أطلق عليه في أول الأمر «الحزب الطليعي اليمني من طراز جديد» وتم ذلك في الفترة ما بين ١١ إلى ١٤ أكتوبر ١٩٧٨م عين فيها إسماعيل بالإجماع في المكتب السياسي واللجنة المركزية أمينًا عامًا للحزب الاشتراكي إلى جانب احتفاظه بمنصب رئاسة مجلس الشعب الأعلى.

الجولة الثالثة من الصراع على السلطة بين ناصر محمد وإسماعيل وأنصاره 

فوجئ عبد الفتاح إسماعيل بعقلانية علي ناصر ورفاقه في الحزب الذين كانوا يسعون إلى سياسة التعايش السلمي مع جارات اليمن الجنوبي وعلى وجه الخصوص اليمن الشمالي، والسعي إلى بذل الجهود والمساعي السياسية لتوحيد شطري اليمن، الأمر الذي كان يرفضه إسماعيل لأنه يريد الوحدة تحت ظل الاشتراكية وقد كان يسعى إلى تحقيق يمن ديموقراطي موحد على حد تعبيره، وتجلت مواقفه تلك بتأييده للجبهة الوطنية الماركسية المعادية لنظام الجمهورية العربية اليمنية، وإمدادها بالسلاح وفتح المجال لها في عدن لتمارس جميع أنشطتها السياسية والعسكرية. 

وقد بلغت الخلافات ذروتها بين ناصر محمد وإسماعيل، استطاع فيها علي ناصر محمد إقناع إسماعيل بالتنازل عن السلطة، وأعلن في ٢٤ إبريل ۱۹۸۰م عن تخلي عبد الفتاح إسماعيل عن السلطة لأسباب صحية، وتعيين علي ناصر محمد أمينًا عامًا للحزب ورئيسًا لمجلس الشعب الأعلى إلى جانب احتفاظه بمنصب رئيس الوزراء وهو المنصب الذي كان يشغله منذ الإطاحة بمحـمد علي هيثم. 

غادر عبد الفتاح إسماعيل البلاد إلى موسكو، إلا أن أنصاره والمعجبين بأفكاره الماركسية كانوا لا يزالون في الحكم محتلين أهم المناصب القيادية والخطيرة ونخص بالذكر منهم علي أحمد ناصر عنتر وزير الدفاع وصالح مصلح قاسم وزير الداخلية، وكان أول إجراء قام به علي ناصر تشكيل وزارة جديدة وكل مهام وزارة الدفاع إلى صالح مصلح وأقصى علي عنتر من وزارة الدفاع لتعيينه نائبًا لرئيس مجلس الشعب الأعلى ووزيرًا للحكم المحلي. 

وظهر علي عنتر في الساحة اليمنية الجنوبية أنه الخصم العنيد للرئيس علي ناصر الذي كان يصفه بالدكتاتورية وممارسة الفردية في اتخاذ القرارات دون الرجوع إلى الشرعية الدستورية للحزب. 

وبعد عودة عبد الفتاح إسماعيل من موسكو ظهرت بوادر المصالحة بين الأطراف المتنازعة على السلطة بحيث تحصل مشاركة واسعة في الحكم بين الأطراف المتنازعة وعلى هذا الأساس عين المهندس حيدر أبوبكر العطاس رئيس للوزراء ولم يظهر المتشددون أية معارضة لهذا القرار وذلك للأسباب التالية: 

أولًا: أن المهندس حيدر أبو بكر العطاس الذي كان يشغل منصب وزير الإنشاءات هو الوحيد من بين أعضاء مجلس الوزراء الذي احتفظ بمنصبه الوزاري منذ تعيينه وزيرًا للإنشاءات. 

ثانيًا: أنه كان محايدًا في الصراعات بين الزعماء منذ الإطاحة بسالم ربيع علي. 

ثالثًا: أنه كانت له علاقات حميمة مع عبد الفتاح إسماعيل ومؤيديه من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، وقد تجلى ذلك واضحًا في الإجراء الأخير الذي قام به المعارضون لسياسة الرئيس علي ناصر بتعيين العطاس رئيسًا مؤقتًا للبلاد تبين فيها أنه رجل موسكو في الوقت المناسب. 

والجدير بالذكر أن المهندس حيدر أبو بكر العطاس قد اختلف مع الرئيس علي ناصر محمد في سياسة الانفتاح شيئًا فشيئًا دون التنازل عن المنهج، فسمح للشركات الأجنبية مثل شركة «أجيب» الإيطالية إلى جانب بعض الشركات الفرنسية واليابانية والبرازيلية بالتنقيب عن النفط في محافظتي حضرموت وشبوه.

دور الاتحاد السوفيتي في عودة عبد الفتاح إسماعيل إلى السلطة من جديد 

إن عودة عبد الفتاح إسماعيل إلى السلطة من جديد في مارس ١٩٨٥م بعد إقصائه من كافة مناصبه القيادية في الحزب والدولة يعطي مؤشرًا للمتتبع للأحداث في اليمن الجنوبي إلى ما يتمتع به هذا الرجل من نفوذ داخل الحزب الحاكم، ويعتقد بعض المراقبين أن إبعاد عبد الفتاح عن السلطة عام ١٩٨٠م كان بأمر من الاتحاد السوفيتي التي كانت تسعى إلى إقامة علاقات مع دول الخليج والجزيرة العربية، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه في ظل وجود إسماعيل -الذي عرف بتطرفه الشديد في تطبيق الماركسية- في السلطة ولذلك رحب الاتحاد السوفيتي بزعامة على ناصر لانتهاجه سياسة مرنة تجاه الدول العربية بوجه عام ودول الجزيرة والخليج العربي بوجه خاص، ولقد لقي تعيين علي ناصر رئيسًا للجمهورية قبولًا عند دول الجزيرة والخليج العربي الأمر الذي سهل لموسكو إقامة علاقات مع بعض دول الخليج والجزيرة العربية.

ولكن سرعان ما تغيرت نظرة قادة الكرملين عن الرئيس ناصر محمد وذلك بعد أن حقق لهم أهدافهم التي كانوا يسعون إليها منذ أمد طويل، وفي ظل سياسة الانفتاح التي كانت الحكومة اليمنية تنتهجها خشيت موسكو من مصالحها في المنطقة لأن لها قواعد عسكرية في جزيرتي سقطره وميون الإستراتيجيتين، فأجبرت عبد الفتاح إسماعيل بالعودة إلى بلاده ليضع حدًا لهذه السياسة التي انتهجتها حكومة الرئيس علي ناصر محمد. 

وساطات قادة الثورة الفلسطينية لم تنجح وبلوغ الخلاف أوجه بين الأطراف المتنازعة 

انعقد المؤتمر العام الثالث في الفترة ما بين ١۱ إلى ١٥ أکتوبر۱۹٨٥م في الوقت الذي بلغ فيه الخلاف أوجه بين التيارين المتصارعين على السلطة، وكادت الفتنة أن تنشب أثناء انعقاد المؤتمر لولا تدخل بعض قادة الثورة الفلسطينية الذين تربطهم بحكومة اليمن الجنوبي علاقات حميمة وكان جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على رأس القادة الذين قاموا بالتسوية بين الأطراف المتنازعة وحاول إقناع الطرفين المتنازعين بالتفاوض والتوصل إلى حل سلمي وبصورة ديمقراطية، ونجح جورج حبش في مسعاه وانعقد المؤتمر في وقته المحدد له، لكن النار ظلت تحت الرماد ولم تخمد أوارها، فاشتدت النقاشات والمشادات الكلامية بين الطرفين المتنازعين داخل قاعة الاجتماعات، وكان من المقرر إصدار البيان الرسمي للمؤتمر في ١٤ أكتوبر ليتوافق مع الاحتفالات بعيد الثورة لكنه تأجل إلى تاريخ ١٥ أكتوبر نتيجة للخلافات التي ظهرت بتعيين عبد الفتاح إسماعيل وعلي سالم البيض وسالم صالح محمد أعضاء في المكتب السياسي، في الوقت الذي كان محمد علي أحمد محافظ محافظة أبين -وهو من مؤيدي علي ناصر- يسعى إلى هذا المنصب، لكن نظرًا لتوازن القوى لم يرشحه الحزب الحاكم لهذا المنصب الهام. 

تبين للرأي العام في عدن أن المتشددين بزعامة عبد الفتاح إسماعيل قد نجحوا وانتصروا على التيار المعتدل الذي يتزعمه رئيس الجمهورية، وبدا واضحًا أن كل فريق كان يخطط للإطاحة بالآخر، فقد جرت الاستعدادات وخزن الأسلحة من الطرفين في معسكرات أبين والمحافظات التي ينتمي إليها كل فريق، وجند محمد علي أحمد ستة آلاف جندي أعدهم إعدادًا جيدًا في محافظة أبين لقمع أي تمرد يقوم بها عبد الفتاح ومؤيديه، كما جند علي عنتر مجموعة من القبائل التي ينتمي إليها من الضالع هو وعلي شائع هادي وصالح مصلح الذي وكل مهام قيادات الجيش إلى أنصاره من معارضي سياسة علي ناصر وكان من بين الإجراءات التي أقدم عليها صالح مصلح وزير الدفاع إقصاء قادة الجيش وتعيين آخرين من المؤيدين لسياسة إسماعيل بدلًا منهم. 

وفي الجانب الآخر كان عبد الله علي عليوه الذي يشغل منصب رئيس أركان وزارة الدفاع وثاني أقوى رجل عسكري في البلاد، أحد الذين اختلفوا مع وزير الدفاع صالح مصلح، إذ إن عليوه كان من مؤيدي رئيس الجمهورية وأدى ذلك الاختلاف بين الرجلين إلى انقسام الجيش وبطريقة عجيبة نظرًا للانتماءات القبلية التي ينتمي إليها كل فرد من أفراد القوات المسلحة.

علاقة الاتحاد السوفيتي بالأحداث في عدن 

تضاربت الأنباء عن الكيفية التي تمت فيها المحاولة الانقلابية، ونظرًا للغموض الذي مازال يكتنف الموقف هناك، فإن أحدًا لا يستطيع بمجريات الأمور في العاصمة عدن. 

كل الدلائل تشير بوجود علاقة للاتحاد السوفيتي بما جرى في عدن، إذ إن الاتحاد السوفيتي خشي على مصالحه في المنطقة خصوصًا وأن اليمن الجنوبي تتميز بموقعها الإستراتيجي الهام على البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، والحفاظ على وجوده فيها أمر ضروري بالنسبة له ويكفي أنه تهديد للأمن العربي في المنطقة.

ولقد وجد الاتحاد السوفيتي أن عدن قد اقتربت كثيرًا بصنعاء في ظل حكم الرئيس علي ناصر، وخشيت موسكو من هذا الاقتراب الذي قد يؤدي إلى اقتراب اليمن بشطريه بدول مجلس التعاون، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى وحدة إستراتيجية لدول الجزيرة العربية تهدد مصالح القوتين في المنطقة.

لم تكن موسكو تعتقد أن الأمر الذي خططت له يصبح خطيرًا إلى هذه الدرجة التي جرت فيها أبناء اليمن الجنوبي إلى حرب أهلية دامية، فقد ظنت أن الإطاحة بالرئيس علي ناصر يتم على الطريقة التي أطيح بها الرئيس الأسبق سالم ربيع علي. 

وفوجئت موسكو بتدهور الموقف بسرعة، وتفكك الجيش بطريقة عجيبة، أدى إلى نزوح القبائل من المحافظات إلى العاصمة عدن، الأمر الذي دفع موسكو إلى التفكير بإجلاء رعاياها قبل أية دولة أخرى. 

أحداث عدن استمرار لمسلسل المؤامرات الدولية على الشعوب الإسلامية 

أخذت الأحداث الأخيرة التي شهدتها عدن بعدًا دوليًا حذرت فيها الولايات المتحدة الأمريكية الاتحاد السوفيتي من التدخل. 

فقد تحركت قوى المعارضة في المنفى إلى اليمن الجنوبي، وهذه القوى التي تعارض النظام الماركسي في عدن تلقى الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه القوى المعارضة لنظام عدن الماركسي ممثلة بالتجمع القومي للقوى الوطنية التي لها مكاتب وفروع في بعض الدول العربية ويترأسها محمد علي هيثم رئيس الوزراء الأسبق وعبد القوي مكاوي الذي كان يقود جبهة التحرير إبان الاستعمار البريطاني. 

وشهدت مناطق الحدود بين اليمنين تحركًا لقوات العسال الذي يعتبر من أقوى المعارضين للنظام الشيوعي في عدن.

وهكذا تأخذ الأحداث في عدن بعدًا سياسيًا آخر تتنافس فيه واشنطن وموسكو لتحافظ كل منهما على مصالحها في المنطقة.

الاتحاد السوفيتي هو المسؤول المباشر عن الأحداث الدامية في عدن 

أن الاتحاد السوفيتي هو المسؤول الأول عما حدث في عدن وعن الدمار الذي شملها وأدى إلى تشريد ٥٠ ألفًا من السكان عن عدن، ووصل عدد الضحايا كما قدرته وكالات الأنباء إلى ٤٠ ألفًا ما بين قتيل وجريح، إضافة إلى الدمار الذي لحق بالمباني والمنشآت الحكومية جعلت العاصمة عدن مدينة أشباح. 

ومع الأحداث الأليمة التي تمر بها عدن والحرب الأهلية التي فتحت مجالًا أوسع للتواجد الأجنبي في المنطقة، يصعب التكهن بمستقبل اليمن الجنوبي فالمستفيد من هذه الحرب الأهلية التي راح ضحاياها آلاف الأبرياء من أبناء الشعب اليمني المسلم هو الاتحاد السوفيتي، فكلا الطرفين المتنازعين على السلطة ينهجون في سياستهما النهج الماركسي الموالي للاتحاد السوفيتي. 

فحسم الموقف من أي طرف من الطرفين المتنازعين لا يعني نهاية للأحداث الدامية التي تتجدد في عدن بين الحين والآخر، والأيام المقبلة تحمل في طياتها الكثير.. 

هل من معتبر؟ ذكرتني الأحداث الأخيرة في عدن بالآية الكريمة ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل :۱۱۲). فالإلحاد الذي اجتاح البلاد جلب لأهلها الدمار والخراب ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود:۱۰۲) وكان من نتيجة انتشار المعاصي في البلاد أن جعل الله خراب بيوتها بأيدي أهلها وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل