; القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها | مجلة المجتمع

العنوان القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 24-نوفمبر-2007

مشاهدات 81

نشر في العدد 1778

نشر في الصفحة 44

السبت 24-نوفمبر-2007

(*) أستاذ الأدب والنقد

البناء القصصي

فكرة القصة القرآنية تخدم الغرض الدعوي لا سيما ما يتعلق بالعقيدة والتوحيد والسلوك الإسلامي بحكم أن الدين عند الله الإسلام

يقصد عادة بالبناء القصصي، أو البناء الفني، العناصر التي يقوم عليها بناء القصة من فكرة أو حادثة وسرد أو صياغة، وحبكة أو ترتيبًا للوقائع، وشخصيات فضلًا عن الزمان والمكان والغاية من القصة التي يتغياها المؤلف، وهي بصفة عامة أمور استقرت في مجال النقد الأدبي.

مع الاعتراف بوجود حركات تجديدية تهدف إلى تقديم ألوان مغايرة لما هو سائد من طرق القص أو الحكي، بحيث تركز على عنصر معين أو تتجاهل عنصرًا آخر. فالتغير والتبدل بل والتنوع في الأداء الفني يظل طبيعة بشرية تختلف باختلاف الزمان والمكان والكتاب.

بيد أن القصص القرآني يرتبط بخلود القرآن الكريم وثباته، وتظل طبيعة البناء القصصي للقصة القرآنية ثابتة ومغايرة لمقاييس البشر في الوقت ذاته، ومن المفارقات أن بعض الكتاب ذهب إلى أن مقاييس القصة القرآنية أو عرضها يتماشى مع أحدث ما وصل إليه الفن القصصي، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.

أنواع من القصص

ويمكن القول: إننا نستطيع أن نجد في القصص القرآني ما يمكن أن نضعه تحت هذه العناوين:

1- قصة الفكرة أو الحادثة.

2- قصة الشخصية

3- قصة السرد.

4- القصة الجماعية. كما يذهب إلى ذلك نجيب الكيلاني، وهي تدل على تفرد القصص القرآني، وإحاطة إعجازه، وهي غالبًا تدور في مجال الغيبيات ذات الدلالات العميقة المبهرة كما نرى في آخر سورة المؤمنون ويتوجه فيها الخطاب إلى الجماعة:

﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (المؤمنون: 105-111).[1]

وقصة الفكرة أو الحادثة تركز على موضوع بذاته بحيث يكون محورها، والأمر نفسه في قصة الشخصية حيث يكون الشخص هو المحور القصصي، كما نرى مثلًا في قصة إبراهيم أو قصة موسى، أو قصة يوسف... أما قصة السرد، فتتوازن فيها الشخصية مع الموضوع مع عناصر أخرى إلى حد ما، وهو ما سوف نرى ملامحه إن شاء الله تعالى في النماذج التطبيقية.

حجم القصة: وإذا انتقلنا إلى مجال آخر، في البناء القصصي من حيث الحجم فيمكن أن نجد أمثلة لما هو سائد في الفن القصصي الحديث. فنرى القصة القصيرة ومن ضمنها الأقصوصة، ثم القصة التي تشبه الرواية القصيرة، ثم هناك القصة المتوسطة، التي تقع بين القصر والطول إلى حد ما.

وقد ذهب «سيد قطب» إلى تقسيم آخر أكثر تفصيلًا، فقسم القصة القرآنية من حيث الحجم إلى الأحجام التالية: 

1-الإطناب.

2-التوسط.

3-الإيجاز.

4-القصر الشديد.

5-الإشارة.

6-أحجام متفرقة[2]

ويلاحظ هنا أنه متأثر بالتقسيمات البلاغية للكلام في علم المعاني (الإطناب- التوسط- الإيجاز). ولكن التقسيم الثلاثي الذي أشرنا إليه من قبل، يفي بالغرض. ويضع القصص في سياقها الأقرب إلى المصطلح النقدي الحديث.

فالأقصوصة: يمكن أن نراها في قصص زكريا ويحيى، وأيوب ويونس وإدريس وذي الكفل.

والقصة القصيرة: قد نراها في قصص الأخدود الذي مر على قرية ابني آدم أصحاب الجنة، هود، صالح، لوط، شعيب.

والقصة المتوسطة: آدم، نوح، مريم، داود، وسليمان.

والقصة شبه الروائية: قصة يوسف، موسى، إبراهيم.

عناصر قصصية

ومهما يكن من أمر. فقد نرى في القصة القرآنية نماذج عديدة مشابهة، ولا أقول مطابقة للقصص الأدبي الحديث في شكله أو حجمه، أو أنواعه، ولكنه يبقى متميزًا بميزاته الخاصة، لأنه وحي من عند الله ولأنه يأتي في سياقات خاصة تخدم العقيدة والشريعة.

وهذا ما سوف نراه من خلال التعرف على عناصر البناء القصصي القرآني، حيث تحتفظ هذه العناصر بخصائصها القرآنية المتميزة التي تعيش على مدى الزمان والعصور، وفي كل الأماكن والبيئات.

الفكرة القصصية:

وإذا بدأنا بفكرة القصة القرآنية أو الحادثة أو الموضوع القصصي، فسوف نجده أساسًا يخدم الغرض القصصي الدعوي أو الفكرة الدعوية، وخاصة ما يتعلق بالعقيدة والتوحيد والسلوك الإسلامي، بحكم أن الدين عند الله الإسلام وأن الشرائع كلها تتوحد تحت عنوان العقيدة الإسلامية القائمة على وحدانية الله، وعدم الشرك به، فضلًا عن قدرته سبحانه المطلقة في الإحياء والإماتة والهيمنة على الكون كله.

ويمكننا على سبيل المثال أن نجد جانبًا في قصة إبراهيم عليه السلام يدلل على كل ذلك أو معظمه من خلال بيان ولاية الله- جل وعلا- للذين آمنوا به ووحدوه ولم يشركوا به، وولاية الذين كفروا للطاغوت والأصنام... الأولون يخرجون من الظلمات إلى النور والآخرون يحدث لهم العكس فيخرجون من النور إلى الظلمات، وجزاؤهم معروف وهو النار والخلود فيها.

فهناك الذي حاجّ في ربه أي جادله وخاصمه، وكأنه سأل إبراهيم: من ربك؟ وقد أوتيت ملكًا ونعمة؟ فيجيبه إبراهيم: ربي الذي يخلق الحياة والموت ولكن المجادل الخصم يزعم أنه هو الآخر يملك القدرة على الإحياء والإماتة حين يقتل من يريد، ويعفو عمن يشاء... ولكن إبراهيم  عليه السلام- يفحمه حين يقول له: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فيبهت ويتحير ولا يستطيع، ومن ثم يتعرض لعذاب الله.

وفي السياق ذاته، تأتي قصة الذي مرَّ على قرية بيت المقدس فرآها خربة بعد أن خربها بختنصر وجدرانها وسقوفها ساقطة، فيقول: كيف تعود الحياة والإعمار إلى هذه القرية بعد خرابها وتدميرها؟ هذا المتسائل الذي مر على القرية- ويقال إنه عزير- يميته الله مائة عام، ثم يبعثه فيُسأل: كم قضيتَ في الموت أو الغياب عن الدنيا، فيقول: يومًا أو بعض يوم، فيقال له: بل لبثت مائة عام، وها هو طعامك وشرابك لم يتغير، وأيضًا حمارك عاد كما كان لتكون عبرة للناس؛ فقد جمعت عظام الحمار ورتبت كما كانت في جسده قبل الموت وكُسيت لحمًا حتى صار حمارًا حيًا.. فما رأيك؟ قال: أعلم أن الله قادر ولا يعجزه شيء. 

ثم إن إبراهيم عليه السلام نفسه يطلب من ربه أن يريه كيف يحيى الموتى فيقول له ربه: أو لم تؤمن؟ فيجيب: بلى ولكني أريد أن يطمئن قلبي، فيأمره ربه أن يأخذ أربعة من الطير يضمها أو يجمعها ثم يذبحها ويضع كل جزء منها على جبل ثم يستدعيها أو يطلبها، فيجدها تلبي النداء وتأتي إليه ساعية بعد أن عادت أجزاؤها إلى بعضها... ليعلم إبراهيم -عليه السلام- أن الله لا يعجزه شيء فهو عزيز قوي، حكيم في صنعه وخلقه.

قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: 257-260).[3]

وكما نرى في الآيات الكريمة، فإن الفكرة القصصية أو الموضوع القصصي، قد وظفت لإثبات قدرة الله وهيمنته على الكون ومن فيه بالإخراج من الظلمات إلى النور والإحياء والإماتة، وفي البداية أو النهاية فهو على كل شيء قدير، وهو عزيز حكيم.

الهوامش

[1] راجع: حول القصة الإسلامية، ١٥ - ١٧.

[2] التصوير الفني في القرآن: ۱۳٦ – ۱۳۸.

[3] والطاغوتعبادة الأوثان وكل ما عدا الله، و بهت: تحير، وننشزهانرفعها من الأرض ونرتبها كما كانت في جسد الحمار قبل موتهوصرهن إليك: أي اجمعهن واضممهن إليك أواذبحهن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 111

227

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

القصة .. منشؤها وتطورها

نشر في العدد 1195

188

الثلاثاء 09-أبريل-1996

رأي القارئ (1195)

نشر في العدد 1310

69

الثلاثاء 28-يوليو-1998

المجتمع الثقافي : العدد 1310