; المجتمع الثقافي : العدد 1310 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي : العدد 1310

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1310

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 28-يوليو-1998

البناء الفني للقصة القصيرة

القصة القصيرة من أكثر فنون الأدب انتشارًا، ولما لها من جاذبية لدى القراء، وأكثرهم لا تسمح ظروفه بقراءة القصة الطويلة أو الرواية، فيجد في القصة القصيرة ما يروي غلته، ونظرًا لإقبال كثير منهم  على كتابة القصة القصيرة، رأيت أن أبين العناصر الفنية التي يقوم عليها بناؤها كالتالي: 

الحجم: إن أول ما يميز القصة القصيرة حجمها، فهي لا تزيد عادة على عشرين صفحة، وقد تصغر إلى أن تكون من صفحتين وفي هذه الحالة تسمى بالأقصوصة. 

الحدث :وأهم ما يميز الحدث فيها أنه مركز وبسيط وغير قابل للامتداد أو التفريع، فإذا كانت الرواية تشبه الشريط السينمائي في امتداده وتتابع مشاهده، فإن القصة القصيرة تشبه المنظر الذي تلتقطه آلة التصوير دفعة واحدة، وبهذا يتبين أنه لا يمكن تحويل الرواية إلى قصة قصيرة بمجرد اختصارها وضغط أحداثها، ولكي يصل الكاتب إلى هذا التركيز فإنه يختار مشهدًا معينًا، أو حدثًا، أو شخصية في موقف ما، من الحياة اليومية، ويعطي هذا المشهد شكلًا فنيًا له بداية وعقدة، ونهاية يصلح التوقف عندها .

الشخصيات: وهي في القصة القصيرة محدودة، أحيانًا شخصية واحدة أو شخصيتان، وإذا زادت على ذلك فإن القصة تفقد تركيزها لأن حجمها المحدود لن يتسع لتصوير شخصيات كثيرة وإعطائها حقها في الوضوح والبروز.

الزمان والمكان: والزمان الذي تمتد فيه حوادث القصة القصيرة محدود بيوم أو يومين وربما ساعات أو لحظات، ومكانها كذلك محدود لا يتعدى الحي أو البلد الذي وقعت فيه.

الحوار: وهو قليل فيها، وإذا استعمل فإنه يكون مختصرًا في أقل قدر من الكلمات ويكشف عن طبائع الشخصيات وسماتها النفسية.

الختام: وتنتهي القصة بما يعرف ب «لحظة التنوير»، وهي التي تمثل  ختام الحادث، وبمقدار ما يكون الختام طريفا ومفاجئًا ومرتبطًا في الوقت نفسه بأحداث القصة تكون روعته وتوفيقه، علمًا بأن قدرة القارئ على توقع نهاية القصة قبل أن يصل إليها يفسدها تمامًا.

 اللغة: يجب أن يكون أسلوب القصة القصيرة واضحًا لا غموض فيه، بحيث لا يجد القارئ نفسه مضطرًا لأن يجعل معجمًا بجواره يرجع إليه بين لحظة وأخرى، ولا شك في أن الالتزام بالفصحى في الأسلوب يرفع منزلة القصة والكاتب على السواء، ويغلب على أسلوب التعبير في القصة القصيرة السرد. وقد يدخل فيها الحوار أحيانًا .

   محمد علي حسين

(*) من كتاب «النقد والبلاغة»، وزارة التربية -الكويت بتصرف

من سمرقند إلي قباء

بقلم: يحيى بشير حاج يحيى

اقتربوا منا بعد انتهاء الصلاة، وجلسوا وكأنهم يعرفوننا منذ زمن بعيد، كانوا مجموعة من حجاج داغستان وكان الحاج مصطفى أكبرهم سنًا!

 - ما شاء الله أنت تتكلم العربية! قال له أحدنا .

- أجاب مبتسمًا: نعم تعلمتها في داغستان في الليل.

- ولماذا الليل؟

- خوفًا من الشيوعيين آنذاك، إن تعلم العربية، وقراءة القرآن لم يكن له عقوبة غير الموت. 

حرك هذا الكلام ذكريات دفينة في قلب الدكتور عبد الكريم الذي كنا نتحلق حوله في مسجد قباء، فالتفت إلى الداغستاني وقال: هل  تعرف سمرقند؟ هز الحاج 

مصطفى رأسه بالإيجاب!

تنهد الدكتور ونحن نحدق فيه بانتباه و اهتمام شديدين، وزفر زفرة طويلة، أحسسنا أنه سيتذكر  شيئًا ذا بال؟! وراح يقص علينا بلغة فصيحة مبسطة قصدها ليفهم  الأخ الداغستاني ورفقته.

قال الدكتور عبد الكريم: في عام ١٩٦٧ م سافرت إلى سمرقند لحضور مؤتمر طبي، وحين علمت السلطات الشيوعية أنني مسلم اختارت لي مرافقًا يختلف عني دينًا وسلوكًا .. وكان حريصًا على أن يطبع في ذهني الصورة التي يريدها عن النظام الشيوعي، من أن المؤتمرات تعقد في جميع الجمهوريات، وليست حكرًا على العاصمة، دون النظر إلى أي اعتبار عرقي أو ديني، فهذه سمرقند بلاد فيها مسلمون يتمتعون بحريتهم، ولا يتدخل أحد في شؤونهم، وشاء الله أن يجلس  بجانبي أحد أعضاء المؤتمر من أهل سمرقند، وحين علم أنني  مسلم ازداد تعلقه وأحسست أن عنده الشيء الكثير يريد أن يقوله لي ، قدم لي ورقة صغيرة ورجاني أن أكتب له فيها بالعربية «بسم الله الرحمن الرحيم» كتبتها بخط جميل، فأخذها، ووضعها في جيب سترته، ولم تمض لحظات حتى قدم لي ورقة أخرى، وطلب أن أكتب له الفاتحة فكتبتها، بخط كبير، فطواها ووضعها في جيب آخر وهو يحس بشيء من الاضطراب!!.

أحسست أن الرجل يتجاذبه شعوران: فهو يغبط نفسه أن قدر الله له الجلوس بجوار رجل مسلم، ويخشى في الوقت ذاته أن يراه أحد، كان «حميدوف» يعد هذا اللقاء فرصة يجب اغتنامها بكل ما فيها، فقدم لي ورقة ثالثة دون أن يقول شيئًا فأخذتها، وكتبت فيها آية الكرسي، فطواها، ووضعها في جيب قريب يلامس القلب تمامًا ؟!

نسي حميدوف الذي كان طبيبًا مثلي، ونسيت أيضًا، ونحن في غمرة المودة أننا في بلد يحكمه نظام يحصي الحركات، ويعد الأنفاس !! كان حضور المرافق غير

المتوقع مفاجأة لكل منا ؟

لقد كان يراقبنا من بعيد، وحين رآني وحميدوف في غاية الانسجام وشاهد الأوراق التي كتبتها له تغير وجهه، وتبدلت قسماته، وقال لحميدوف بلهجة محلية يفهمانها، شعرت من خلال نبراته القاسية أنه يسأله عن الأوراق ثم انطلق وهو يهمهم، ووقف حميدوف محتارًا، أيعيد الأوراق الثلاث لي، أم يدسها في المظروف الذي أمامه، أم يمضي بها إلى المنزل ؟!!

كان هذا آخر لقاء بيني وبينه، ومضت أيام المؤتمر السبعة ولم يحضر حميدوف، وعدت إلى بلدي لأجد الوزير يوجه لي عتابًا شديدًا، بناء على رسالة من أمانة المؤتمر؛ لأنني خرجت على آداب الضيافة، وشغلت نفسي بأمور جانبية ليست من طبيعة المؤتمر، وأنني قمت بعمل تخريبي في بلد صديق . 

درس حضاري

إذا ما نظرنا إلى مفهوم كلمة الاستشراق Orientalism(۱)، واستعرضنا تاريخه، بما في ذلك جذوره القديمة التي ترجع إلى عهد اليونان والمتمثلة في دراسة «هيرودوتس» (٤٨٤ - ٤٢٥) ق .م التاريخية والجغرافية لبعض الأقاليم الشرقية، تتجلى لنا حقيقة  حضارية قابلة للملاحظة، ألا وهي اهتمام الغرب منذ القدم بالشرق، بينما نكاد لا نجد اتجاهًا مقابلًا لهذا الاهتمام في الشرق القديم.

 وهذه الظاهرة لا تعبر - في رأيي - عن قصور في الاهتمامات الشرقية، ولا عن. علمية الاهتمامات الغربية أو روح الاستطلاع لدى الغرب، بقدر ما تعبر عن قاعدة علمية هي «قصد المتعلم المعلم»، أو «حاجة الأدنى إلى الأعلى»، فالغرب لشعوره بالنقص - لديه - وبالثروة العلمية - لدى الشرق - توجه لدراسة الشرق في بداية النهضة الإغريقية ذات مرة، وفي نهاية القرون الوسطى «بداية النهضة الحديثة» مرة أخرى.

والشرق - في حالة مقابلة - في العصر الحديث عندما شعر بالنقص - عنده .. وبالثراء «العلمي» - عند الغرب - قصده أيضًا، فكانت حركة مشابهة تمامًا للاستشراق، فنحن الآن ندرس تاريخ الغرب، ولغات الغرب، وأصول علوم الغرب، ونظريات الغرب... إلخ. ليس لأن هذا هو المخطط من قبل الغرب نفسه، بل لأن هذه هي النتيجة المنطقية للشعور بالدونية.

وليست حركة «الاستغراب»، هذه وليدة العصر الحديث، ولكنها في العصر الحديث أصبحت تقابل الاستشراق من حيث الشمول فقط، وإلا فحركة الاستغراب الجزئية قد حدثت في التاريخ الإسلامي عندما قامت حركة الترجمة في عهد المأمون العباسي (۱۹۸ - ۲۱۸ هـ) على الأقل، وإذا نظرنا إليها نظرة الإنصاف والموضوعية، فإننا نجد أنها كانت نابعة - حقًا - عن عجز أو شعور بالنقص، ولكن هذا الشعور كان قاصرًا على مجالات معينة مثل : الطب، وعلم الكلام، من غير أن يتسرب إلى المجال الفكري – بادئ ذي بدء. 

كما يمكن - أيضًا - وصف الحركة تلك ب «الجزئية» لعدم اعتمادها على اليونان فقط واهتمامها بالتراث الهندي أيضًا، لكون الهند شرقية- ولم تكن مسلمة آنذاك ...

إذن، فحركة الاستشراق بقدر ما هي تعبر عن روح الاستطلاع والمثابرة لدى الغرب تكشف - في الوقت نفسه - عن حقيقة «كون الغرب عالة على الشرق».

وكلما كان النقص أكبر، كان الاهتمام أكثر، وكلما كان المعلم أكثر معرفة كان الإقبال عليه متزايدًا، وهاتان قاعدتان حضاريتان ليس من السهل إنكارهما، وبناء عليهما كانت الحضارة الإسلامية - دون سائر الحضارات الشرقية الأخرى - هي الشغل الشاغل للاستشراق منذ العصور الوسطى .

محمد عامر عبد الحميد مظاهري

طالب بمرحلة الدكتوراه - قسم الاستشراق- المدينة المنورة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 111

227

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

القصة .. منشؤها وتطورها

نشر في العدد 1195

188

الثلاثاء 09-أبريل-1996

رأي القارئ (1195)