; القسم الثالث: الحج | مجلة المجتمع

العنوان القسم الثالث: الحج

الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

مشاهدات 88

نشر في العدد 420

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

الحاج في طريق العودة.. آداب زيارة قبر النبي والمستحب عند عودتك إلى بلدك وأهلك

أخي المسلم، بعد أن متعت نفسك بزيارة المصطفى عليه الصلاة والسلام والوقوف بين يديه، معطيًا العهد على أن تسير كما سار، وتجاهد كما جاهد، وتضحي كما ضحى، وعلى أن يكون لك إمامًا وقائدًا وقدوة، لا بد أن تعود إلى أهلك ووطنك، فإن لك فيه دورًا لا يجوز لك أن تتخلى عنه. وأنت الآن أقدر على القيام بهذا الدور منك بالأمس بعد أن حطت عنك خطاياك وشاهدت بعين بصيرتك من الأنوار ما شاهدت، ووقفت بين يدي المصطفى وبذلت له العهد، وامتلأت يقينًا بأنك الجندي الذي أعدك محمد صلى الله عليه وسلم ليحطم بك الكفر والطغيان، وينشر بك راية الحق والعدل والنور، أنت أنت.. والمثل لا تعرف حدود الزمان والمكان لأنها فوق الزمان والمكان، وهي هي بنورها وبهائها في كل زمان ومكان.

أخي المسلم:

لا تنس قبل توجهك إلى بلدك من وداع مسجد رسول الله بصلاة ركعتين في الروضة الشريفة، ثم توجه نحو قبر المصطفى عليه الصلاة والسلام وقف قبالته بكل أدب، مبتعدًا عن جدار القبر وقل:

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك وعلى آلك وأصحابك وأهل بيتك، وعلى النبيين وسائر الصالحين، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت للأمة، فجزاك الله عنا أفضل ما جزى رسولًا عن أمته.

ثم انصرف عنه بأدب قائلًا: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك، ويسر لي العودة إلى الحرمين سبيلًا سهلة بمنك وفضلك، وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وردنا سالمين إلى أوطاننا، آمين.

ثم امتط سيارتك متوجهًا نحو بلدك قائلًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ(الزخرف: 13، 14)، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل، آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون.

وليكن ذكر الله تعالى على لسانك في كل حين، وليكن حديثك مع إخوانك في السفر عن طهارة النفس، والمحافظة على العهد، وعن النهج الجديد الذي يجب أن يتبع بعد الحج، وعن الرسالة التي حملها كل حاج، ليزرعها شجرة باسقة في داره.. في بلده.. في الدنيا كلها؛ لأنها رسالة الحياة الكريمة التي أكرم الله بها الإنسان.

أخي المسلم:

إذا ما عزمت على السفر عليك أن تعلم أهلك بموعد وصولك إليهم امتثالًا لتوجيهات المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهذا الإعلام بموعد الوصول هو على جانب كبير من الأهمية؛ لأنهم إن علموا موعد وصولك استعدوا لاستقبالك، فلا تجدهم على حال لا ترضاها من عدم ترتيب البيت وعدم تحضير الطعام، أو تصل إلى بيتك فلا تجد أحدًا فيه، فتضطر للتفتيش عنهم عند الأهل والإخوان، وبذلك توقعهم في حرج هم في غنى عنه، وتوقع نفسك في مشقة لا تريدها... وبإخبارهم بموعد وصولك تتيح لهم فرصة استقبالك، وفرصة الدعاء لهم، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يغفر للحاج ولمن دعا له الحاج قبل أن يدخل بيته.

وبإخبارهم بموعد وصولك تمكنهم من تسقط أخبارك، حتى إذا ما أصابك حادث -لا سمح الله- عرفوه بسؤال القادمين، بسبب تأخر وصولك، ثم هرعوا إليك ليعينوك على أمرك.

ولا تسافر إلا مع رفقة، وإياك والسفر وحدك، فإنه مخالف للسنة؛ لأنه لو احتجت في الطريق إلى معونة لوجدت رفيقك معك، وإن أصابتك مصيبة حفوك بالرعاية والعناية، وخاصة في هذه الأيام التي كثرت فيها حوادث السير. وبمعرفة أهلك برفاق طريقك يجعلهم على اتصال بأهلهم وذويهم، وبذلك يتبادلون معهم المعلومات عنكم، وتطمئن قلوبهم.

أخي المسلم:

اجعل وصولك إلى أهلك نهارًا؛ عملًا بالسنة المطهرة، ولا تطرق عليهم الباب ليلًا.

واجعل نزولك حين وصولك إلى بلدك في المسجد، ليكون أول عهدك -بعد ولادتك من جديد- ببلدك بيت الله تعالى، ولتتيح الفرصة لأكبر عدد من الناس أن يسلموا عليك، وينالوا دعاءك لهم قبل دخول بيتك، فإذا ما توجهت إلى بيتك، فامنع أهلك من ذبح الشاة أو الجمل أو أية ذبيحة أخرى في وجهك، وعند قدومك؛ لأن الشاة التي تذبح هكذا لا يجوز أكلها؛ لأنها مما أهل به لغير الله، وليكن الذبح قبل وصولك، أو بعد استقرارك في بيتك.

وليكن حديثك لزوارك عن حسنات الحج، وإشراقاته، وفوائده، وإياك والحديث عن المصاعب التي عانيتها؛ لئلا تضعف همم ذوي النفوس الكليلة عن أداء فريضة الحج.

وفي غمرة الفرحة.. فرحة الأهل بقدوم الحاج، تظهر بعض التساهلات في البيت كاختلاط النساء بالرجال، وعزف الموسيقى، والتغني ببعض الأغاني الشائعة الماجنة و.. فاذكر -يا أخي المسلم- أن قلبك ونفسك وروحك قد عادت بالحج صفحة بيضاء، فلا تلطخها بالسواد من جديد، ولا تشوه بياضها الجميل بأدران تقودك إليها نزوة عابرة، أو عزيمة خائرة.

أخي المسلم: هنيئًا لك حجك، وهنيئا لك العفو والمغفرة، وأرجو أن تكون أهلًا لها بحفظك إياها.

الرابط المختصر :